PUBANNASR PUBANNASR
الثلاثاء 28 فيفري 2017

بسبب العزوف المبكر للتلاميذ

أساتذة يقدمون دروسا في حجرات شبه شاغرة بثانويات قسنطينة

تشهد العديد من ثانويات ولاية قسنطينة خلال الفترة الأخيرة، عزوفا مبكرا للتلاميذ المقبلين على اجتياز شهادة البكالوريا، فقبل أربعة أشهر عن موعد هذا الاختبار المصيري، انقطع المتمدرسون عن المؤسسات التربوية و أصبح الأساتذة يضطرون إلى تقديم الدروس في  قاعات شبه خالية، فيما يفضل التلاميذ حضور المواد الأساسية و التغيب عن بقية الحصص، من أجل تلقي دروس خصوصية مقابل دفع مبالغ مالية كبيرة.
تحقيق: عبد الرزاق مشاطي
النصر حققت في الموضوع و تحدثت إلى العديد من تلاميذ السنوات النهائية على مستوى بعض الثانويات بقسنطينة و المدينة الجديدة علي منجلي و الخروب، كما اقتربت من أولياء تلاميذ و أساتذة و حتى مدراء مؤسسات تربوية، من أجل معرفة مدى انتشار ظاهرة غياب المتمدرسين المقبلين على اجتياز امتحان البكالوريا عن مقاعد الدراسة قبل عدة أشهر من انتهاء الموسم الدراسي، و الملاحظ أن المعدل يختلف من مؤسسة إلى أخرى و يتراوح من نسبة متوسطة إلى جد مرتفعة، على اختلاف الشعب و التخصصات، و كذا بين التلاميذ المعيدين أو الذين سيجتازون البكالوريا للمرة الأولى، غير أن الملاحظ أن الظاهرة تكاد تكون عامة.
مواد لا يحضرها سوى 5 تلاميذ!
فعلى مستوى حي بوالصوف و بالتحديد بثانوية مالك حداد، التقينا ببعض التلاميذ الذين أكدوا بأنهم و منذ بداية الفصل الدراسي الثاني، لا يحضرون سوى المواد الأساسية، فتلاميذ شعبة العلوم التجريبية الذين تحدثنا إليهم و كلهم سيجتازون البكالوريا للمرة الأولى، أكدوا بأنهم قاطعوا بشكل نهائي المواد “الثانوية”، و أصبحوا يحضرون الحصص الخاصة بثلاثة مواد أساسية فقط هي الرياضيات و الفيزياء و العلوم الطبيعية، حيث أشاروا إلى أن القسم الذي يتشكل من حوالي 30 تلميذا، لا يحضر به سوى نصفهم في هذه المواد، أما بقية الحصص فلا يلتزم بالحضور  فيها سوى 5 أو 6 تلاميذ.
أنيس الذي يعيد السنة في تخصص العلوم التجريبية، بعد أن فشل في الحصول على شهادة البكالوريا السنة الماضية، أكد أنه و منذ انطلاق السنة الدراسية، قاطع جميع المواد الثانوية تقريبا، ما عدا حصة الرياضة البدنية، لأن النقاط التي تمنح فيها خلال السنة الدراسية هي التي تحتسب في امتحان البكالوريا، مضيفا بأنه لم يحضر أبدا حصص الفلسفة و التاريخ و الجغرافيا و اللغة العربية و اللغتين الفرنسية و الإنجليزية، أما المواد الأساسية فيدرسها بالثانوية بالتنسيق مع زملائه، الذين يقول إنهم يعلمونه عندما يتعلق الأمر بتقديم دروس صعبة و يحتاج استيعابها إلى أكبر قدر ممكن من الشرح من قبل الأساتذة.
أساتذة يسجلون الحاضرين بدل المُتغيّبين!
