PUBANNASR PUBANNASR
الإثنين 25 سبتمبر 2017

«أسود غراب»

لم يكن الأمر هيّنا ولم تكن “المسيرة” بالسهولة التي يلقي بها المقلّلون من شأنه على موائد الكلام. لم تكن مجرد قصة بل مكابدة وملحمة اقتضت مواجهة الذات والجسد، بل والقفز من شجرة السلالة إلى شجرة أخرى، أحيانا.
بدأ الأمر بممارسة رياضة يسمونها في “قاعة الألعاب”: النسيان، تقوم على محو ما سبق من معارف ومعتقدات، والانطلاق من جديد، أي التدرّب على الصرخة الأولى والحبو والوقوف والمشي والعمل على تجنب الموت المفاجئ  أو الوقوع في الفخاخ والكمائن أو وضع القدم في الأماكن غير المناسبة، وفق مدوّنة غير مكتوبة وجب على الصاعد هضمها دون استظهار. و في الطريق تلقى ضربات صغيرة أيقظته، كأن يقول له أحدهم: تبدو أكبر من سنّك أو هذه البذلة لا تلائمك! فيعود  مباشرة إلى المرحلة السابقة ليختفي فيها حتى تمر مقاصد الكلام.
لم يكن الأمر سهلا، ففي الطريق تخلى عن أشياء كثيرة، بما فيها الأشياء “العزيزة” التي يصعب على رجل التخلي عنها، لأنه يعرف أنه و ككل منذور عليه التخلي عن الأثقال في المسالك الوعرة ليمضي خفيفا. أشياء لا يرغب في تذكرها، أليس هو القائل كلّ ما يثقل يسقط، هكذا دون الدخول في مسائل الفيزياء و  مطباتها، وبلغ من الجسارة أن أسقط وجهه حين تطلّب الأمر إسقاط الوجه وأوشك أن يسقط اسمه لأنه لم يعد في حاجة إلى عنوان قديم، قبل أن يقال له: “نحن الذين نحتاج العناوين القديمة وليس أنت”. غيّر لسانه. غيّر الزوجة المتمسكة بشال أمها. محا شنباته بالتدريج. غيّر عاداته السيئة في الأكل وتوعد السلالة أمام المرآة بإيقاف جيناتها غير المناسبة عند حدها. غيّر إيقاع الكلمات بعدما خبر دسائس الميكروفونات وضعف الصحفيين في الإملاء، فصار يلقي جمله حرفا حرفا ويعيد. غيّر جسده. غيّر عادات روحه. غيّر الليل والنهار. غيّر الأسنان الطويلة التي أملاها  الجد الفلاح على الأحفاد. غيّر طريقته في الأكل والحديث. لاحق الشيب الوراثي اللعين شعرة شعرة حتى أن الجلساء والمشاهدين والمريدين لم يشعروا بمرور منشار الزمن في عظامه وظلوا يشيدون بشبابه الدائم الذي يرجعونه إلى بياض اليد وصفاء السريرة. خلطة سهلة تجعل شعره باللون “الأسود الغراب”، صحيح أن بعض الخلطات المغشوشة جعلت شعره يبدو بنفسجيا في بعض الأحيان لكنه كان يتدارك الأمر بسرعة. ما عكر صفوه أنه كان يسمع صوتا أحيانا ويشم رائحة، لذلك كان يلتفت "منخطفا"بطريقة ملفتة للانتباه: كان يشمّ رائحة مقزّزة ويسمع  أحدهم يهمس في أذنه بكلمات لم تفلح ممحاته العظيمة في محوها، فيسرف في الالتفات لمحو القائل الذي لم يسقط في الطريق.
سليم بوفنداسة

 
    • إيذاء المستقبل

      أصبح "بعض الناشرين" يلقون بكتب كلّ خريف ويطلقون عليها التسميات، دون التحقّق من جنسها وصفاتها، بل ولا يكلّفون أنفسهم حتى عناء قراءتها. الظاهرة بدأت في سنوات الريع، حيث استفاد المستفيدون من ملايير جرى تقسيمها على أصحاب "قوائم"...

