PUBANNASR PUBANNASR
الجمعة 24 نوفمبر 2017

يُهرّب للجزائر على أنه يشفي من السكري!

النسخة التركية لمكمل «رحمة ربي» ليست سوى سكر نباتي

• 5 آلاف دينار لشرائه في السوق السوداء

انتشرت مؤخرا إعلانات لمستخدمين بمواقع التواصل الاجتماعي، يعرضون للبيع المنتج المثير للجدل “رحمة ربي” و المُصنّع بتركيا تحت اسم آخر، ، فيما أظهر تحقيق أجرته النصر أن كميات منه تدخل الجزائر التي منعت تسويقه منذ عام،  لتباع بأسعار تفوق 5 آلاف دينار للعلبة، وسط تحذيرات من إغراق السوق بحصص مقلّدة، بما يشكل خطرا أكبر على مئات مرضى السكري الذين قد يتعلّقون بوهم الشفاء، خاصة أن المكمل الجديد يسوق في تركيا على أنه سكر نباتي بثلاث نكهات، تم استخلاصه من الزيزفون و أعشاب أخرى.

يبدو أن الجدل الذي أثاره مكمل «رحمة ربي» لم ينته مع قرار وزارة التجارة بمنع تسويقه بعد أسبوعين من طرحه في السوق ثم إعلان وزارة الصحة أنها لم تتلق أي ملف في شأنه، فهذا المنتج الذي تم الترويج له خلال العام الماضي على أنه «دواء معجزة» سيحدث «ثورة»، مع ما تبع ذلك من تهافت كبير لمرضى السكري عليه و حتى بيعه في السوق السوداء رغم تحذيرات الأطباء بأن تركيبته مجهولة و غير مطابقة، لا يزال مطلوبا من طرف فئة من مرضى السكري، بعد أن تم تداول معلومات بأن صاحبه توفيق زعيبط أعاد تصنيعه في تركيا.
النصر اطّلعت على عينات من هذا المنتج الذي يباع في شكل أقراص داخل علب مكتوب عليها صنع في تركيا و علامة «R.H.B»، بما يوحي أنه يحتوي على التركيبة ذاتها للمكمل المسوق في الجزائر العام الماضي، لكن و من خلال التمعن في التركيبة الجديدة التي تفاجأنا بأنها تضمنت أخطاء لغوية، يتبيّن أنها لا تحتوي لا على الفيتامينات و لا على الأحماض المزعومة و لا حتى على العنصر الفعال SOPEB الذي كان زعيبط يقول بأنه «سرّ» منتجه.

