PUBANNASR PUBANNASR
الإثنين 11 ديسمبر 2017

الشاعر الأمريكي من أصل جزائري جلول مربروك للنصر في أول حوار مع جريدة جزائرية

مستعد لمساعدة الكتاب الجزائريين على النشر بالانجليزية
ســأزور الجزائر العام الـمقبل
يُعبر الشاعر الأمريكي جلول مربروك للنصر عن حبه الشديد لمكان ولادته الجزائر، في هذا الحوار الأول الذي يجريه مع جريدة جزائرية، حيث حدثنا عن رغبته الشديدة في مساعدة الجزائريين الذين يسعون إلى الكتابة باللغة الإنجليزية وآماله بأن تتوطد عملية التواصل الثقافي بين الولايات المتحدة والجزائر عن طريق الترجمة والتبادل في مختلف مجالات الفنون، كما وصف لنا ما ينتابه من فضول حيال الحضارة العربية وتاريخها وبلد مولده، الذي فرض حضوره في جميع نصوصه وقصائده رغم أنه لم يزره من قبل أبدا، فيما يؤكد لنا بأنه كان يعلم بأنه جزائري مولود في بوسعادة منذ أن كان طفلا بعدما أخبرته والدته الفنانة أنيتا رايس –غيرت اسمها فيما بعد إلى جوانيتا غوتشيوني- بذلك، مشيرا إلى أنهما دعما الثورة الجزائرية وفرحا كثيرا بالاستقلال. ووافق جلول مربروك، الذي عمل طيلة حياته كصحفي ومصور، على محاورتنا مباشرة طالبا منا أن نطرح عليه ما نشاء من الأسئلة بعد أن اتصلنا به عبر “فيسبوك” ثم عن طريق البريد الإلكتروني، ليعلن بعد ذلك لقرائه وأصدقائه عبر صفحته عن موعد صدور الحوار الذي سيكون باللغة العربية على صفحات الملحق الثقافي للنصر اليوم.
حاوره: سامي حباطي
_ هل تعتبر نفسك شاعرا أم كاتبا؟
_أنا شاعر وروائي، ومصور أيضا، لكن لطالما كنت شاعرا قبل كل شيء، وكتاباتي في الشعر أكثر غزارة منها في النثر.

_ ألم يؤثر عملك في الصحافة على نصوصك الأدبية؟
_ بلى لقد تركت الصحافة أثرا بالغا في كتاباتي، منذ أن بدأت مشواري المهني فيها كمخبر صحفي ومصور مع “بروفيدانس جورنال بالتين”، التي كانت واحدة من أرقى الجرائد في أمريكا آنذاك، في حين جعلني عملي بعد ذلك كمحرر مسؤول عن الأخبار المحلية في جريدة “إلميرا ستار غازيت» بشمال نيويورك، مطالبا بالتعامل مع غرفة التنضيد التي ينضوي أفرادها تحت لواء النقابة، وقد كانت واحدة من أفضل الغرف في أمريكا. ورغم أن قانون النقابة كان يمنع على المحررين المسؤولين لمس منضد حروف الطباعة، التي توضع بعد ذلك في الصفيحة الساخنة، إلا أن المُنضدين أحبوني بعد أن عرفوا بأنني نقابي وأشجع على العمل النقابي، لذلك سمحوا لي بلمس الحروف بيدي. كان ينتابني شعور ساحر حيال هذا الأمر، وقد بدا لي بأنني أمسك كلمة بيدي. بل كان مثل ضم اللوغوس داخل أصابعي.
