PUBANNASR PUBANNASR
الثلاثاء 28 فيفري 2017

البحث عن غريب كامي في كتاب الأمريكية أليس كابلان

العربي كان يتقن أربع لغات  و تزوّج فرنسية و أصبح رجل أعمال
اسمه قدور طويل و لم يمت إلا في سنة 2002
دحضت الباحثة الأمريكية أليس كابلان والأستاذة الشرفية بعدة جامعات مرموقة، الأطروحات القائلة برمزية شخصية العربي المجهولة في رواية “الغريب” للكاتب ألبير كامي، والتي أسالت الكثير من حبر النقاد والمعلقين الذين ربطوها مباشرة بمواقف سياسية لكامي، في حين قامت هي من خلال كتابها “البحث عن الغريب”، الصادر شهر سبتمبر الماضي عن منشورات جامعة شيكاغو، بالحفر والتنقيب بشكل هادئ في محيط الكاتب وداخل المتن الروائي، إلى أن عثرت على الحادثة الحقيقية التي استلهمت منها أحداث القصة الخيالية، فوجدت أبطال الشجار على شاطئ «بويسفيل» في صيف سنة 1939، ليتحوّلوا فيما بعد إلى عناصر رواية ساهمت في منح صاحبها جائزة نوبل للآداب. كما نفضت الغبار عن العناصر الأخرى الخفية، وعن المادة الأم التي ظهر منها ميرسو، ووجدت بأنه يهودي علق مع عربي يدعى قدور طويل في شجار على الشاطئ، عندما كان رفقة زوجته وشقيقه وصديق له، ونقلت الحادثة جريدة «ليكو دوران» اليمينية آنذاك. وفي هذا الموضوع، قمنا بقراءة في بعض المقاطع من النسخة الانجليزية للكتاب، الذي سردت فيه كابلان، المختصة في الأدب والتاريخ الفرنسيين للقرن العشرين، جميع محطات حياة ألبير كامي، التي تلف رواية الغريب، كما قامت بعمل استقصائي، اقتفت فيه خلال أكثر من عامين، آثار الكاتب في الجزائر العاصمة ووهران وفرنسا، واطلعت أيضا على مقالاته ومراسلاته وصولا إلى عائلات الشخصيات الحقيقية الكامنة خلف شخوص الرواية.
إعداد و ترجمة: سامي حباطي

جميع الطلبة يتساءلون عن ملامح العربي في الغريب
وتقول أليس كابلان في مقدمة الكتاب: يتوهم قارئو قصة ميرسو، الذي يتركّب اسمه بالفرنسية من كلمتي "القفز"و"الموت"، للوهلة الأولى بأنها بسيطة، فهي تروي حكاية رجل تموت والدته في دار للمسنين، ويسافر لحضور مراسيم دفنها. عندما يعود، يتجه للسباحة مع صديقته، ويرافقها بعد ذلك إلى السينما. يقوم بتحرير رسالة لفائدة صديق خشن الطباع، ثم يقتل عربيا في شاطئ. يُحال على العدالة، التي تسلط عليه عقوبة الإعدام. في نهاية الرواية، ينتظر تنفيذ الحكم. فهي لا تضم الكثير من الأحداث، لكنها ما تزال مع ذلك، تشد انتباه القراء إليها وتدعو إلى الحيرة، تماما مثلما كانت عليه في سنة 1942 التي صدرت فيها...
ولاحظت خلال سنوات تدريسي وتقديمي مداخلات كثيرة حول رواية "الغريب"، بأن جميع الحاضرين قرأوها مرتين في أغلب الأحيان. كما أن النقاشات الدائرة حولها تكون ساخنة، ومن الأسئلة المطروحة بكثرة، هل يمثل "ميرسو"الشرط الانساني؟ هل يجب أن نتعاطف معه؟ لماذا لم يذرف دموعا في جنازة أمه؟ ولماذا يريد في نهاية الرواية أن يجتمع الناس لمشاهدة إعدامه ويحيونه بصرخات الكراهية؟ ويتساءل القراء الناطقون باللغة الانجليزية إذا ما كان استعمال كلمة "الغريب" في ترجمة عنوان الرواية، أصح من كلمة "اللامنتمي"، ويريدون أيضا معرفة سبب أهمية السياق الجزائري في الرواية، والفرق الذي يحدثه عامل أن يكون "ميرسو"، جزائريا فرنسيا في إطار كولونيالي، وسبب عدم إعطاء العربي المقتول اسما.
