PUBANNASR PUBANNASR
الخميس 25 ماي 2017

«أسود غراب»

لم يكن الأمر هيّنا ولم تكن “المسيرة” بالسهولة التي يلقي بها المقلّلون من شأنه على موائد الكلام. لم تكن مجرد قصة بل مكابدة وملحمة اقتضت مواجهة الذات والجسد، بل والقفز من شجرة السلالة إلى شجرة أخرى، أحيانا.
بدأ الأمر بممارسة رياضة يسمونها في “قاعة الألعاب”: النسيان، تقوم على محو ما سبق من معارف ومعتقدات، والانطلاق من جديد، أي التدرّب على الصرخة الأولى والحبو والوقوف والمشي والعمل على تجنب الموت المفاجئ  أو الوقوع في الفخاخ والكمائن أو وضع القدم في الأماكن غير المناسبة، وفق مدوّنة غير مكتوبة وجب على الصاعد هضمها دون استظهار. و في الطريق تلقى ضربات صغيرة أيقظته، كأن يقول له أحدهم: تبدو أكبر من سنّك أو هذه البذلة لا تلائمك! فيعود  مباشرة إلى المرحلة السابقة ليختفي فيها حتى تمر مقاصد الكلام.
لم يكن الأمر سهلا، ففي الطريق تخلى عن أشياء كثيرة، بما فيها الأشياء “العزيزة” التي يصعب على رجل التخلي عنها، لأنه يعرف أنه و ككل منذور عليه التخلي عن الأثقال في المسالك الوعرة ليمضي خفيفا. أشياء لا يرغب في تذكرها، أليس هو القائل كلّ ما يثقل يسقط، هكذا دون الدخول في مسائل الفيزياء و  مطباتها، وبلغ من الجسارة أن أسقط وجهه حين تطلّب الأمر إسقاط الوجه وأوشك أن يسقط اسمه لأنه لم يعد في حاجة إلى عنوان قديم، قبل أن يقال له: “نحن الذين نحتاج العناوين القديمة وليس أنت”. غيّر لسانه. غيّر الزوجة المتمسكة بشال أمها. محا شنباته بالتدريج. غيّر عاداته السيئة في الأكل وتوعد السلالة أمام المرآة بإيقاف جيناتها غير المناسبة عند حدها. غيّر إيقاع الكلمات بعدما خبر دسائس الميكروفونات وضعف الصحفيين في الإملاء، فصار يلقي جمله حرفا حرفا ويعيد. غيّر جسده. غيّر عادات روحه. غيّر الليل والنهار. غيّر الأسنان الطويلة التي أملاها  الجد الفلاح على الأحفاد. غيّر طريقته في الأكل والحديث. لاحق الشيب الوراثي اللعين شعرة شعرة حتى أن الجلساء والمشاهدين والمريدين لم يشعروا بمرور منشار الزمن في عظامه وظلوا يشيدون بشبابه الدائم الذي يرجعونه إلى بياض اليد وصفاء السريرة. خلطة سهلة تجعل شعره باللون “الأسود الغراب”، صحيح أن بعض الخلطات المغشوشة جعلت شعره يبدو بنفسجيا في بعض الأحيان لكنه كان يتدارك الأمر بسرعة. ما عكر صفوه أنه كان يسمع صوتا أحيانا ويشم رائحة، لذلك كان يلتفت "منخطفا"بطريقة ملفتة للانتباه: كان يشمّ رائحة مقزّزة ويسمع  أحدهم يهمس في أذنه بكلمات لم تفلح ممحاته العظيمة في محوها، فيسرف في الالتفات لمحو القائل الذي لم يسقط في الطريق.
سليم بوفنداسة

 
    • طيّبون

      لا خوف عليكم مني، فأنا طيّب مثلكم شيطنني الخائفون على أسهمهم في الريح وقالوا سيشعل النار في زرعكم. لا خوف على أحد، سأطيل أعماركم وأمنع الدخان عن أيامكم. هذه يدي بيضاء وها أنا بينكم كأني واحد منكم، لا رعب في اسمي ولا قنابل في...