و يُقرّ أنيس أنه تغيّب لـ 200 ساعة كاملة خلال الفصل الأول فقط، مثلما ورد في كشوف النقاط، كما لم يقم باجتياز معظم الفروض و الامتحانات، و لذلك تحصل على علامات ضعيفة جدا و معدل فصلي أقل من 5 من 20، و يواصل كلامه مؤكدا أنه لا يجد صعوبة في دخول الحصص التي يريدها، حيث يحضر بشكل عادي و لا يُطلب منه تبرير الغياب، و الأمر ينطبق، حسبه، على معظم التلاميذ، كما ذكر بأنه “يُفضل” حضور الدروس الخصوصية على الذهاب إلى الثانوية، لأن التوقيت، برأيه، متداخل في معظم الأحيان، فعلى سبيل المثال الدروس الخصوصية في مادة الفيزياء مبرمجة يوم الخميس صباحا، و هو توقيت يفترض أن يكون خلاله بالثانوية.
أما معاذ و هو تلميذ معيد أيضا في تخصص آداب و فلسفة بالثانوية ذاتها، فتحدث عن أمور مماثلة، حيث قال بأنه لا يحضر سوى 50 بالمئة من حصص مادتي الفلسفة و اللغة العربية، فيما يغيب عن الحصص الأخرى مثل الرياضيات أو الفرنسية و الإنجليزية، ما عدا في مرات نادرة، و ذكر بأن الأساتذة يضطرون لتقديم دروس أمام مقاعد شبه شاغرة، بوجود 4 أو 5 تلاميذ في بعض الأحيان، و في أوقات أخرى لا يحضر الجميع فيغادر الأستاذ، و أضاف مُعاذ بأن العديد من الأساتذة أصبحوا و في مواجهة هذه الحالات، يقومون بتسجيل الحضور بدل الغياب، قبل أن يسمحوا للتلاميذ الحاضرين بالمغادرة، حيث يمتنعون عن تقديم دروس لثلاثة أو أربعة تلاميذ، فيما يرضى آخرون بالتدريس بصفة عادية، حتى لو كان عدد الحاضرين يُعد على أصابع اليد الواحدة.
عندما تُعوّض ساعات الدراسة بالتسكع!
و بثانوية علي منجلي 7، قال طارق و هو تلميذ في تخصص التسيير و الاقتصاد، بأنه يحاول حضور أكبر عدد من الحصص بالثانوية و خاصة في ما يتعلق بالمواد الأساسية، غير أنه لا يتمكن من ذلك بسبب تداخل أوقات الدروس الخصوصية مع أوقات الدراسة بالثانوية، فيما أكد بأن المواد التي تعتمد على الحفظ كالفلسفة و التاريخ و الجغرافيا، لا يحضر الحصص الخاصة بها تماما، و إنما يخصص أوقات لمراجعتها في البيت أو مع زملائه الذين يعتمدون على نفس منهجيته، على حد تأكيده، مشيرا إلى أن المساعدين التربويين يسهلون مهمة دخول التلاميذ الغائبين، من خلال منحهم ورقة الدخول، حيث يتفهمون أسباب تغيبهم عن الدراسة، و بذلك لا يجدون مشاكل في الدخول أو المغادرة بكل حرية، أما في ما يخص النقاط التي يتحصل عليها خلال السنة فيرى أنها “لا تهمّ”، ما عدا مادة التربية البدنية التي يؤكد أنه يركز على تقديم أقصى جهده بها، لأن نقاطها تحتسب في البكالوريا.
نفس الأمر تقريبا سجلناه  لدى حديثنا مع تلاميذ في شعبة الآداب و الفلسفة، صعدوا إلى السنة الثالثة بثانوية يوغورطة، حيث أكدوا بأنهم يحضرون بشكل يومي، غير أنهم لا يدخلون إلى جميع الحصص، فمثلا إذا تعلق الأمر بحصة الفلسفة يحضرون بشكل عادي، ثم يغادرون إذا تلتها حصة رياضيات أو مادة أخرى “أقل أهمية” بالنسبة لهم، كما يعاودون الدخول في المساء في حصة اللغة العربية أو اللغتين الأجنبيتين الفرنسية أو الإنجليزية، بالرغم من أنهم أكدوا لنا بأنهم يقضون الأوقات بين الحصص في التسكع وسط المدينة، و ليس في المراجعة أو أمر آخر مفيد.