النقاد لم يهتموا بالطريقة التي كُتبت بها الرواية
وتعتبر كابلان في مقدمة كتابها بأن دراسات النقاد قد أخذت بعين الاعتبار ظروف ألبير كامي ونشاطاته في المرحلة التي ألف فيها الرواية، لكنها أهملت الكتاب بحد ذاته، وعبرت بالقول "لم يهتم أحد من قبل بالطريقة التي انتهجها في روايته الفريدة من نوعها. وأنا أفضل أن أقول، بالطريقة التي اكتشف بها الرواية في داخله، وكيف نُشرت خلال الاحتلال النازي، وفي واحدة من أكثر المراحل تعقيدا وسوء في تاريخ النشر الفرنسي. وهي قصة نجاح مذهلة، حققت نتائج كبيرة للرواية في المستقبل، حيث يمكن أن نعد الغريب حادثة تطورية سمحت بوجود أنواع جديدة كليا في الأدب."وتشير الباحثة إلى أنها حاولت كتابة سيرة ذاتية عن الرواية، عبر ربطها بحياة كامي، وفصلها عنه في نفس الوقت.
وتستطرد الأستاذة في وصف تجربتها مؤكدة بأنها حاولت في عملها، أن تقترب من نهج ألبير كامي وتفكيره خلال إنتاجه لعمله وإرساله للمراجعة ونشره في فرنسا الحرب العالمية الثانية. وأشارت إلى أنها تعمدت إلحاق بعض الخراط عن الجزائر وفرنسا إبان الحرب العالمية الثانية، في الكتاب لمنح القراء حسا أقوى بملحمة الغريب بين شمال إفريقيا وفرنسا، وهي تتحول من مجموعة مسودات إلى كتاب.
وتقول: تمكنت في بحثي عن الومضات الأولى من رواية كامي داخل دفاتره ورسائله، من شق طريقي خلال السنوات التي كتبت فيها، متنقلة من الكاتب في العمل إلى الكاتب على الصفحات، حيث تشبه طريقتي ما يسميه كتاب الخيال بـ"الشخص الثالث في السرد"، فقد تتبعت كامي شهرا بشهر، كمن يحاول استراق النظر من خلف كتفه، حتى أروي القصة بعينيه، لا من منظوري أنا.
كامي يتلف 5 سنوات من حياته عام 1939
في الفصل الأول من الكتاب، والمعنون بـ"موقد النار"، تتحدث كابلان عن قيام كامي، في أكتوبر من سنة 1939، بحرق جميع رسائله من صديقاته وزملاء الدراسة وأساتذته، التي احتفظ بها خلال خمس سنوات ماضية، أي منذ أن كان يبلغ من العمر 20 سنة، وذلك بعد إعلان فرنسا الحرب على ألمانيا، والشروع في حشد الجيوش. وكان كامي، الذي أُعفي من التجنيد لأسباب طبية، يعمل وقتها صحفيا في جريدة على وشك أن تُغلق بقرار من الحكومة، كما وصفت الشقة المكونة من ثلاث غرف، التي قطن بها خلال 17 سنة مع والدته المصابة باضطرابات حادة في السمع، بشارع ليون في بلكور، الحي الذي سكنت فيه الطبقة الشغيلة من المستعمرين الفرنسيين. وقالت كابلان إن شقة والدته كانت المكان، الذي تعمق فيه شعور كامي، وتمكن فيه من شحذ أذنه للغة وحسه للملاحظة الدقيقة، وطور فكرته حول ما سيسميه، بحكمة الشاب البالغ من العمر 25 سنة، بـ"العبث". وأشارت الباحثة إلى أن صاحب الغريب كان ينتمي إلى فئة من الفرنسيين الاستعماريين تعرف حرفيا بـ"صغار البيض" ( Les petits blancs)، أو الطبقة الدنيا من المُستعمرين الفرنسيين في الجزائر.وتعود الباحثة في نفس الفصل إلى الحديث عن حادثة حرق كامي لرسائله، حيث ذكرت بأن المسألة جاءت على إثر تعرفه بصديقته فرانسين فور ابنة مدينة وهران، بعد انفصاله عن زوجته، مشيرة إلى أن ما قام به محاولة منه للتأكيد لها ولنفسه، بأن علاقاته القديمة مع النساء صارت من الماضي، ولكنها تلفت بأن للأمر علاقة بالمناخ السياسي السائد، بعدما أعلنت السلطات الاستعمارية آنذاك أن الانخراط في الحزب الشيوعي مخالف للقانون، ما جعل كامي يظن بأنه تحت الرقابة، رغم أنه طُرد من الحزب المذكور سنة 1937 بعد اتهامه بأنه عنصر "تروتسكي"محرض.