    • «أسود غراب»

      لم يكن الأمر هيّنا ولم تكن “المسيرة” بالسهولة التي يلقي بها المقلّلون من شأنه على موائد الكلام. لم تكن مجرد قصة بل مكابدة وملحمة اقتضت مواجهة الذات والجسد، بل والقفز من شجرة السلالة إلى شجرة أخرى، أحيانا. بدأ الأمر بممارسة رياضة يسمونها في...

    • سيّاق آخر

      يخفي الفرحون بإيمانويل ماكرون في جنوب المتوسط مفارقة غريبة، فهم يتغنّون بجماله وماله وصغر سنّه في معرض انتقادهم لوضعية أوطانهم.وهم بذلك يستدعون عادة كامنة تتمثل في عبادة الزعيم وذكر محاسنه، عوض استدعاء نموذج في الحكم تبدو الحاجة ماسة إليه...

    • موت السياسة

      صدم سقوط الحزبين الرئيسيين في فرنسا في الانتخابات الرئاسية قطاعا  من المحلّلين الذين تأخر إيمانهم بالجمهورية الخامسة، واستصغروا الشاب ماكرون الذي كانوا يرون فيه مجرد ظاهرة إعلامية سيبطلها اختبار الواقع حتى وإن باتوا على اقتناع بأن وجود...

    • أسطرة

      حُمّل ابن باديس فوق ما يحتمل وأصابه ما أصاب غيره من الشخصيات التي أتى البعد الرمزي لها على بقية الأبعاد، حيث جرت سيرته على ألسنة خطباء وساسة ودارسين لم يدرسوا وإعلاميين ورجال دين ومنشطي حفلات، وتحول الرجل بمرور الزمن إلى “صنم”...

    • خلاص

      يتراشق مرشحون بالكتب ويتبارون بالمعارف في الطريق إلى مسؤولية عمومية، حيث يصبح كل ظهور علني امتحانا للجدارة أمام ممتحنين قساة لا يغفرون الزلات.تتدافع جيوش من الصحافيين والمختصين لفحص المرشّح: ما الذي يحمله  وما هي أدواته لمعالجة كل المسائل...

    • طريق الموز

      استنجد زملاء بخبراء في الملاحة البحرية لتتبّع مسار باخرة من الإكوادور إلى الجزائر،  وخلصوا إلى تحديد الزمن الذي تقطعه بين النقطتين والذي قدّر بأسبوعين في أحسن الأحوال، لأن هناك عامل الرياح التي قد تجري عكس شهوات...

    • كوّة

      من كوّته الصغيرة شرع في رشق العالم بالحجارة: ما كان على الحياة أن تكون هكذا. ثمة خلل في سير الأمور يجب أن يُصحّح، لا بد من ثورة.لم ينصب نفسه قائدا لكنه فعل ما يفعله القيّم على شؤون من يعوزهم تقدير ما هم عليه. شخّص الأمراض واقترح العلاج وحين...

    • تقدير

      اكتشف أحدهم أن الأشجار تنبت في الجزائر و أن لونها أخضر، فتحول ذلك إلى حدث و مادة رئيسية في نشرات أخبار  وحصص متلفزة ويحظى بعشرات الآلاف من المشاهدات على يوتيوب، وأصبح إعجابه بالأشجار التي لم يكن يتوقع  أنها تنبت في الجزائر أو أنها  ليست خضراء...

    • بوباكير

      كعالم آثار يريد إشعال الحياة في المدن المنسية تحت طبقات الصمت يُعلّم الأمكنة، كفقيه في الخرائط الجينية يلاحق تحولات الكائنات من الجد الأول الذي يقفز فوق الشجرة  إلى البهلوان الأخير المتلعثم أمام الكاميرا. يشير إلى ما مضى ويستدعي الغائبين...

    • أصحاب الإشارة

      ما إن تناقلت الصحافة خبر استماع الشرطة إلى كاتب شاب، حتى بدأ بعضهم الإشارة إلى شيوخ الأدب.أصحاب الإشارة خصوا بالذكر رشيد بوجدرة، أكبر كاتب على قيد الحياة في الجزائر وربما اجتهدوا في إعداد  لوائح بأسماء الكتاب الذين يحتاجون إلى...