دعمت نضال الجزائريين ضد الاستعمار وفرحت باستقلالهم
فُتنت بهذا العمل، ووقعت في حب فن طباعة الجريدة وتصميمها، كما أنني كنت أكتب العناوين، حيث أثرت هذه التجربة في قصائدي، لأن تحرير العناوين يشبه الهايكو، ويجب أن تكون مقتضبة ومحددة، وينبغي ألا تسرف في استعمال حرف واحد أو تضيع أي حيز مهما كان بسيطا، وهو ما ترك في انطباعا عميقا. كانت قصائدي حتى ذلك الحين تجريبية وتركز على اللغة وشكلها في الصفحة، وقد كان هذا الأمر جيدا ولا عيب فيه، لكن ما إن انخرطت في أعمال الطباعة وتصميم الجريدة، حتى أصبحت مهتما بفحوى ما أقوله أكثر من الطريقة التي تصدر بها الكلمات. لا أريد أن أضللكم، إلا أن أغلب هواة الشعر يظنون بأن الشكلية والبنيوية تغلب على قصائدي، وأنا أرى بأنها نتيجة حياة طويلة من دراسة الشعر والتدبر في علم العروض والتصاوت الشعري.
_ من هو الكاتب الجيد بحسب رأيك؟ أهو ذلك الذي يعتقد بأن الأدب يجب أن يكون في متناول القراء؟
_أنا أرفض هذه الفكرة، وأعتقد بأنها وليدة ثقافة السوق، كما أرى بأننا في ثقافتنا الغربية الرأسمالية نعطي أهمية للسوق على حساب القيمة. الكاتب الجيد يقرأ غيره، ويسعى إلى تنوير ما حوله ويهتم بما يراه ويلاحظه، كما أن الكاتب الجيد هو من تُصدق جوارحه نبوءة بصيرته، وليس من يخضع لما تفرضه عليه السوق. ليس مهما أن تؤلف مئات الكتب أو قصيدة واحدة، بل الأهم أن تكون صادقا. إن تصورات السوق قد أثملت النقاد الذي يواظبون على السؤال عن الكتاب التالي أو القصيدة القادمة التي سيصدرها الكاتب، ولا علاقة لهؤلاء بمفهوم الاستحقاق بحسب عمق النص، كما أن قائمة الكتب الأكثر مبيعا مجرد وحدة قياس للسوق ولحجم المال المستثمر في الترويج لكتاب ما، ولا تدل على العمل ذي القيمة، والذي لا يجب أن نخلطه مع ما يعرض في قائمة الـ»أكثر مبيعا».
_إذن فإن التفرد يجب أن يتوفر في الكاتب.
-يجب أن تتوفر في الكاتب شعلة غير قابلة للإخماد من الرغبة في الاحتفاء بالخصوصية الموجودة في جميع الأشياء، وهوس بنشر الأنوار من حوله ببطولة خرافية.
السلطات الفرنسية اعتقلت أمي بسبب تعاطفها مع سكان ولاد نايل
_ هل تعمل حاليا على كتابات أدبية جديدة حول الجزائر؟
_تتضمن الرواية الأولى من ثلاثيتي القادمة الموسومة بـ»ماء يخترق النور” Light piercing water، محتوى كبيرا حول الجزائر، كما أن معرفتي بالحضارة العربية تغذي كل واحد من كتبي الأخرى.
_ من هم الكتاب الذين أثروا فيك خلال مشوارك الأدبي؟
_هناك كثير من الأسماء، يحضرني منها الآن إدوارد مورغان فوستر وفيرجينيا وولف. لقد تلقيت في المرحلة الأولى تعليما بريطانيا عموميا إلى غاية سنتي الجامعية الثانية بمدرسة دوايت التحضيرية بمانهاتن، لذلك اكتشفت في البداية أعمال الروائيين والشعراء والمؤلفين البريطانيين، في حين ألهم هيرمان ملفيل وستيفن كراين خيالي بشكل كبير. أما بالنسبة لمشاربي الشعرية، فهي أكثر تنوعا وتعددا، وتضم أعمال كل من تي أس إيليوت وويستان هاغ أودن وعزرا باوند وجون أشبيري، لكن يمكن أن أقول بدون أي تردد بأن إميلي ديكينسون هي من تركت الأثر الأعمق في مساري كشاعر. تأثرت أيضا بكتاب لم أعجب بأعمالهم أو اعتبرت مستواهم متدنيا.
