PUBANNASR PUBANNASR
الثلاثاء 20 فيفري 2018

أهرامات الجزائر التي يرقد بها ملوك المورية

فرندة..  حاضنة العلامة ا بن خلدون وملهمة - جاك بيرك -  
   تشكل مغارة ابن خلدون ، و أهرامات "لجدار" التي تبرز كآثار جنائزية، إحدى أهم المعالم الأثرية التي تميّز إقليم فرندة بتيارت، فبين شواهد تاريخية  أسست لعلم الاجتماع،  وأخرى ساهمت في بناء حضارة الإنسان، تصنف كمركز لتلاقي الحضارات و إقليم يختزل الفكر البشري و فلسفة التاريخ ، و إذا كان الحديث عن السياحة الثقافية بمفهومها العام، فإن المشروع الحضاري ينطلق من فرندة بتيارت.
ربورتــاج: هشــام .ج
مغارة شهدت  التأسيس لعلم الإجتماع
   في ربوة تطل على سهل « التات «، تقع مغارة ابن خلدون بفرندة،  التابعة إقليميا لولاية تيارت ، مغارة تضم عدة غرف صغيرة أسست لعلم الاجتماع من خلال كتاب « المقدمة «  ذي الطابع الموسوعي الذي شمل كافة جوانب الحياة ، و اعترف الأجانب بفضله ومساهماته الكبيرة ، من بينهم المؤرخ البريطاني  «أرنولد تونبي « الذي ثمن مجهوده الفكري بالقول ، إنه  قدم للفكر البشري فلسفة للتاريخ .
الموقع لا يبرز مكانة الرجل العلمية وتأثيراته الجلية في بناء الحضارة الإنسانية، إذ يخلو من إشارات توجيهية ومعالم كفيلة باستقطاب المؤرخين وعلماء الاجتماع، إلى جانب السياح الباحثين عن المتعة العلمية ، فلولا بعض المواطنين القاطنين بالقرب من الموقع،  لمررنا بالمكان الذي يطلق عليه ضيعة تاغزووت،  مرور الكرام و لما انتبهنا لأهم معلم تاريخي وحضاري.
 تؤكد بعض المصادر التاريخية ، أن العلامة ابن خلدون مكث بالمغارة حوالي 4 سنوات، أثناء تأليفه للكتاب و الجزء الأول من كتاب « ديوان العبر » من سنة 1375 إلى 1378م . و يرى بعض الكتاب أن منطلق الفكر الخلدوني والإطار المحدد لنظريته في مجال علوم التاريخ والاجتماع والسياسة، يكمن في دراسة مجتمع المغرب الأوسط وتحليل الواقع الذي عاشه ابن خلدون بقلعة بني سلامة، لكونها المختبر الذي رصد فيه ملاحظاته ، انطلاقا من الشروط الطبيعية ومتطلبات الحياة اليومية،  القائمة على جدلية الصراع بين نمط الاستمرار وممارسة الزراعة وبين أسلوب البداوة ومزاولة الرعي. و من خلال البيئة والمحيط المعيشي و الأوضاع الاجتماعية و السياسية،  أدرك ابن خلدون، أن ممارسة السلطة أساسها قوة العصبية .
  زائر الموقع الأثري ، يدرك مدى تعلق ابن خلدون ومكوثه بمنطقة فرندة  التي تتمتع بسهول شاسعة، تمتد إلى غاية جبال عمور بالأطلس الصحراوي.و يقول أحد أبناء المنطقة المدعو سيد علي، 36 سنة ، بأن الموقع لم يأخذ قيمته ومكانته العلمية و التاريخية، فضلا عن كونه يعاني من الإهمال وعدم الاهتمام به كمعلم للتسويق السياحي ، فيما يشير آخر في العقد الخامس من عمره، إلى أنه من الضروري تنشيط الحركية السياحية، من خلال المعالم الاثرية التي تزخر بها منطقة فرندة، على غرار معالم لجدار، أو أهرامات الجزائر، حيث تحصي المنطقة لوحدها، ثلاثة مواقع في قمة الجبل ، فيما تتوزع البقية على بعض البلديات المجاورة.