    • إخراج الجن

      لم يكتف بالفضاء الواسع الذي مكنه منه خيال الإنسيّ ولا بالسلطات المطلقة التي اختلقها له. لم يكتف بمنازعة الرقاة على جميلات يريد هو أن ينام في أعماقهن ويريدون صدّه لحاجة في أعماقهم. لم يكتف بالمرح في البيوت المهجورة والشعاب...

    • فليكسي للموتى

      يقترحُ الشيخُ على الأحياء تدعيم أرصدة الموتى  عبر عملية «فليكسي» يتم بموجبها إرسال الحسنات، ويعطي أمثلة بمتواصلين معه نجحوا في العملية كرجل ابتنى مسجدا بجوار المقبرة التي يرقد فيها أقاربه ولم يتردّد الشيخ في تحديد إحداثيات مرور...

    • أصولية يعقوبية

      كسارقٍ يكسر الباب ليدخل عوض أن يطرق، يرى زميل مخضرم دخول الانجليزية إلى الجزائر، بل يراه أخطر من ذلك حين يصف «غزو» لغة شكسبير لفضاءات الحياة في بلادنا بالاغتصاب!ويصوّر لنا كيف أصيب الجزائريون بالذهول وهم يرون الانجليزية على...

    • أبواب الجنة

      ارتفعت أصوات الغضب ضد مرسوم ترامب القاضي بحرمان رعايا سبع دول إسلامية من دخول أمريكا، بين الإعلاميين والمثقفين العرب، وأسهبت تحاليل في كشف أعراض العنصرية التي أصابت الغرب مصدر النور والحرية.وربما نسي الغاضبون أن مرسوم تحديد دخول المسلمين...

    • حملة السكاكين

      يحمل صحافيون السكاكين ويتوجهون إلى بلاتوهات التلفزيونات لتشريح إقصاء المنتخب من نهائيات كأس إفريقيا للأمم، ويبلغ بهم الأمر إلى حد إطلاق شتائم وعبارات عنصرية ضد لاعبين مغتربين ذنبهم أنهم ولدوا خارج الوطن فانخفض منسوب وطنيتهم حسب...

    • الداعية

      يجاهر بالدعوة التي لم تعد تتطلب مكابدة ومواجهة وحروبا وهجرة، يكفي أن ينقر بأصابع العبقرية رسالته أو يعتدل أمام الكاميرا ويقولها مشافهة حتى تشيع. يتقمّص الداعية بطريقة غير واعية النبيّ. وحتى و إن انزاحت التسمية إلى الحقل الديني دون سواه،...

    • رجل عالق

      فاجأته غابة من الميكروفونات فتنحنح وفكر في شيء يقوله لكن الكلمات لم تسعفه فتنحنح ثانية.ليس لديه ما يقوله في هذا اليوم المهدور في أحاديث مكرّرة  ومجاملات وصمت غير بليغ وابتسامات أوتوماتيكية. تمنى لو يعود سريعا إلى نفسه يحدثها كما كان يفعل حين...

    • انتكاسة

      باتوا يشكّلون خطرا  حقيقيا على مشاريع التحديث التي تبنتها الدولة الوطنية منذ الاستقلال و على تطوّر مجتمع عذّبته الحروب والأزمات، بمشاريع يختلط فيها المال بالدين وتؤدي إلى تفاعلات تدميرية.ويزداد خطرهم باستقطاب كوادر في مواقع...

    • خزان

      تؤشر حالات الاعتداء على «الآخر» بالمفرقعات في مناسبة دينية في مجتمع يتظاهر بالإفراط في التدين، إلى ارتفاع منسوب العنف إلى مستويات قياسية، فإلقاء مفرقعة على عابر ليس تسلية تمارسها سيدة في شرفتها أو لعب أطفال، بل  عملية قتل رمزي تحيل...

    << < 1 2 3 4 5 6 > >> (6)