    • لغة غير مرئية

      هل كفت الجزائر عن إنتاج الأفكار وباتت «نخبها» تكتفي بردود أفعال حول ما يتداوله رواد شبكات التواصل الاجتماعي؟معاينة يفرضها ما يثار، مرّة أخرى، حول المسألة اللغوية بمناسبة كلام عارض لكاتب جزائري في قناة فرنسية، وبمناسبة حذف...

    • «ريتمو»

      تفترش المساء الكئيب وتمدّ يدا لا تنتظر شيئا من العابرين. هكذا انقلب الحال. تغيرت الوجوه. لا أحد يناديها باسمها القديم، لا أحد يمدّ يده.   تناقص الأليفون واحدا واحدا، حتى أولئك الذين يعودون لتفقد ما تبقى من جدران المدينة القديمة وتشمّم...

    • دعُوه!

      بلغ من «أسف» رشيد بوجدرة أنّه اعترف بسلاطة لسان سبّبت له الضرب في الصغر والأذى المعنوي في الكبر!أنا هكذا. يقول. هكذا تربيت، ويعترف أنه حاول الاشتغال على نفسه لتغيير طبعه لكنه فشل في ذلك. لم يمتلك حيلة بطله محمد عديم اللقب، الذي...

    • الباحثون عن الفحم

      يستعير «مثقفون» أدوات العنف من مجتمع ما بعد الإرهاب ومن حقل سياسي مأزوم، وهم يغذون الميديا بخطاب حقد  يتخطّفه هواة  يبحثون عن "البوز"،  ويفقد كثيرون السيطرة على قواميسهم في منحدرات نقاش أخطر ما فيه نزعات إلغاء الآخر بالتقليل من شأنه ومن شأن...

    • نحيب أبوقراط

      يكاد الموت يصبح الإشارة الوحيدة الملفتة إلى ظواهر «عريقة» في حياتنا، لأننا ببساطة ننتمي إلى منظومة اجتماعية لا تستعين بالمعرفة في تدبير شؤونها ولا تنزع نخبتها إلى دراسة المحيط و تعتمد صناعة القرار فيها على ردّ الفعل، بعد أن يقع...

    • جــاك

      لم يهنأ مذ صارت تلك الهواتف الصغيرة ضرورية في حياته البطيئة. بعد صمود سنوات أجبر على اقتناء الهاتف الحشرة في مقايضة لم يكن الطرف المتحمّس فيها. كانت الرنّات تزعجه بعدما شاع رقمه بين أصحاب «الحوانيت» فصاروا يتعمّدون إثارة هاتفه...

    • حِمية

      لا تذهب إلى التلفزيون، وإن فعلت فاحرص على معرفة مستوى محاورك فثمة ما قد يضرّك حتى وإن كانت الكاميرات ظاهرة، وقديما كان عمك الطاهر يرفض محاورة الصحفيين الذين لم يقرأوا كتابين من كتبه على أقل تقدير. اعلم أنك لست مطالبا بإبداء...

    • الصيف أسفل العمارة

      لم يكن المهندسون الذين استولوا على الفراغ لتسخيره لإخوانهم الذين ضاقت بهم الأرض، يدرون أنهم سيتسبّبون في مشكلة!ربما شفعت لهم النوايا الحسنة، فقد كان ابتكار العمارة الشاهقة جوابا عبقريا على مشكلة  نجمت عن تمركز البشر في مواقع محدّدة...

    • لاجئون

      تراشق جزائريون على مواقع التواصل الاجتماعي في الفترة  الأخيرة بشأن النظرة إلى لاجئي دول الساحل، وتم استدعاء مصطلح «العنصرية» إلى ساحة النقاش، الأمر الذي حرّك السلطات التي أكدت أنها ترحّب باللاجئين مذكرة بالبعد الافريقي...