الزنجبيل و الحلبة بدل التركيبة “السرية”!
 و تُظهر المعاينة الأولى أن المنتج التركي المُصنع من طرف شركة مختصة في طب الأعشاب، مقسم إلى 3 أنواع بألوان الأصفر و الأزرق و الأحمر، تختلف حسب النكهات المتمثلة في الزيزفون و الميرمية و الحلبة و الصبار و كذلك الزنجبيل، كما أنه يضم، حسب التركيبة المدونة في غلاف العلبة، مستخلصات الحلبة و نبتة الإيكيناسيا و الزنجبيل و نكهات الشاي الأخضر و مستحلب القرفة و زيت الزيتون، و أيضا منظم حموضة و محسن حجم و مضادات تكتل تتمثل في أملاح المغنزيوم و الأحماض الدهنية، و الملفت أن ما يسمى بمؤسسة «تي زاد لاب» اختصارا لعبارة «مخبر توفيق زعيبط»، و التي يُفترض أن المنتج طور في «مختبرها»، تتحدث في بيان رسمي لها على «الفايسبوك»، عن وجود «مادة آر.أتش.بي» في المكونات، رغم أنه لا أثر لها في التركيبة المذكورة.
و الغريب في الأمر أن التسمية التي أطلقت على هذا المنتج، هي «عافيات شفاء»، بما يوحي بأنه يشفي، رغم أنه لا يعدو عن كونه مجرد سكر نباتي حسبما هو مُبيّن في العلبة باللغتين التركية و الانجليزية، فيما سبق لزعيبط نفسه أن أكد في تصريحات سابقة للنصر أن المنتج الذي صنعه بالجزائر لا يشفي بل يقلل، حسبه، من أعراض مرض السكري، و هو تناقض قد يضع صحة المرضى و خاصة الأطفال، على المحك، لاحتمال توقف البعض عن حقن الأنسولين و تناول الأدوية مثلما سبق و أن حصل.
تناقض آخر وجدناه فيما تم نشره على الصفحة الرسمية لمؤسسة «تي زاد لاب» على الفايسبوك، حيث تقول إن «عافيات شفاء» تسمح بالاستقبال «الجيد لجميع الجزئيات الموجودة على مستوى الخلية» و بأن هذه الجزيئات تستقبل عن طريق الغشاء الحيوي للخلية ما يعطي «دورة حيوية صحيحة»، بما يساعد المريض على استرجاع طاقته و وظائفه على أكمل وجه، بالإضافة إلى التقليل من المخاطر و المضاعفات المترتبة عن مرض السكري، ما يؤدي خلال أيام قليلة، حسب المؤسسة، إلى إحداث «تطورات إيجابية» بتحسن الحالة الصحية لمريض السكري و التي سيتم ترجمتها بـ «الحصول على طاقات إضافية و الإحساس بالنشاط»، و هي عبارات عامة و غير علمية قد نجدها في أي منتج يُباع عند العشابين و العطارين.
إلى جانب ذلك، قدمت المؤسسة ذاتها إرشادات بتناول قرصين من هذا المنتج يوميا، و ذلك في أوقات محددة قبل فطور الصباح و لمجة المساء، مع التنويه بوجوب عدم تغيير حمية داء السكري و إعلام الطبيب بتناوله، و كذلك التحذير بأنه لا يمكن لـ «عافيات شفاء» أن يعوض العلاج الموصوف من الطبيب، و هي إرشادات تعزّز لدى المرضى فكرة أن ما يتناولونه ليس سكر نباتي، بل دواء، مع اعتقادهم المسبق أن الأمر يتعلق بالنسخة التركية لـ «الدواء المعجزة»، الذي تحول فيما بعد إلى مكمل غذائي كانوا قد اصطفوا لأجله في شكل طوابير بمجرد طرحه في صيدليات الجزائر، بعد الحملة الدعائية غير المسبوقة التي حظي بها.
قيمته 700 دينار لكنه يُباع بثمانية أضعاف سعره!
و الملفت أن الطلبات على هذا المنتج لم تعد تقتصر على الجزائريين و امتدت إلى العديد من الدول العربية كالعراق و المغرب و بعض بلدان الخليج، و هو ما رصدناه على موقع التواصل الاجتماعي «فايسبوك»، حيث أنشأت المؤسسة المسماة «تي زاد لاب» موقعا الكترونيا يسمح للأفراد بوضع طلبيات على المنتج عبر الأنترنت، انطلاقا من موقع البيع الإلكتروني «باي بال»، حيث يتم من خلاله شراء 12 علبة لـ «علاج» مدته 4 أشهر، فيما يصل سعر الشحن الذي يتم، حسب الموقع، بين 5 و 7 أيام، إلى 40 دولارا، بما يعادل مبلغا يفوق بالدينار الجزائري 4600.
و قد اكتشفنا أن العديد من الأشخاص يشترون كميات من هذا المنتج بتركيا، ثم يدخلونها إلى الجزائر بعدة طرق من بينها ما يُعرف بـ «الكابا»، لعدم وجود موزع رسمي بالجزائر، قبل أن تعرض للبيع بشكل مباشر أو عن طريق وضع إعلانات على موقع «فايسبوك» داخل المجموعات الخاصة بمرضى السكري أو بصفقات البيع و الشراء و غيرها، و ذلك وسط تفاعل العديد من الأشخاص الذين يسألون عن كيفية الحصول على العلب، حيث تفوق الأسعار في الغالب 2500 دينار و تقارب في كثير من الأحيان 6 آلاف دينار، رغم أن السعر المحدد للعلبة في تركيا على مستوى سوق التجزئة، هو 6 دولارات، بما يعادل تقريبا 700 دينار جزائري فقط، نستطيع أن نشتري بها أية علامة من أنواع السكر الموجهة لمرضى السكري.
و للتوغل أكثر في القضية، تواصلت النصر على أنها زبون، مع أحد المستخدمين الذين يعرضون خدماتهم ببيع هذا المنتج التركي على «الفايسبوك»، و منهم شخص من ولاية قسنطينة يسمي نفسه إسلام، قال لنا إن الكميات التي لديه نفدت و طلب منا الانتظار لـ 15 أو 20 يوما للحصول على ما نريد، مضيفا أنه يبيع العلبة مقابل ألفي دينار و بأن هذا السعر أقل مقارنة بما يعرضه آخرون يبيعون العلبة الواحدة بـ 5700 دينار، ثم راح يتحدث عن «إيجابيات» هذا المنتج، رغم اعترافه بأنه لا يعلم ما هي مكوناته.
ماكثة بالبيت تشتري 100 علبة لـ «البزنسة» بها!
 بعد ذلك، استطعنا الوصول إلى أحد التجار الجزائريين المتواجدين في تركيا و الذين يلعبون دور ما يعرف بـ «الترانزيتور» أو الوسيط بين التاجر و المشتري، و يتعلق الأمر بالمدعو رضا الذي قدمنا نفسنا له في البداية على أننا زبائن من الجزائر نريد الحصول على منتج «عافيات شفاء»، ليؤكد أن المنتج سيصلنا في ظرف 7 أو 10 أيام على أبعد تقدير، حيث يحتوي كل صندوق على 304 علبة، تباع كل منها بـ 5 دولارات في حال شراء صندوق واحد، و مقابل 4.5 دولار لمن يريد الحصول على 3 «كَراتين».


