PUBANNASR PUBANNASR
الأربعاء 23 أوت 2017

معْلم تاريخي و تربوي بقسنطينة

حيحي المكي.. ثانويـــة كوّنــت الوزراء والشخصيـــات الفكريـــة

تعد ثانوية حيحي المكي من أعرق المؤسسات التربوية في قسنطينة، تخرّج منها العديد من الشخصيات، تبوأ بعضهم مراكز مهمة في الحياة السياسية و الطبية و الاقتصادية و الثقافية و الرياضية، فهذه المؤسسة المشيّدة عام 1949 كواحدة من «المدارس العربية الإسلامية» الثلاث الرائدة بالجزائر تم تحويلها إلى ثانوية فرانكو-عربية في منتصف خمسينيات القرن الماضي قبل أن تحمل اسم الشهيد البطل حيحي المكي.
أعدتها:  مريم بحشاشي
ثانوية حيحي المكي الواقعة بشارع الإخوة خزندار بباب القنطرة، شارع فورسيولي سابقا، لها مكانتها بذاكرة المدينة العتيقة، فهي مثيرة بعمارتها القديمة المتميّزة التي تمتد على مساحة شاسعة تصل  الـ17928متر مربع و إن كانت الجزء المستغل من المساحة الكلية لا يزيد عن 8320متر مربع فقط، أما 9600متر مربع المتبقية، فهي تصنع فخامة المكان الذي فرض نفسه كمعلم تاريخي و تربوي بالمدينة، خاصة و أنه كان شاهدا من شواهد تاريخ التربية و التعليم ببلادنا، باعتباره احتضن في بداية تدشينه في نهاية سنوات الأربعين من القرن الماضي إحدى منابع التعليم القانوني و الديني و الأدبي الثلاثة بالجزائر إبان الاستعمار إلى جانب»مدرسة»تلمسان و العاصمة، أين كانت ملتقى المفكرين و المثقفين، قبل أن تفكر فرنسا في إعادة تصنيفها و تسميتها بثانوية «الفرنسية الإسلامية» عام 1952 و التي استمرت إلى غاية الاستقلال أين سارع الجزائريون إلى تغيير ذلك الاسم المخزي باسم بطل من أبطال الثورة الجزائرية الأستاذ المتفاني في حب الوطن حيحي المكي (1932-1958) ابن منطقة عين البيضاء، الذي كان له حظ التعلّم و تحصيل شهادات عليا في فترة الاستعمار و العمل كأستاذ بثانوية قسنطينة، أين كان قدوة لطلبته في الوطنية و النضال، خاصة و أنه كان من السباقين للانخراط في المنظمة المدنية لجبهة التحرير الوطني و تكريس وقته و حياته لتوعية و تحسيس الجزائريين و الطلبة خاصة بأهمية الثورة لأجل الاستقلال قبل أن يتم كشف أمره من قبل العدو عام 1955 فزج به في معتقل الجرف بالمسيلة أين ساهم في وضع خطة فرار محكمة عكست حنكته المثيرة للإعجاب، فكانت ضربة موجعة للسلطات الفرنسية،بعد تمكن حوالي 50 معتقلا من الهروب من قبضة الاحتلال.
فسيرة و اسم حيحي المكي جدير بالتخليد، في المدينة التي درس و درّس فيها، و إن تفاجأنا بشح المعلومات عن سيرته الذاتية في هذه المؤسسة حاضنة النخبة.
بن فليس و سعدان و التومي مروا من هنا
لا يمكن الحديث عن ثانوية حيحي المكي دون الاطلاع على سجل أسماء الدارسين بها، ممن برزوا كشخصيات فاعلة في الساحة السياسية و الاقتصادية و الثقافية و الفكرية و حتى الرياضية و الفنية، فكل زاوية بهذا الصرح التعليمي التربوي المهم، بمثابة خزان ذكريات لكل من مرّوا من هناك سواء كطلبة داخليين، مقيمين أو نصف داخليين، جابوا بين أجنحتها الكثيرة من أقسام و مخابر و أفنية و مكتبة ثرية و قاعة رياضية، و مراقد، سجلت مغامرات طلبة متحمسين و طموحين نقشوا أسماءهم كشخصيات ناجحة في عديد المجالات، و إن كان من الصعب ذكر كل الأسماء، لكثرتها و نكتفي بذكر البعض على سبيل المثال لا الحصر رئيس الحكومة السابق علي بن فليس، و وزيري التربية السابقين  علي بن محمد، و عبد الكريم بن محمود فضلا عن الوزير بن بوزيد الذي عمل لفترة هناك، ناهيك عن شخصيات كثيرة أخرى نذكر منها مصطفى موهوب و محمد صاري و محمد العمراني و شيخ المالوف الراحل عبد القادر سياف المعروف باسم التومي ، إلى جانب المدرب الوطني رابح سعدان.
و قد تطول قائمة الطلبة الذين نجحوا في نحت إسمهم كشخصيات مؤثرة و رائدة في المجتمع الجزائري،  و لا زالت تصنع فخر الأسرة التربوية بقسنطينة.
تراجع في عدد التلاميذ ومراتب دنيا في البكالوريا
الثانوية الضخمة التي كانت فيما قبل تعد أزيد من ألف طالب، تعاني اليوم من تراجع عدد المتمدرسين فيها بسبب عمليات الترحيل الواسعة التي شملت عدد كبير من سكان المدينة القديمة  الذين انتقلوا للعيش بالمدينة الجديدة علي منجلي و الأحياء السكنية الجدية في مختلف البلديات، حيث أكد مدير كمال مراجي تقلص العدد إلى 540طالب و هو مرجّح للتقلص مرة أخرى في الموسم الدراسي المقبل، لاقتراب فتح ثانوية جديدة بحي بكيرة الذي يقطن به عدد مهم من الدارسين بحيحي المكي، و هو ما قد يهدد الثانوية التحفة بالهجر.
و إن كانت ثانوية حيحي المكي قد صنعت المفاجآت بتميّز طلبتها القدامى، فقد وقعت في السنوات الأخيرة في مطبات، و تراجعت من حيث الترتيب السنوي العام من حيث نسبة النجاح في البكالوريا و وصلت إلى ذيل القائمة في 2014، لكن عزيمة و حرص الغيورين على تاريخها المجيد أعادها و لو بوتيرة بطيئة إلى الصفوف المتوسطة،في انتظار دفع أكبر لبلوغ الصدارة.