_ ماذا عن السينمائيين والمسرحيين الذين أثروا فيك؟
_ شكلت الأفلام واحدة من أهم مصادر الإلهام بالنسبة إلي، ويوجد عدد قليل فقط من المخرجين الكبار ممن لا تعجبني أعمالهم، لكن إنغمار برغمان هو من يحضر إلى ذهني أولا، حيث ألهمني باعتباري شاعرا وروائيا.
_ كيف استقبلت أنباء الثورة الجزائرية باعتبارك أمريكيا جزائري المولد، وكمتطوع في البحرية الأمريكية وصحفي بعد ذلك؟
_لقد غطت وسائل الإعلام الأمريكية حرب فرنسا في الهند الصينية بشكل جيد نوعا ما، ربما لأن الأمور كانت على المحك حينها، لكن بعد هزيمة «ديان بيان فو» انصب اهتمامي على ذلك الصراع، عندما تخلى الفرنسيون عن عدد كبير من جنودهم المُستعمرين، ومن بينهم جزائريون مخلصون. لم تكن وسائل الإعلام الأمريكية تغطي الصراع المتصاعد في الجزائر في بداياته، حيث لم يبلغ مستوى الثورة الشاملة آنذاك، وقد كان الضباط الفرنسيون ينتظرون من جنود المستعمرات العائدين إلى الجزائر أن يقمعوا التمرد، لكن أغلبهم رفضوا القيام بذلك، لأنهم سبق وأن عانوا الأمرين من معاملة فرنسا لهم في الهند الصينية.
أعلم بأنني جزائري منذ أن كنت طفلا
عند هذه النقطة التاريخية، بدأت الصحافة البريطانية وبعدها الأمريكية في تغطية الحرب في الجزائر، لكن ليس بشكل جيد أو معمق، حيث تجلى بوضوح تعاطفها المخطئ مع الفرنسيين، ولم تتأخر هوليوود –بالطبع- عن تقديم نسختها الرومانسية عن الفيلق الأجنبي الفرنسي، فضلا أن الكثير من الأمريكيين اعتبروا قضية الفرنسيين عادلة. لقد كان هذا التصرف أحمقا وخاطئا، لكن للأسف كانت سمة مميزة أيضا. عندما اتخذت الثورة الجزائرية شكلا جديا، كنت في البحرية الأمريكية أؤدي خدمتي في المياه الكورية وقناة السويس ثم شمال الأطلسي، ولقد ابتهجت لذلك.

عاشت والدتي مع أولاد نايل في بوسعادة لعدة سنوات وقد تعاطفت بشكل واضح مع الجزائريين وليس الفرنسيين، الذين واجهت معهم مشاكل خلال الثلاثينيات بسبب حبها للجزائريين، حيث كانت تتقن الألمانية والإنجليزية والفرنسية، وأوقفتها مصالح الأمن الفرنسية في إحدى المرات بعد الاشتباه في قيامها بإعداد رسوم طوبوغرافية لصالح المخابرات الألمانية.
_هل يمكن القول إنكما تعاطفتما مع الجزائر بنفس الطريقة؟
_ لم تكن لي أي تجربة شخصية مع الجزائر آنذاك على عكس أمي، لذلك فقد كان تعاطفي فكريا أكثر منه شخصيا، وكنت أرى بوضوح بأن الثورة الجزائرية تسير في نفس خط الثورة الأمريكية ضد الاستعمار والاستغلال الأجنبي، كما رأيت أيضا حجم عنصرية الاحتلال الفرنسي، وعلى عكس أغلب الأمريكيين فقد أدركت بأن الغرب مدين للحضارة العربية بالكثير في مجالات العلوم والطب والفلك والأدب والموسيقى والهندسة والكيمياء والرياضيات وكثير من الميادين الأخرى، في حين لم يُعلم الأمريكيون أيا من هذه الأمور.
_ وهل كنت سعيدا باستقلال الجزائر؟
_ نعم، وقد أسعدني كثيرا أن الجزائر استطاعت أن تهز الأرض بالفرنسيين المستعمرين، رغم أن ما لحق بأبنائها من تعذيب وإراقة للدماء أثار في نفسي الأسى. كانت لي تطلعات كبرى للجزائريين، وحاولت كصحفي أن أشرح سياق هذا الصراع، لكنني لم أخض كثيرا في هذا الموضوع لأنني كنت متخصصا في الصحافة الاستقصائية والتصوير والتصميم والتحرير، وليس في الأخبار الدولية، رغم أنني درست التاريخ العربي وقرأت العديد من ترجمات النصوص الأدبية والتاريخية العربية والفارسية.