ولم ينقذ كامي من ألسنة اللهب إلا بضعة كلمات اعتراف بالموهبة من الكاتب الفرنسي هنري دي مونترلو، ومسودة عمل روائي خيالي لم يخرج إلى النور تحت عنوان "موت سعيد"، ودفتر يوميات وضع فيه بعض الأفكار والصور، كما أنه كان يكتب عدة أعمال أدبية أخرى، لكن الأهم منها جميعا كان رواية جديدة بدأ كتابتها للتو آنذاك، وقد كان كامي ينوي في البداية عنونتها بـ"الرجل غير المبالي".
لقاء بين كابلان و كمال داود و اختلاف حول العربي الذي بدأت تظهر ملامحه
واكتشفت أليس كابلان في بحثها المطول الذي قامت به، أن العربي في رواية الغريب موجود في الواقع، حيث تقول في هذا الشأن في الصفحة 210 من كتابها، "إن كان كمال داود قد استخرج موسى وميرسو من أنقاض الماضي، في روايته التاريخية، فماذا يبقى للحقيقة؟ كنت لا أزال أبحث عن العربي، وهو لم يكن رمزا لأي شيء، لقد كان شخصا حقيقيا، وقع في مشكلة على شاطئ البحر في صيف سنة 1939. لقد بحثت عنه بالوسائل التي أتيحت لي، كباحثة ومسافرة قادمة من الخارج".
وصرحت كابلان في كتابها، بأن لقاء قصيرا جمعها بالكاتب كمال داود، في الرحلة التي قادتها إلى مدينة وهران صيف عام 2014، حيث علقت على رواية داود "ميرسو تحقيق مضاد"، بالقول "إن رواية داود تحدتني للتفكير في الشخص الضائع في قلب رواية كامي، وقدم لي داود ملاحظة في لقائنا السريع لم أتوقف عن التمعن فيها، حيث قال: الجزائريون والأمريكان والفرنسيون لا يقرأون الغريب بنفس الطريقة، فلكل منا قراءة استهامية خاصة به".
وفي شهر أوت من سنة 1939، أمضى كامي ثلاثة أيام في مدينة وهران، حيث شكلت تلك الرحلة بالنسبة له عزاء عن السفر الذي حلم بالقيام به رفقة فرانسين إلى اليونان، وصار مستحيلا بسبب الأجواء الدولية المشحونة. وهيمنت الآلهة الرومانية والإغريقية على دفتره اليومي في تلك الفترة، ورغم عمله في جريدة "ألجي ريبيبليكان"(Alger républicain) ، فإن كامي أصبح يقضي وقتا أطول في مدينة وهران مع فرانسين وعائلتها والعدد الكبير من أصدقائهم. كان يقرأ كل يوم الصحف الصادرة في المدينة، وخصوصا الجريدة اليمينية "ليكو دوران"، التي ساندت رئيس بلدية وهران الفاشي آنذاك ومثلت كل ما يتعارض مع قناعات ألبير كامي.