دروس خصوصية تُقدم في أوقات الدوام!
و قد اقتربت النصر من ولية تلميذ بثانوية الأخوين لكحل بحي جبل الوحش، حيث قالت إنها تفرض على ابنها التوجه يوميا إلى الثانوية، رغم أنه أكد لها بأن أكثر من 90 بالمئة من زملائه لا يحضرون تماما، حيث يجد نفسه رفقة تلميذين أو ثلاثة بشكل دائم، و لكن دون أن تقدم لهم الدروس، لأن الأساتذة، كما أضافت، يضطرون إلى تركهم يغادرون بسبب عدم استيفاء العدد الكافي لإجراء الحصص، مؤكدة أنها اضطرت أمام هذا الإشكال إلى تكثيف الدروس الخصوصية لابنها و زيادة ساعات الدراسة من ساعتين إلى 4 في كل مادة أساسية، حتى يراجع جميع المقرر و لا تفوته دروس مهمة.
و ما لاحظناه خلال حديثنا إلى عدد كبير من التلاميذ، أنهم و من دون استثناء، يتلقون دروسا خصوصية في المواد الأساسية بالنسبة إلى كل شعبة، كما أن توقيتها متداخل مع أوقات التمدرس العادية خلال أيام الأسبوع، و الأكثر من ذلك أنها تقدم في أماكن غير مناسبة مثل المستودعات أو الشقق السكنية، فيما يقارب عدد التلاميذ الـ 200 في كل حصة لدى بعض الأساتذة الذين يشتهرون في هذا المجال، و هي شروط يبدو أنها غير مساعدة تماما على الاستيعاب، و ذلك بمقابل مالي لا يقل عن 2000 دج شهريا، في الوقت الذي يضيعون فيه الدروس المجانية في مؤسساتهم التي توفر لهم أحسن الظروف للتلقي و التعلم.
أساتذة يدقون ناقوس الخطر
أما فيما يخص الأساتذة فأكد من وافق منهم على التحدث إلينا، بأنهم مضطرون إلى التماشي مع الوضع، فالبرغم من العدد الكبير من الغيابات، إلا أنهم يواصلون تقديم الدروس بشكل عادي، موضحين بأنهم يحاولون توجيه نصائح للتلاميذ بضرورة الحضور و الاستفادة من الشروحات التي تقدم لهم، غير أن الغالبية العظمى من تلاميذ الطور النهائي، أصبحوا يفضلون عدم الحضور إلى الثانوية، و الاعتماد على الدروس الخصوصية، رغم أن ما يقدم على مستوى المؤسسات التربوية يبقى أشمل و يتمحور على جميع المقرر الدراسي.
و أضاف محدثونا أن ما يقدم في الدروس الخصوصية، ليس سوى مساعدا للتلميذ على الاستيعاب بشكل أفضل، كما أشاروا إلى أن هذه الظاهرة جديدة و بدأت في الانتشار خلال السنتين الماضيتين فقط، حيث أن تلاميذ البكالوريا كانوا يواصلون الدراسة بشكل عادي إلى غاية شهر أفريل أو شهر ماي، لكنهم أصبحوا يقاطعون الثانويات ابتداء من جانفي.
و أكد أساتذة من ثانويات ابن تيمية و الزيادية، أن عزوف التلاميذ بات كبيرا جدا خاصة في المواد الثانوية، حيث أنهم يقدمون دروسا لخمسة أو ستة تلاميذ في القسم، و ذلك لعدة عوامل، يقولون إن منها توجه التلاميذ إلى الدروس الخصوصية خلال الفترة المسائية، و تفضيلهم لأساتذة معينين، و كذا التسهيل الكبير من الإدارات في منح ورقة الدخول للمتغيبين، على عكس مؤسسات أخرى كثانوية فضيلة سعدان بوسط المدينة، أين ينخفض معدل العزوف بشكل كبير، بالنظر إلى الانضباط و صعوبة حصول التلاميذ على ورقة الدخول، حسب ما يضيف الأساتذة الذين تحدثنا إليهم.