يعد إقليم فرندة ،  أحد أهم روافد المعرفة و التقدم الحضاري للدولة الرستمية التي انفصلت عن الخلافة الإسلامية العباسية في عهد الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور، حيث اشتهرت بالقصور والبيوت والمساجد و الحمامات، و كانت عاصمتها تيهرت التي عرفت آنذاك كمهد للعلم و الثقافة و الاجتهاد، و مركز للاقتصاد والتجارة، و لم يبق منها إلا سور دفاعي، و بقايا من الآجر و آثار لسوق ومبان،  وبقايا لحمام رستمي ، وبين جبال الأطلس التلي و الونشريس الأشم،  وصلنا إلى أحد أهم المعالم الأثرية بالمنطقة، المسماة بأهرامات لجدار التي تتمظهر كآثار جنائزية .
مدافن لجدار .. بحاجة إلى رعاية

    تحصي منطقة فرندة بتيارت 13 هرما ، تعرف بمدافن لجدار، تم تشييدها في المرتفعات ، بهندسة تشبه، إلى حد ما ، أهرامات مصر ، من بين الأضرحة التي لا تزال محافظة نسبيا على شكلها، متحدية الزمن ، ضريح الكسكاس الذي دلنا عليه  سائق أجرة ، كان متوجها إلى بلدية مجاورة تدعى توسنية ، تشبه الهندسة المعمارية  للضريح، أهرامات مصر الفرعونية ، و هي مدافن خصصت لشخصيات بارزة ، كملوك  المور،  أو الأمازيغ الخارجين عن سلطة الرومان، وفق مصادر تاريخية ، حيث تقدر هذه الأخيرة تاريخ بناء المدافن في القرن الرابع ميلادي .
يعد ضريح الكسكاس، الشبيه لحد ما، بقبر الرومية بتيبازة ، من بين أكبر الأضرحة، بارتفاع يتجاوز 17 مترا،  فيما يبلغ طوله بقاعدة تصل إلى  50 مترا وفق  لوحة إشهارية للتعريف بالموقع، الذي لا يزال محافظا على هندسته، رغم تساقط بعض الحجارة الكبيرة من نوع الكلس ، لكن يصعب دخوله عبر مدرج مظلم، لانعدام المرشدين وقلة الحركة بالمكان الذي نجهل تفاصيله.
 أشار أحد المواطنين أن مدفن الكسكاس يضم عشرات الغرف الصغيرة التي لا يتعدى حجمها المترين ، و استنادا إلى دراسة أجريت حول الأضرحة المورية في شمال افريقيا، للباحثين خالد قلواز و لخضر سليم قبوب ، صادرة في مجلة العلوم ، تحصلنا على نسخة منها،  فإن أول ملك دفن هناك، هو الملك مازونا  أو ماسوناس.
   و تشير الدراسة  إلى أن ضريح الكسكاس، يعلو جبل الأخضر و يشرف بذلك على سهل السرسو و وادي مينا و روافده ، كما يتميز مثل بقية المدافن الأخرى،  برسومات للصليب الإغريقي، إلى جانب حروف و رموز إغريقية  ونصوص منقوشة و صور لحيوانات.
  ودعا الباحثان في مجال التاريخ، إلى الحفاظ على هذه المعالم الفريدة، عن طريق عمليات الترميم والعمل على نظافة المكان، و إقامة مصادر للطاقة، بدل الاعتماد على الشموع، مع تدعيم الأسوار المائلة و ملأ الفراغات و الشقوق، وغيرها من التوصيات التي خرج بها الباحثان من خلال هذه الدراسة الميدانية المعمقة .
«جاك بيرك» يهدي فرندة كافة أعماله
الرحلة إلى فرندة، الواقعة على بعد 250 كلم غرب الجزائر العاصمة، مرورا بولايتي عين الدفلى و تسمسيلت، لا تتوقف عند هذين المعلمين الشهيرين،فلابد أن يدفعك الفضول للاطلاع على ما تحتويه ملحقة المكتبة الوطنية، التي تحمل اسم المستشرق الفرنسي جاك بيرك الذي أهدى كتبا قيمة لسكان فرندة،  باعتبارها مسقط رأسه.