«الترانزيتور» قال إنه يتكفل شخصيا بشحن البضاعة إلى الجزائر العاصمة، و ذلك بالعدد الذي نريده و حتى لو تعلق الأمر، حسبه، بـ 10 كراتين، كما بدا واثقا و هو يؤكد لنا إمكانية أخذها من المطار، و هنا رفض الإفصاح عن طريقة إدخال السلعة عبر الرحلات الجوية، كون الأمر يتعلق بمنتج غير مصرح بتسويقه بالجزائر، و أمام ملاحظته إصرارنا على معرفة المزيد، اضطررنا إلى التصريح بهويتنا، فتهرب محدثنا من الإجابة أكثر و قال «هذا أمر لا يخصّكم»، ثم راح يدافع عن نفسه  قائلا «أنا نخدم على روحي برك»، و بأنه يحقق هامش ربح ضئيل مقارنة بـ «الانتهازيين» الذين يرفعون السعر رغم أنه يجب ألا يتعدى، حسبه، 900 دينار.
و أضاف الوسيط بأنه يشتري المنتج من «المصدر» المتمثل في المدعو محمد موساي، المكلف بالإعلام في مؤسسة «تي زاد لاب» و الموجود حاليا في تركيا، كما ذكر أن هدفه هو «مساعدة» المرضى، مؤكدا في هذا الشأن أن فتاة ماكثة في البيت من ولاية تيبازة، طلبت 100 علبة عبر الفايسبوك و حصلت عليها قبل أيام قليلة مقابل 1500 دينار للعلبة ، و ذلك لتخصيص 10 منها لوالديها، و بيع ما تبقى مقابل 2500 دينار على الأقل، كما أخبرنا التاجر أن أشخاصا بعضهم من جنسيات سورية، يسوقون حصصا مقلدة من «عافيات شفاء» داخل تركيا و يبيعونها بأسعار مرتفعة لتحقيق أرباح مالية على حساب المرضى.
منتجات مُقلّدة تهدد صحة المرضى
و قد لاحظنا بموقع «فايسبوك» إعلانات عن بيع المنتج ببعض الولايات، و أظهرت صوره المنشورة أنه يختلف في الشكل عن المنتج التركي الأصلي، و هو ما بات يعرض حياة مئات مرضى السكري للخطر، لاحتمال وضع مواد ضارة تزيد من تعقيد وضعهم الصحي الحساس، أما المؤسسة المسمى «تي زاد لاب»، فقد سارعت مؤخرا إلى نشر بيان على صفحتها الرسمية في «الفايسبوك»، تنفي فيه صلتها بمنتج آخر اسمه «عافيات سيلكا» و الخالي، حسبها، من «مادة آر.آتش.بي»، مضيفة أن ما يسوق حاليا مقلد بغاية الربح، كما هدّدت باتخاذ إجراءات قانونية و قالت إنها لا تتحمل مسؤولية ذلك، و بأنها ستنشر صور للمنتجات الأصلية، فيما حاولنا الاتصال بالمكلف بالإعلام بالمؤسسة على أرقامه في تركيا لأكثر من مرة، لكن تعذر علينا ذلك.