أختي تعلمت الانجليزية فقط  لتتواصل معي

_ ألم تحاول من قبل أن ترسل بعضا من لوحات والدتك من أجل عرضها في الجزائر؟ وهل تلقيت اتصالات من الجزائر من اجلها؟ وهل ستكون هناك فرصة للجمهور الجزائري من أجل مشاهدتها مستقبلا؟ نحن نشعر بفضول كبير حيالها.
_ إنها قصة طويلة ومعقدة. في سنة 1990، اتصل بي صديقي، إيلي فلام، وربطني بالوكالة الأمريكية للمعلومات وخبيرها الجزائري، جاك ماكرياري، حيث نظم الأخير عملية إقراض ستين أو سبعين لوحة رسمتها أمي خلال فترة حياتها بأولاد نايل، لمتحف في الجزائر العاصمة كبادرة حسن نية. لقد نالت اللوحات إعجابا وشعبية في الجزائر ولاقت اهتماما كبيرا، كما مول الجيش الجزائري جولة لعرضها بمدن أخرى، في حين تأسف الجزائريون لرؤيتها تغادر عائدة نحو أمريكا.
في سنة 2004، عقد إدريس الجزائري، الحفيد المباشر للأمير عبد القادر وسفير الجزائر بواشنطن آنذاك، صفقة مع شركة سوناطراك من أجل منحها 164 لوحة رسمتها أمي عن الجزائر، وفي نوفمبر 2002 وجانفي 2003 عرضت في نادي الفنون بالعاصمة واشنطن، ولاقت شعبية كبيرة مرة أخرى، حيث نظم حفل استقبال ضخم بالنادي حضرته عدة شخصيات مهمة، من بينها الدكتور شكيب خليل، الذي كان وزيرا للطاقة في الجزائر حينها، وألقى خلال الحفل خطابا مبهرا قال فيه إن اللوحات ستُحفظ في مجموعة واحدة ويخصص لها جناح كامل بمتحف الجزائر العاصمة، كما شرح السفير إدريس جزائري في كلمته أهمية اللوحات وتاريخ الجزائر الطويل من كرم ضيافة الفنانين الأجانب والجزائريين.
شُحنت اللوحات إلى سوناطراك ، ولم اعرف وجهتها بعد ذلك، سألت بشكل متكرر عما حدث لها، وفي النهاية عرضت الشركة عشرين لوحة منها على مستوى مقرها الرئيسي بشارع حيدرة في الجزائر العاصمة، وفي العاشر من ماي من سنة 2012 تبرعت سوناطراك باللوحات إلى وزارة الثقافة الجزائرية، التي قامت بدورها بمنحها إلى المتحف الوطني للفنون الجميلة، الذي تديره السيدة دليلة أورفالي، وقد استعرضت الوزارة ذلك في الصحافة المحلية. وكم كنت أتمنى أن تعرض اللوحات بشكل دائم وفاء لأبناء أولاد نايل..
_ هل ربطتك اتصالات بكتاب جزائريين أو شخصيات عمومية في الجزائر أو في الولايات المتحدة الأمريكية من قبل؟
_ بعد قيام الوكالة الأمريكية للإعلام بعرض اللوحات في الجزائر العاصمة، اتصلت بي الآنسة بركاهم فرحاتي، مديرة متحف إيتيان ديني في بوسعادة آنذاك وصديق لي، حيث قدما إلى واشنطن من أجل الالتقاء بي، ثم تنظيم لقاء مع والدتي بمدينة نيويورك لمحاورتها. لقد وفرت لنا وزارة الخارجية مترجما، فيما حاوراها وكتبا قصصا عديدة حولها.