جدارية روجي ديبا المثيرة للجدل
التجوّل بين أروقة و أقسام و أفنية حيحي المكي، يحبس الأنفاس لشساعة المكان المتكوّن من بنايتين تربويتين بها 26قسما و 6 مخابر علمية و فيزيائية و إعلام آلي و ميكانيك، فضلا عن قاعة رياضة كبيرة تحمل اسم شفيق بلخيري، فضلا عن أجنحة عديدة أخرى متفاوتة المساحة و الارتفاع أيضا، حيث يتراوح عدد طوابقها بين الثلاثة و الستة طوابق في انسجام معماري مذهل، غير أن أول ما يجذب اهتمام الزائر هي البناية القديمة و حجارتها المصقولة و ترتيب حجراتها، لكن أكثر ما يشد الانتباه هي تلك الجدارية العملاقة التي يزيد طولها عن المترين و نصف و التي تحمل توقيع التشكيلي الفرنسي المشهور روجي مارييس ديبا ، صاحب التحف المستلهمة من ولعه بسحر شوارع و حياة قسنطينة، غير أن هذه التحفة الفنية كانت أثارت الكثير من الجدل بخصوص محتواها الذي اختلفت قراءته من شخص إلى آخر و من مجموعة إلى أخرى.
حيث رأى فيها البعض تقديسا للعلم و اعتبرها البعض الآخر إساءة للجزائريين،  باعتبار اللوحة تظهر امرأة شقراء جالسة و بيدها كتابا ضخما و يحيط بها ثلاثة شبان سمر منهم من هو جالس على ركبته و في خلفية الرسم جسر سيدي راشد و هو ما اعتبره البعض، إساءة للجزائر من منظور أن المرأة توحي إلى فرنسا أما الجالس على ركبته و المنحني تعبّر عن الجزائريين، إلا أن نظرة التشكيليين كانت مختلفة تماما باعتبار اطلاعهم على سيرة الرسام و تعلّقه بالجزائر و قسنطينة و شغفه بكل شيء فيها تماما مثل والده غيستاف.
و مهما قيل عن محتوى الجدارية الوحيدة بالثانوية و التي تزّين اليوم مكتب المدير، فإن اللوحة تبقى بمثابة تحفة فنية نادرة تحمل لمسات أحد أشهر الرسامين الذين تزّين أعمالهم متحف سيرتا الشهير.
هيكل عظمي لفرنسي وهب نفسه و جسده للعلم
جولتنا بالمخابر العلمية، كشفت لنا هي الأخرى عن أمور مثيرة للاهتمام، حيث و بالإضافة لبعض الأجهزة القديمة المستعملة في الدروس التطبيقية بهذه الثانوية منها «الميوغراف»الخاص بالتشريح العضلي و أجهزة العرض الضوئية الكلاسيكية، و المجسمات المتنوعة و مختلف أنواع الصخور و الخرائط التي تعود لخمسينيات القرن الماضي، أخبرتنا المشرفة على تسيير المخابر عما اعتبرته كنزا متميّزا و المتمثل في هيكل عظمي، يقال بأنه لمواطن فرنسي وهب نفسه و جسده للعلم و قد تم الاعتناء و التكفل به بطريقة جيّدة ساهمت في الحفاظ عليه إلى يومنا هذا.
الهيكل رتب بخزانة قديمة و غطي بقماش لحمايته من الغبار و كل الشوائب التي قد تؤثر عليه، قالت محدثتنا مؤكدة بأنه يتم طلاءه من حين إلى آخر بمادة خاصة للحفاظ عليه لمدة أطول.
ثروة مكتبية يجهل وجودها الباحثون

من أهم الفضاءات و المرافق الجديرة بالزيارة بثانوية حيحي المكي، مكتبتها الثرية بالكتب و المراجع القديمة التي تعود للقرن التاسع عشر و العشرين، و التي تتنوّع بين كتب الأدب و التاريخ و الفلك و مختلف العلوم، بل و أكثر من ذلك تحدثت عونة بالمكتبة عن مراجع عبارة عن مخطوطات قديمة، قالت أنها تليق بالمتاحف و المخابر التاريخية، مؤكدة بأنهم يفعلون كل ما في وسعهم لحمايتها لإدراكهم لأهميتها العلمية و التاريخية التي ترى محدثتنا بأن الباحثين قد يجهلون تواجدها و إلا لأولوها بالبحث و الدراسة حتما على حد تعبيرها.و أوضحت المشرفة على المكتبة بأن حوالي 40بالمائة من رصيد المكتبة التي تحصي أكثر من 8800كتاب عبارة عن معاجم و مجلدات و مراجع قديمة في مختلف العلوم، لكنها تبقى مرصوصة دون أن يطلع عليها أحد من الطلبة و لا الأساتذة الذين يفضلون المراجع الحديثة.
م/ب