أطباء مختصون يؤكدون للنصر
المكونــات يمكـن تحضيرهــا في الـمنزل و لا علاقــة لهــا بالسكـــري
و قد تواصلت النصر مع الدكتور ياسين كيتوني الأستاذ الجامعي و أخصائي الأمراض الداخلية بالمستشفى الجامعي بقسنطينة، و سألته عن رأيه في المكونات، فقال إنها عبارة عن خلطة عادية جدا يمكن لأي شخص أن يُحضرّها في المنزل، و هو ما يقوم به بالفعل العديد من المرضى، فنبتة الإيكيناسيا مثلا معروف منذ القدم أنها تُستخدم في علاج الزكام على سبيل المثال، لكن لا توجد لليوم دراسة علمية أثببت فعاليتها، و ذلك إلى جانب الحديث عن دورها في تقوية المناعة، دون إثباتات علمية أيضا، مُستغربا استخدامها في منتج يُفترض أنه موجه لمرضى السكري.و أضاف الدكتور أن الزنجبيل مستخدم أيضا من طرف العائلات الجزائرية رغم أن الإكثار منه يُضر بالجهاز الهضمي، و الأمر نفسه بالنسبة لباقي المكونات المستخدمة في منتج «عافيات شفاء» و التي لا تعدو كونها شكلا من أشكال الطب البديل، الذي لا يزال يحتاج إلى أبحاث أخرى لإثبات نجاعة ما يُقدمه للمرضى، حسبما أكده الأستاذ الجامعي.و ذكر الدكتور أن ما قاله لا يعني بالضرورة أن منتج زعيبط ليس جيدا، لكنه أوضح بأن على المعني أن يُقدم دلائل علمية و أبحاثا أجراها بنفسه على النباتات التي استعملها، لإثبات فعاليتها في حالة مرض السكري، مع العلم أن مثل هذه الأبحاث تستغرق 10 سنوات على الأقل و يجب، حسب المختص، تجريبها على أعداد كبيرة من الأشخاص الذين يتم تتبع حالاتهم، و هو نفس ما ذهب إليه أخصائيون آخرون استغربوا كيف صدّق المرضى و أهاليهم أن مكونات بسيطة كهذه يمكن أن تشفي أو تقلل حتى من أعراض مرض السكري، الذي لا تزال الأبحاث جارية في شأنه في كبرى المختبرات العلمية في العالم.و يدعو البعض إلى منع إدخال النسخة التركية لمنتج زعيبط للجزائر، ليس بسبب مكوناتها، فالأمر يتعلق في النهاية بمجرد سكر نباتي، بل لأن العديد من المرضى اعتقدوا فعلا أنها قد تشفي من السكري، مثلما لا يزال يُروّج له، فيما يطرح تحوّل المنتج «المعجزة» إلى حباّت سكر في تركيا، الكثير من علامات الاستفهام و يدفع إلى التساؤل «هل أريد إحداث ثورة في الطب بالجزائر بالقرفة و الزيزفون»؟          

تحقيق: ياسمين بوالجدري