حبكة الغريب انبثقت من خبر شجار في جريدة يمينية
وسمع ألبير كامي في إحدى زياراته التالية لمدينة وهران، عن قصة سلبت خياله لعدة غايات، أو على الأقل هكذا أعاد كاتبا سيرته الذاتية، هربرت لوتمان وأوليفيي تود، بناء سلسلة من الأحداث المرتبطة برواية الغريب بحسب ما تشير إليه الباحثة في الفصل المعنون بـ"العبث"في الصفحة 54. وقد حاور لوتمان بيار غالينو، بينما ساءل تود الإخوة راؤول وإدغار بن سوسان، والمذكورون هم الرجال الثلاثة الذين كانوا جزءا من البشر الذين أثاروا اهتمام الكاتب قبل الحرب، حيث زود الإخوة بن سوسان أوليفيي تود بواقعة ومجموعة من التفاصيل حول "عربيين اثنين امتلكا جرأة دخول شاطئ مخصص للأوروبيين فقط، وأثار أحدهما شجارا". وقد احتلت هذه القصة مكانا بارزا في السير الذاتية للوتمان وتود.
وأخذت وقائع القصة منحى سيئا، عندما واصل أحد العربيين النظر إلى زوجة راؤول بن سوسان أو صديقته، وعندها تصارع راؤول مع العربي، وبدأ الأول يتغلب على الثاني قبل أن يشهر العربي سكينا ويسبب جرحا لراؤول على وجنته وساعده، ما دفع المصاب إلى الانسحاب نحو منزل صغير على الشاطئ كان يحضر فيه لرحلة استجمام مع أصدقائه، وقام طبيب بتضميد جرحيه، قبل أن يعود بعد الغذاء إلى الشاطئ سعيا للانتقام وفي جيبه مسدس. وقد عثر على العربي وصديقه ودخل معهما في شجار ثان.
ويتطابق تسلسل الأحداث المذكورة بحسب أليس كابلان، مع وقائع الجريمة التي ارتكبها ميرسو في رواية الغريب بشكل محير، مع وجود بعض الاستثناءات، فراؤول لم يستعمل سلاحه أبدا، كما أن قوات الأمن قامت بتوقيف العربيين، ولم يُتابع الإخوة ابن سوسان بأية تهمة، مضيفة بأن كون ابن سوسان يهوديا جعل الشجار مختلفا عن القصة الخيالية التي كتبها ألبير كامي. وكان اليهوديان يتمتعان بالجنسية الفرنسية بموجب قانون كريميو، لكنها نبهت إلى نقطة مهمة، فالشخصان المذكوران من السكان المحليين رغم ديانتهما، وبالتالي فهما يتقنان اللهجة العربية الجزائرية ولن يكون العراك صامتا، على عكس ما وقع بين ميرسو والعربي في الرواية.
تقلص بعد ذلك وقع شجار الشاطئ المذكور بسرعة بفعل أخبار الحرب العالمية الثانية التي بدأت تلقي بظلالها بسرعة، لتعلن بعد ذلك بمدة قصيرة فرنسا وانجلترا الحرب على ألمانيا النازية، وفي سنة 1940 انتقل ألبير كامي للعيش في مدينة وهران أين قدم دروسا خصوصية في الفلسفة والتاريخ، بعد أن توقفت جريدة "لوسوار ريبيبليكان"وصار بطالا، ولم يتزوج من صديقته فرانسين لأن طلاقه من زوجته سيمون هيي لم يكن نهائيا. وكان كامي يتجه إلى عدة شواطئ للكتابة، ومنها "بويسفيل"، الذي وقعت به المشاجرة بين العربي وراؤول بن سوسان، وشاطئ "تروفيل". كما كتب عن المنازل الصغيرة بألوانها الخضراء والبيضاء، وعن السماء الضاربة في الزرقة والساعات الطويلة التي قضاها تحت أشعة الشمس، والأسى الذي يعانيه من يجد نفسه معلقا بين الحياة والموت. وفي نفس السنة بدأت "الغريب"تتخذ شكلها الواضح، وتُلاحظ الكاتبة بأن شخصية بطلها ميرسو تتطابق مع صفات بطل رواية "موت سعيد"، فضلا عن أن كلمة ميرسو تصبح، بتغيير في بعض حروفها اللاتينية Merso))، وهو أيضا اسم متداول بين إحدى المجموعات العرقية الاسبانية من الأوروبيين الذين عاشوا بمدينة وهران.