عندما عادت الآنسة بركاهم إلى بوسعادة، استطاعت العثور على عائلة والدي، لتتصل بي في إحدى الأمسيات وتخبرني عن نيتها بأن تقدمني إلى عائلتي الجزائرية، التي لم أكن أعرف عنها شيئا من قبل، فقد كانت أمي تقول لي دائما إن والدي، ابن عيسى بن مبروك توفي قبل أن أولد، لكنني اكتشفت حينها بأن ذلك غير صحيح، فقد عاش إلى غاية سنة 1978 ورزق بابنين وابنة في الجزائر، وهم لمجد وعمر ونورية، كما قضى جزءا من حياته مع روز فيتزسيمونز في بوسعادة حتى وفاتها في سنة 1958، وقد كانت بريطانية ثرية، استطاعت أن تعقد صفقة كبيرة لزراعة الأشجار وقفا لزحف الصحراء. كما قام ابن عيسى وروز بتربية فتاة يتيمة في بيتهم وتدعى مباركة، حيث تحدثت الأخيرة معي بلهجة اسكتلندية.
الصحافة أثرت في كتاباتي الشعرية
عندما توفيت روز، أصرت العائلة الكبيرة على تزويج ابن عيسى من مباركة حتى يتمكنا من مواصلة العيش معا، حيث أنجبت منه بعد عشرين سنة في الأربعينيات من عمرها أبناءها الثلاث، الذين يقطنون اليوم جميعا في بوسعادة. لم أكن أعلم أيا من هذا لولا ما أخبرتني به بركاهم، لكنني بالتأكيد كنت على علم من قبل بأن أبي جزائري وعرفت دائما شيئا كبيرا عن موطن مولدي، وحضارة العرب والأمازيغ. وأضيف أيضا بأن الآنسة بركاهم فرحاتي تحاول معرفة مكان الـ165 لوحة حاليا، من خلال إجراء اتصالات بوزير الثقافة الجزائري الحالي عز الدين ميهوبي.

_ لماذا لم تزر الجزائر من قبل؟ وإن سنحت لك الفرصة بذلك، فما هي الأماكن التي تفضل التوجه إليها؟ هل زرت بلدانا عربية من قبل؟
_لا. لم أكن يوما من هواة السفر، وعشت حياتا صعبة، استعصى علي فيها أحيانا أن أحافظ على رباطة جأشي بما يكفي ودون أن أكون قادرا على السفر. لقد زرت هافانا وغوانتنامو بكوبا وهامبرغ بألمانيا ونابل وباليرمو بإيطاليا وكوبنهاغن بالدنمارك، وليفربول بإنجلترا، فضلا عن كوريا الشمالية مع البحرية، لكن عندما وصلت سفينتنا إلى السواحل الجزائرية في سنة 1956، منعنا الفرنسيون من النزول فيها بسبب الثورة. ارتحلت أيضا عبر الجهة الشرقية من الولايات المتحدة الأمريكية، من خلال عملي في عدة جرائد، لكن أغلب أسفاري كانت داخل خيالي، أين حلقت بعيدا جدا. أنا من النوع الذي يعطي مردودا جيدا مع الروتين الصارم، لذلك فإن الترحال يعكر علي صفو حياتي ويشوشني.
لكنني قد آتي إلى الجزائر خلال العام المقبل عندما تصدر ثلاثيتي الروائية “ماء يخترق النور»، التي تروي قصة ملاح جزائري أمريكي، كما أن أحداث الكتب الثلاث تجري في كل من ألمانيا والمملكة المغربية والجزائر وسلطنة عمان ومدينة نيويورك والبرتغال وإنجلترا، حيث استغرقت مني 15 سنة من البحث، كما أنها تتطرق إلى العديد من الأفكار الخاطئة حول العالم العربي. أنا بحار ولذلك أحب دائما أن أرى البحر وأعتبره بيتا لي.