    • طيّبون

      لا خوف عليكم مني، فأنا طيّب مثلكم شيطنني الخائفون على أسهمهم في الريح وقالوا سيشعل النار في زرعكم. لا خوف على أحد، سأطيل أعماركم وأمنع الدخان عن أيامكم. هذه يدي بيضاء وها أنا بينكم كأني واحد منكم، لا رعب في اسمي ولا قنابل في...

    • «أسود غراب»

      لم يكن الأمر هيّنا ولم تكن “المسيرة” بالسهولة التي يلقي بها المقلّلون من شأنه على موائد الكلام. لم تكن مجرد قصة بل مكابدة وملحمة اقتضت مواجهة الذات والجسد، بل والقفز من شجرة السلالة إلى شجرة أخرى، أحيانا. بدأ الأمر بممارسة رياضة يسمونها في...

    • سيّاق آخر

      يخفي الفرحون بإيمانويل ماكرون في جنوب المتوسط مفارقة غريبة، فهم يتغنّون بجماله وماله وصغر سنّه في معرض انتقادهم لوضعية أوطانهم.وهم بذلك يستدعون عادة كامنة تتمثل في عبادة الزعيم وذكر محاسنه، عوض استدعاء نموذج في الحكم تبدو الحاجة ماسة إليه...

    • موت السياسة

      صدم سقوط الحزبين الرئيسيين في فرنسا في الانتخابات الرئاسية قطاعا  من المحلّلين الذين تأخر إيمانهم بالجمهورية الخامسة، واستصغروا الشاب ماكرون الذي كانوا يرون فيه مجرد ظاهرة إعلامية سيبطلها اختبار الواقع حتى وإن باتوا على اقتناع بأن وجود...

    • أسطرة

      حُمّل ابن باديس فوق ما يحتمل وأصابه ما أصاب غيره من الشخصيات التي أتى البعد الرمزي لها على بقية الأبعاد، حيث جرت سيرته على ألسنة خطباء وساسة ودارسين لم يدرسوا وإعلاميين ورجال دين ومنشطي حفلات، وتحول الرجل بمرور الزمن إلى “صنم”...

    • خلاص

      يتراشق مرشحون بالكتب ويتبارون بالمعارف في الطريق إلى مسؤولية عمومية، حيث يصبح كل ظهور علني امتحانا للجدارة أمام ممتحنين قساة لا يغفرون الزلات.تتدافع جيوش من الصحافيين والمختصين لفحص المرشّح: ما الذي يحمله  وما هي أدواته لمعالجة كل المسائل...

    • طريق الموز

      استنجد زملاء بخبراء في الملاحة البحرية لتتبّع مسار باخرة من الإكوادور إلى الجزائر،  وخلصوا إلى تحديد الزمن الذي تقطعه بين النقطتين والذي قدّر بأسبوعين في أحسن الأحوال، لأن هناك عامل الرياح التي قد تجري عكس شهوات...

    • كوّة

      من كوّته الصغيرة شرع في رشق العالم بالحجارة: ما كان على الحياة أن تكون هكذا. ثمة خلل في سير الأمور يجب أن يُصحّح، لا بد من ثورة.لم ينصب نفسه قائدا لكنه فعل ما يفعله القيّم على شؤون من يعوزهم تقدير ما هم عليه. شخّص الأمراض واقترح العلاج وحين...

    • تقدير

      اكتشف أحدهم أن الأشجار تنبت في الجزائر و أن لونها أخضر، فتحول ذلك إلى حدث و مادة رئيسية في نشرات أخبار  وحصص متلفزة ويحظى بعشرات الآلاف من المشاهدات على يوتيوب، وأصبح إعجابه بالأشجار التي لم يكن يتوقع  أنها تنبت في الجزائر أو أنها  ليست خضراء...

    • بوباكير

      كعالم آثار يريد إشعال الحياة في المدن المنسية تحت طبقات الصمت يُعلّم الأمكنة، كفقيه في الخرائط الجينية يلاحق تحولات الكائنات من الجد الأول الذي يقفز فوق الشجرة  إلى البهلوان الأخير المتلعثم أمام الكاميرا. يشير إلى ما مضى ويستدعي الغائبين...

    << < 1 2 3 4 5 6 > >> (6)