رحلة لتقفي آثار الغريب في شوارع الجزائر و وهران
وذهبت الباحثة بعيدا في رحلة التنقيب عن المعلومات حول راؤول بن سوسان، "ميرسو"القصة الواقعية لشاطئ "بويسفيل"، حيث وجدت بأنه استدعي للالتحاق الجبري بالقوات الجوية في سنة 1939، ليسرح من الخدمة بعد ذلك بسنة على إثر الهزيمة، وبسبب تجريده من الجنسية الفرنسية في أكتوبر 1940، ما جعله غير مؤهل للتجنيد مرة أخرى. وقد دخل الحلفاء شمال إفريقيا في نوفمبر 1942، لكن الجنرال جيرو، المكلف آنذاك بما كان يعرف بـ"الإقليم الفرنسي المحرر"، رفض إعادة الجنسية ليهود الجزائر، من أجل الإبقاء على "التساوي"بين السكان الأصليين.وعندما عاد ألبير كامي إلى وهران في جانفي 1941 بعد رحلته في فرنسا مرفقا بمسودة الغريب، استُقبل بمشهد العائلات اليهودية التي تغير وضعها رأسا على عقب، بسبب الصفة المعادية لليهود التي مُنحت لهم، على حد وصف الكاتبة، على غرار عائلتي جاك ديريدا وهيلين سيكسو، اللذين كان يعرفهما كامي.
أما في الصفحة 210 من الخاتمة، التي عنونتها بـ"إيكو دوران"، تقول أليس كابلان إن "المصدر مجرد بداية في فن الخيال، فهو شعلة الاختراع، لكنه من المهم جدا، العودة إلى قصة الإخوة ابن سوسان، مثلما تطرق إليها أوليفيي تود لسبب بسيط، يتمثل في أن عربي وقائع "بويسفيل"وصلنا كشيفرة غامضة، لا تحمل اسما ولا ملامح، كالشخصية التي ذكرها كامي في روايته. وخلال سنتين سافرت إلى جميع الأماكن المتعلقة برواية "الغريب"في كل من الجزائر وفرنسا، ومشيت في الشارع المسمى سابقا "شارع ليون"في الجزائر العاصمة. صعدنا مرتفع سيدي إبراهيم أنا والمصور قيس جيلالي، وطرقنا الأبواب إلى غاية عثورنا على البيت الخارج من العالم، والذي تسكنه اليوم ثلاث أجيال من النساء القبائليات اللاتي لا يتقن لا العربية ولا الفرنسية..."وقد أضافت بأنها استعانت بالأب غيوم ميشال من المركز الأسقفي للدراسات والأبحاث لتبلغ الآفاق الزرقاء والذهبية لمدينة تيبازة.
مدينة وهران كانت محطتها الأخيرة، حيث أرشدها هناك، بحسب ما تشير إليه في نفس الفصل، رئيس جمعية محلية تسمى "الأفق الجميل"، وتهتم بكل المراحل التاريخية للمدينة وجميع الخصائص التي تميزها، وأكدت بأن عبد الحق عبد السلام –مؤسس الجمعية- على اطلاع كبير بعادات ألبير كامي والأماكن التي كان يتجول بها في وهران وما كتبه عنها، وقادها أيضا، إلى مختلف المقاهي والشوارع والمطاعم التي ارتادها الكاتب من قبل، فضلا عن أنه يحفظ عن ظهر قلب مقولات لكامي. وتُوضح بأنه اصطحبها إلى المطعم الذي كان في السابق، رواق العرض الخاص بأصدقاء كامي، وإلى الشارع اليهودي القديم والمكان الذي وجدت فيه صومعتهم، بالإضافة إلى توقفهما لمشاهدة عدد من البنايات التي علم فيها كامي التلاميذ اليهود المطرودين من المدارس.