 يقول  عمر. م ،  معلم  في التعليم الابتدائي، بأن أرملة جاك بيرك، بناء على وصيته، حولت عددا معتبرا من  الكتب التي ألفها في علم الاجتماع و الفلسفة، إلى جانب بعض مقتنياته الشخصية التي تضاف إلى الرصيد المعرفي للمكتبة التي يصل تعداد كتبها إلى 40 ألف كتاب .

و أشار المتحدث إلى أن أغلب زوارها من الباحثين الأجانب الذين يقصدونها من مختلف دول أوروبا ، وفق الأصداء التي جمعها المصدر، فإن أفراد عائلة بيرك، لم ينقطعوا عن زيارة المكان منذ 2004 ، و آخر زيارة قام بها ابنه في سنة 2015 .
  المكتبة ، حسب أحد موظفيها، تستقطب عددا معتبرا من التلاميذ للمراجعة الجماعية ، كلما اقتربت الامتحانات و الفروض، في حين تبقى المطالعة عملية استثنائية تتطلب ،  كما قال، إعادة بعث الرغبة في ممارستها لدى الجيل الجديد.
جدير بالذكر أن  الفرنسي جاك بيرك،  كان يتميز عن غيره من المستشرقين المتخصّصين في العالم العربي، بقربه الفكري والوجداني من العرب و الحضارة الإسلامية، و قد انصبّ اهتمامه على مظاهر اليقظة، والنهضة، والتحرُّر الوطني في الأقطار العربية.
حسب الدراسات التي أُجريت حوله، فإنه تخلّص من المنهجية المتّبعة من طرف الاستشراق التقليدي، و ذلك بتبني منهج جديد،  قادر على معالجة القضايا المستجدّة، وأداء  دور كبير  في تجديد الدراسات الاستشراقية، من خلال تطبيق مناهج العلوم الإنسانية في دراساته التي تتناول السوسيولوجيا  الحضرية، واللّسانيات، وعلم النفس، والتاريخ. و قد  اهتم بيرك في آخر مرحلة من حياته بتفسير معاني القرآن الكريم .
قصبة  تطل على سهل تات
من الشواهد الثابتة على عراقة المكان ، نذكر قصبة فرندة التي أنشئت على المنحدرات الصخرية المطلة على سهل تات ، و تتميز بالبنايات المتماثلة شكلا، وبالأزقة الضيقة و لها أربعة أبواب رئيسية، و ثلاثة أبراج للحراسة و المراقبة. ذكر علي و هو في العقد الرابع من عمره، بأن كل هذه  الأزقة، و تعرف بالدرب، توصل الزائر إلى قلب المدينة، و بالضبط إلى ساحة تسمى «حوش ربي» ، و عرفت القصبة  توسعا و ازدهارا لدى قدوم «بني هلال « ، حسب الروايات المتواترة ، كما ساهم الحكم العثماني في تنظيم القصبة، من حيث طريقة البناء و توسيع و تبليط الأرصفة و الشوارع .
   تعاني القصبة العتيقة بفرندة، التي تمتد على مساحة نحو 12 هكتارا من التوسع العشوائي للمباني الحديثة ، فضلا عن اهتراء و سقوط الكثير من المساكن الطوبية ،  التي تعود حسب الدراسات الميدانية، إلى القرن 11 م. المنطقة تجمع بين التاريخ  و الثقافة، و يمكن بعثها من جديد ، كما أكد بعض من تحدثنا إليهم، بالاهتمام و الاستشراف،  لأنها مركز تلاقي الحضارات و إقليم يختزل الفكر البشري وفلسفة التاريخ ، و إذا تحدثنا عن السياحة الثقافية بمفهومها العام، فإن المشروع الحضاري ينطلق من فرندة .                هـ.ج