ظاهرة تنتشر بين المُعيدين و ترتفع في المواد “الثانوية”
مدير إحدى الثانوياث بولاية قسنطينة، أكد أن هذه الظاهرة مست جميع الثانوياث دون استثناء، مضيفا بأنها تنتشر أكثر بين التلاميذ المعيدين و بصفة أقل بين المقبلين على اجتياز البكالوريا للمرة الأولى، حيث قال بأن الغيابات تمس بنسبة أكبر المواد الثانوية،  فيما تكون أقل حدة في تلك الأساسية، فعلى مستوى المؤسسة التي يشرف على إدارتها، أكد محدثنا أنه يعمل على تطبيق القوانين المعمول بها، من خلال استدعاء ولي كل تلميذ بعد مرور ثلاثة أيام من الغياب دون مبرر، ثم إرسال استدعاء ثان بعد أسبوع و القيام بالشطب النهائي بعد مرور شهر و يوم واحد من غياب المعني دون تقديم مبرر، غير أن التلاميذ المتغيبين يلجأون، حسب المدير، إلى تبرير الغياب قبل يومين أو ثلاثة من الشطب، و يكررون العملية كل شهر.
و هنا يؤكد محدثنا أن قوانين الوزارة ضعيفة من هذا الجانب و غير رادعة لمثل هذه التصرفات، و لذلك تسمح للتلاميذ بالتحايل، مضيفا بأن الأمر وصل إلى عدم حضور أي تلميذ في بعض الحصص، حيث أن الأساتذة يأتون فيجدون القسم شاغرا، كما أشار إلى أنه قام بشطب 20 تلميذا منذ بداية السنة الحالية، غير أنهم سيجتازون البكالوريا بصفة عادية، لأنهم قاموا بالتسجيل في بداية السنة، و أكد مدير الثانوية بأنه و بحكم احتكاكه مع زملائه في القطاع، فهو على علم بأن الظاهرة مست جميع الثانويات ، و بالخصوص تلك الواقعة على مستوى بلدية قسنطينة و مدينتي علي منجلي و الخروب، فيما تقل بالمؤسسات المنتشرة عبر باقي البلديات.
مدير التربية بقسنطينة
دور الأولياء كان سلبيا  والمتغيبون يحرمون من إعادة السنة
مدير التربية لولاية قسنطينة محمد بوهالي، يرى أن دائرة العزوف المبكر لتلاميذ الأقسام النهائية، قد تقلصت خلال الموسم الدراسي الحالي، مقارنة مع السنة الماضية، حيث تم محاربة هذه الظاهرة بقوة خاصة عن طريق وسائل الإعلام المختلفة، إضافة إلى تجنيد الأولياء من أجل توعية أبنائهم، غير أن دورهم كان سلبيا على حد تأكيد المدير، الذي أوضح بأنه لا توجد سلطة مباشرة لمصالحه على المتمدرسين، و لذلك تم تطبيق الإجراءات القانونية، من خلال الشطب النهائي للتلاميذ الذين تغيبوا خلال المدة القانونية في الموسم الماضي.
 و أضاف المدير أنه قد تم حرمان المتغيبين من إعادة السنة خلال هذا الموسم، بعد أن فشلوا في الحصول على شهادة البكالوريا العام الماضي، كما لم تسلم لهم شهادات مدرسية للسنة الثالثة ثانوي، لأنهم لم يستكملوا البرنامج، كما يحرمون من الحصول على مستوى الطور النهائي، موضحا بأن هذه الإجراءات ساهمت في تقليص الظاهرة خلال السنة الحالية، و بأن تتبع مسار التلاميذ من خلال نظام البطاقة البيومترية، يشير إلى أن 1.64 بالمئة فقط لم يدخلوا ضمن هذا النظام، و بذلك يعتبرون قد تخلوا عن اجتياز البكالوريا.                                                 

ع.م