"ميرسو" كان يعمل ميكانيكي سيارات
وفي استقصائها توقفت الأستاذة مع مرشدها بوهران، بحانة تدعى "التيتانيك"، وهو موقع التحقيق حول ميرسو، وفي إحدى الشوارع دلها عبد الحق على مقر جريدة الجمهورية المعربة، التي كانت في زمن الاستعمار الفرنسي يومية الجناح اليميني "ليكو دوران"أو (صدى وهران)، وقد سُمح لها بالبحث في أرشيف الجريدة، وهنا تقول الباحثة "لقد كنت أفكر فيهم جميعا راؤول وإدغار بن سوسان وريمون سينتيس، ميرسو والعربي الذي لا اسم له ... وقد بدأت أقرأ الأرشيف الورقي للجريدة من سنة 1939، بداية من الصيف الأخير الذي عمل فيه كامي مع جريدة "ألجي ريبيبليكان"، عندما كان يسافر من وقت لآخر لزيارة صديقته فرانسين فور. وفي العدد الصادر يوم 31 جويلية 1939، قفز إلى عيني عنوان ورد فيه "شجار عنيف على شاطيء بويسفيل"، وقد كان موضوعا قصيرا لكنه مليء بالتفاصيل، كما ذُكر فيه كل من راؤول بن سوسان والعربي. وكان راؤول يعمل ميكانيكي سيارات، وجاء إلى مكان الحادثة على متن قارب مزود بمحرك رفقة زوجته وشقيقه وصديق آخر".
وقد كشفت الباحثة بأن العربي يدعى قدور بطويل، كما جاء اسمه في الجزء الذي نقلته من الموضوع وكان نصه كالآتي:
"كانا الشابان يقضيان وقتا ممتعا، عندما هاجمهما ساكنان أصليان، بدون شك تحت تأثير المخدرات، وقاما بخلق شجار مع السيد ابن سوسان ورفاقه، حيث بدأت الحادثة بالشتم، لتنهمر بعدها الضربات، باللكمات وبعدها بسكين، جُرح بسببه السيد ابن سوسان بشكل خطير، وطعن مرتين بخنجر على مستوى ساعده الأيسر ووجنته اليمنى. وتبين بأن من قام بالهجوم، هو المسمى قدور بطويل، البالغ من العمر 19 سنة، ويقطن بعين الترك، مع والديه.
تمت السيطرة على المعتدي وتوقيفه من طرف أحد عناصر الحرس الجمهوري يدعى ديبوا والدركي المسمى بارجي اللذين كانا يقومان بحراسة الطريق وقدما بسرعة ما إن علما بأمر الشجار، فيما فر المعتدي الثاني من مكان الجريمة، وأُعلن إنذار لتوقيفه، وسيتم إلقاء القبض عليه قريبا. كما تجدر الإشارة إلى أن قدور بطويل تلقى عدة ضربات على مستوى الرأس وحاجبه أثناء الشجار."
جلسة شاي مع عائلة "العربي" الذي عاش 82 سنة
وظهر بعد الحادثة خبر ثاني في نفس الجريدة يوم 3 أوت، مفاده أن قدور بطويل قد أودع الحبس، في حين تضع الكاتبة ملاحظات هامة، حول النبرة التي حملتها لغة المقال، وتظهر فيها الجزائر المُستعمرة، حيث أن راؤول بن سوسان ذُكر باسم "السيد"، بينما لم تعط العربي غير اسمه ولقبه فقط، مشيرة إلى أن اليهودي أُعجب بالامتيازات التي تمنحها له جنسيته الفرنسية.وذكرت أيضا بأن السيرة التي كتبها تود لم تضم اسم العربي، في حين سهل لها مرشدها في وهران، عبد الحق عبد السلام، القيام بالخطوة الثانية لاقتحام منطقة عين الترك بحثا عن عائلة العربي، حيث تقول "إنه تعرف على لقب العربي بسرعة، وأخبرها بأنه ينتمي إلى واحدة من كبار العائلات بالمدينة، فيما علمت بأن قدور بطويل توفي سنة 2002، بينما لا يزال شقيقه وشقيقته على قيد الحياة ويعيشان في عين الترك.وكشفت العائلة بأن لقبها الحقيقي هو طويل، بينما أضافت الجريدة الفرنسية آنذاك، الباء مثلما كانت تضيف بشكل عشوائي كلمة "ابن"إلى ألقاب المسلمين واليهود".