_ هل ترى تزايدا في اهتمام الشباب الجزائري بالأدب الأمريكي؟ وهل يمكن أن يخرج من بينهم كتاب مبدعون باللغة الانجليزية؟
_يمكنني القول من خلال ما لاحظته في مراسلاتي مع الجزائريين في الفضاءات الرقمية أو غيرها بأن هناك اهتماما متزايدا باللغة الإنجليزية والأدب الأمريكي، كما أنني التزمت منذ سنة 2005 مع شاعر وناشر جزائري يدعى عماري حمدان من ولاية الشلف، ببناء جسور أدبية بين ثقافتينا، حيث ينشر نسخة ورقية من مجلته “آرابيسك» وأخرى على الأنترنيت، وقد بذل جهدا كبيرا وتضحيات شخصية بطولية لضمان استمرارها. حاولت مساعدته بعدة طرق، واليوم نحن نسعى إلى نشر نصوص الجزائريين الذين يكتبون باللغة الإنجليزية، بالإضافة إلى الناطقين بهذه اللغة من مختلف أنحاء العالم الأخرى، كما كنت لفترة زمنية المسؤول عن تحرير المجلة باللغة الانجليزية، قبل أن يخلفني في هذه المهمة الشاعر الأمريكي الشاب والواعد، فلاديمير ناهيتشيفانسكي.
الثقافة الرأسمالية لا تهتم بالقيمة الأدبية للنصوص
_ لماذا لم تخبرك والدتك أشياء كثيرة عن والدك؟ ولما غادرت الجزائر، هل كان ذلك بسبب الاستعمار الفرنسي أو شيء آخر؟
_ لا أعلم في الحقيقة ما الذي دفعها إلى الرحيل، وذلك لغز كبير، لكن المؤكد أن خلافا وقع بينها وبين والدي. روز فيتزسيمونز ربطت صداقة بها، وعن طريقها تعرفت أمي بابن عيسى، وربما يمكن أن يكون هذا الأمر قد تحول فيما بعد إلى مثلث حب مؤلم. أنا لا أعلم أبدا، فأمي كانت كتومة وقليلة الكلام، وقد كان حضورها في حياتي كبيرا في السراء والضراء. أعجبت أمي بالروس البيض والأجانب الآخرين الذين التقت بهم في بوسعادة، كما عشقت أولاد نايل، حيث تركوا جميعا شيئا منهم في لوحاتها. سيتمكن الجميع في السنة المقبلة من الإحساس بهذا التأثير عندما ستعرض كامل أعمالها في رواق واينستاين بسان فرانسيسكو، حيث سيكونون قادرين على شراء اللائحة الأكاديمية حولها.
_  وكيف كان اتصالك بإخوتك في الجزائر؟ هل تتحدث معهم الآن؟
_لقد بقيت على اتصال مع أخي الأكبر لمجد لفترة، لكني لا أتصل حاليا إلا بشقيقتي نورية، التي تعلمت الإنجليزية لتبقى على اتصال بي.
_ أتعتقد بأنه يمكن بناء تواصل ثقافي عبر الترجمة بين العربية والإنجليزية، في ظل تصاعد خطابات الكراهية والكليشيهات والإسلاموفوبيا؟
_ من المهم جدا أن توحد الجزائر والولايات المتحدة جهودها من أجل القيام بمزيد من الترجمات للنصوص الجزائرية إلى الإنجليزية والعكس بالنسبة للنصوص الأمريكية (يمكن أن نبدأ بثلاثيتي !) وستلعب هذه الترجمات دورا كبيرا في الحفاظ على السلام والتفاهم، ولست أفهم السبب الذي يمنع الناشرين من البلدين والحكومتين من عقد نقاشات لإطلاق مشروع يسمح لنا بالاحتفاء بشعراء كل من البلدين وروائييهما وفنانيهما وموسيقييهما. هذا ما أحاول القيام به مع عماري خلال كل هذه السنوات، بقليل من المال وبدون أية مساعدة.