وتعود كابلان إلى تاريخ العائلة بعين الترك، حيث تشير إلى أن المنطقة كانت في الثلاثينيات مكونة من عائلتي بوخاتم وطويل، لكن واحدا من أعيان العائلة الأولى اشتكى لدى رئيس البلدية من والد "قدور طويل"بتهمة تهديده بالقتل في سنة 1935، بعد الكثير من المشاكل المسجلة بين العائلتين، كما عبرت عن دهشة شقيق قدور الذي لا يزال حيا، ويدعى جيلالي طويل، وزوجته وابنته وشقيقته، من بحث أمريكية عنهم من أجل استكمال دراسة تقوم بها حول ألبير كامي، ولكنهم مع ذلك وافقوا على لقائها واستقبلوها بكل رحابة صدر داخل بيتهم بالشاي والنعناع والحلويات والكعك المعد في المنزل. وتضيف بأن بيت عائلة طويل مُنجز على أنقاض مزرعة اسبانية قديمة قضى فيها ألبير كامي عطلته مع أصدقائه في سنة 1942، في انتظار الرخصة للسفر إلى فرنسا من أجل تلقي العلاج لمرض السل الذي كان يعاني منه.
ولم يكن لقدور حسب الباحثة، أية مخاوف من المغامرة بالدخول إلى شاطئ أوروبي في "بويسفيل"يوم الحادثة من سنة 1939، فقد كان المكان كاملا كبيت له هناك، كما أن والده كان من أعيان المنطقة، في حين حمل قدور شهادة إنهاء التعليم الابتدائي، وأتقن أربع لغات، العربية والاسبانية والفرنسية والأمازيغية، وعمل مع والده. وقالت شقيقته إن أخاها قدور كان يحب التجول مع الأوروبيين أيام السبت على الشاطئ، كما كانت له صديقة فرنسية تدعى سوزي، لكن والديها ما كانا ليقبلا بأن يتزوجها، حيث تضيف شقيقته بأنه كان في غاية الوسامة.
وتصف الباحثة شقيقة قدور المسماة خيرة، والبالغة من العمر 95 سنة، بأنها كانت ترتدي ثوبا طويلا من الحرير وتتوجه إليها بلغة فرنسية راقية، وذكرت لها بأن قدور كان يتحدث بلغة فرنسية جيدة وكان يشرب وغالبا ما يعلق في شجارات، لكنه كان أخا جيدا، ورغم أنها لا تتذكر حادثته مع الإخوة ابن سوسان، إلا أنها أكدت على أنه لا شيء خاص فيها. كما وصفت الكاتبة مسار قدور طويل في الحياة فيما بعد بأنه كان شبيها بمسار ألبير كامي، فهو لم يكن مؤهلا للتجنيد في الجيش الفرنسي، وأصيب بالسل في السجن، وسافر بعدها إلى فرنسا للعلاج مثلما جرى مع كامي، لكن قدور تزوج ممرضته الفرنسية وعادا معا إلى عين الترك سنة 1954، وقد أصبح بعدها رجل أعمال ناجح.
لكنه اتهم أيضا باغتصاب مهاجرة مغربية بالمنطقة، بحسب ما جاء في كتاب أليس كابلان، عندما كان يقبع في السجن، وحاول والده حل المشكلة من خلال تزويجه بها، لكن قايد المنطقة رفض الأمر بشكل قاطع ومنع ذلك.
وترى أليس كابلان في الخاتمة، التي وقعتها بتاريخ 1 ديسمبر 2014، بأنه من المهم تحرير شخصية العربي الحقيقية، قدور طويل، من الثقل الرمزي لرواية ألبير كامي، وتقول "إن للعربي على الشاطئ اسم، وكان يتكلم أربع لغات ويواعد صديقة فرنسية، حمل في يده سكينا واستعمله، ومثل كامي كان مصابا بالسل، وأُعفي من الخدمة العسكرية ... وأنهيت بحثي بهذه المصالحة الخيالية بين ألبير كامي وقدور طويل وهما في العيادتين الجبليتين يتلقيان العلاج".                         
س.ح