_ ما الذي يجعل من الثقافة الإسلامية غامضة جدا في منظور الغرب؟ ألا ترى بأن الغرب يجهل العالم العربي؟
_الجواب على هذا السؤال يمكن أن يكون بنعم أو لا، فكما يشير إلى ذلك الدكتور الراحل إدوارد سعيد من جامعة كولومبيا، فإن هناك تاريخا طويلا من الاستشراق في الغرب، أعدت خلاله الكثير من الترجمات وبعضها ممتازة، كما كتبت العديد من النصوص التاريخية. إلا أنه يوجد دائما إجحاف من الغرب يعطي نوعا من الإحساس بأن الحضارة الغربية شرط لازم للبشرية، حيث قادت هذه الرؤية إلى سوء تفاهم كبير كما أدت إلى تحقيق التنوير.
يجب أن نبني جسور تواصل ثقافي بين الولايات المتحدة والجزائر
لكن هناك أمور تتغير اليوم، ويمكن أن نأخذ على سبيل المثال الكتاب العظيم لماريا روزا مينوكال المنشور من طرف جامعة يال تحت عنوان  «الأندلس العربية. إسلام الحضارة وثقافة التسامح»، حيث تتحدث فيه عن عظمة الأندلس وما يدين به الغرب لها إلى اليوم. والجزائر بالطبع مستودع الحضارة الأندلسية كما تعلمون. صديقي إدريس الجزائري هو من نصحني بهذا الكتاب، وأظن بأنه على كل جزائري يتقن الإنجليزية أن يقرأه.

_ لماذا اخترت دراسة الثقافة العربية في الجامعة، وكيف أثر هذا على كتاباتك؟
_لقد تخصصت في الإنجليزية بالدرجة الأولى، وبالدرجة الثانية في التاريخ العربي، فقد كنت فضوليا جدا، حيث كان للتاريخ العربي والتصوف تأثير كبير على كتاباتي، وخصوصا أدبيات ابن عربي وحافظ شيرازي، ومن أمثلة ذلك قصيدتي «مزامير الجان» في أول مجموعة شعرية لي الموسومة بـ»بعيدا عن الجزائر». إن قصصي وشعري مشبعة بعبق الحضارة العربية، وهذا ما سينتبه له القراء بسرعة عند قراءة «ماء يخترق النور».
س.ح
عن الشاعر:
نشر جلول مربروك البالغ من العمر اليوم 83 سنة، والمولود من أب جزائري في مدينة بوسعادة التي اختارتها أمه مكانا للعيش بين سكان أولاد نايل وجسدتهم في الكثير من لوحاتها، العديد من المجموعات الشعرية والروايات والقصص خلال حياته، كما تنقل طيلة مساره عبر العديد من الصحف في الولايات المتحدة بعد أن أنهى خدمته العسكرية في صفوف البحرية الأمريكية، وهو يعيش اليوم في شمال نيويورك، وما يزال مواظبا على الكتابة وتدعيم الشعراء والمؤلفين الشباب، كما يسعى بما توفر لديه من موارد إلى بناء جسور بين الثقافتين الجزائرية والأمريكية من خلال تواصله مع العشرات من الأصدقاء على صفحاته بمواقع التواصل الاجتماعي، التي ينشر فيها صوره الفوتوغرافية أيضا.

قصيدة نايات الجني  من المجموعة الشعرية "بعيدا عن الجزائر" لجلول مربروك
نايات الجني

لست أدري، أيها الجني إن كنت تتذكر
لكني أعلم بأنك تعد حبات رمل الصحراء،
ترصع أصابعك بالنجوم
ولم تنس أن شيخا قد حررك
في الجادة الثالثة ولم يطلب منك شيئا.
قبل مغادرتك تمعنت فيه مطولا
لتتأكد بأنه أدرك العواقب.
لقد أدركها ثم رحل.
وفي مكان ما وُلد طفل
يحملها على وجهه.
*****
كيف لناياتهم الصادحة في ليل الطوارق
أن تدعونا لكشف أسرار الجن،
وكيف للشرارة الشهوانية للنجوم،
أن توقظ فينا أكثـر أمانينا وحشية؟
أظنها أخف على الأذن منها على العين،
بفضل أحراشنا الواسعة.
دع عنك تشويه الكلمات
واجعل حكمة المجهول في قلبك:
كلها أسطح لنفس الجوهرة.
ترجمة: زين الدين بوغابة