أبناؤها يواصلون العمل في " مهنة الموت" طباعة إرسال إلى صديق
الأحد, 11 مارس 2012
عدد القراءات: 2675
تقييم المستخدمين: / 37
سيئجيد 

تكوت.. البلدة التي حوّلها "السيليكوز" إلى مقبرة مفتوحة
تكوت ..إسم ارتبط بمرض السيليكوز القاتل الذي حول أبناء هذه القرية الفلاحية الهادئة الواقعة بين أحضان جبال الأوراس إلى مجرد أرقام جافة تتناقل وسائل الإعلام خبر موتهم مع سقوط ضحايا جدد، تشير إلى وصول عددهم الأسبوع الماضي إلى رقم 81 ، ومقبرة المدينة ما زالت مفتوحة لدفن المزيد منهم ، وقائمة المغادرين تضم حالات أخرى ترقد في البيت أو المستشفى في انتظار قدرها المحتوم الذي أوصلتها إليه حجارة صماء يتباهى الأثرياء الجدد بتزيين قصورهم وفيلاتهم الفاخرة بها . ففي أقل من 10 أيام سجلت ثلاث وفيات لضحايا في عمر الشباب ، قالت مصادر طبية أن المرض لم يمهلهم طويلا ، حيث قضوا نحبهم في فترة قصيرة من الإصابة به ، في تطور خطير لهذه الظاهرة التي دفعتنا إلى زيارة هذه البلدية الجبلية ، للوقوف على حقيقة هذه المأساة المحيرة.

أعد الملف: صفية بلغربي /تصوير شريف قليب

منطقة سياحية عذراء
في طريقنا إلى مقر بلدية تكوت الواقعة في الجنوب الشرقي من ولاية باتنة على بعد حوالي 100 كلم من عاصمتها ، استوقفنا بطريق تازولت منظر شاب في مقتبل العمر ، يقوم بصقل حجارة أمام محل لبيع مواد البناء ، والغبار يتطاير من حوله بشكل ملفت ، ولما اقتربنا منه أوقف تشغيل آلة الصقل التي كان يحملها ، لنتبين ملامح جسد معفر بالغبار من رأسه إلى القدمين . وبرموش مثقلة بطبقة بيضاء من الغبار غطت أيضا الفم والأنف ، قال لنا الشاب لوصيف فوزي - 25 سنة - أنه يعرف بأنه خطير لكن " الله غالب" لكونه يتضايق من استعمال القناع الخاص بأعمال الطلاء الذي كان يستخدمه لأنه يخنق أنفاسه ، وقد تعود العمل بدونه ، وذلك عندما حاولنا أن نعرف سبب عدم ارتدائه للقناع الواقي ، والموت يحصد العشرات من الشباب أمثاله في مدينة تكوت ، بسبب السليكوز الناتج عن استنشاق هذا الغبار القاتل  ،مستبعدا في نفس الوقت أن يكون معرضا لنفس هذا الخطر ، لأنه كما قال لنا يشرب الحليب كلما انتهى من العمل لتصفية رئتيه من الشوائب العالقة بهما ، وثانيا لأن ما يقوم بصقله من حجارة درجات السلم المصنوعة من " القرانيطو" تختلف حسبه عن الحجارة المسببة لداء السيليكوز .
وأنه كما أضاف بأسف كبير لم يجد البديل عن هذا العمل الذي يقوم به، وهو يستعد للزواج في الصيف القادم ، وذلك بعد أن فشل في الحصول على عمل في تخصص الميكانيك الذي يحمل شهادة عنه من التكوين المهني .
وبين أحضان جبال الأوراس التي مازالت قممها موشحة بالثلوج ، ويغطي العشب الأخضر سفوحها في لوحات طبيعية عذراء ساحرة ، تنتظر وصول استثمارات سياحية تفتح عشرات مناصب الشغل لمنطقة تعاني من بطالة حادة ، فيها 1500 شاب بطال في بلدية تكوت وحدها التي يقدر عدد سكانها بحوالي 12 ألف نسمة ، واصلت السيارة شق طريقها بنا والمصور يتوقف بين لحظة وأخرى لالتقاط صور نشر البعض منها على " الفايسبوك" أثارت عشرات التعليقات المنوهة بجمال المنطقة وبنسائها اللواتي كن منهمكات في خدمة أراض فلاحية خصبة ، تفتحت حقولها بطيب ما زرعن ، معلنة عن قدوم ربيع لاحت نسائمه مبكرا.
" دار الحداد بلا مسلة"
وباستثناء مدخل بلدية تكوت وتزيين مقر بوابتها بالحجارة المصقولة لم نعثر في طريقنا على مايدل على انتشار هذا النشاط الذي أودى بالعشرات من شبابها ، مما جعل دليلنا بزاح عبد الحميد – موظف بالبلدية- الذي رافقنا في زيارة العائلات المفجوعة في أبنائها أو التي تنتظر رحيلهم عنها في أي لحظة يردد على مسامعنا المثل الشعبي المشهور" دار الحداد بلا مسلة".
فبنايات مدينة تكوت بسيطة لا تحمل من مواصفات الرفاه إلا بعدد الطوابق في البعض منها ، وحتى بيوت من احترفوا هذه الصنعة خلت من هذه الحجارة ، إلا من بناية واحدة قيل لنا بأن صاحبها مهاجر ، بالإضافة إلى المسجد الذي كان أول من أدخل حجارة التزيين البنية اللون إلى المنطقة .
وحتى ما كنا نعتقده عن وجود ورشات خاصة بممارسة هذا النشاط ، تبين بأنه لا صلة له مع أرض الواقع ، لأن تكوت المفجوعة على فقدان أبنائها لا تتوفر على هذه الحجارة الموجودة بتراب ولاية تيزي وزو ، وأن دورها يقتصر على تقديم اليد العاملة التي تعلمت حرفة صقل الحجارة خلال بناء أول مسجد بها من طرف المقاول والمجاهد الراحل شعباني الوردي رحمه الله ، الذي أخبرنا أمين عام البلدية السيد عثماني عبد الحفيظ بأنه أول من أدخل هذه الحجارة إلى بلديتهم في سنوات الثمانينات ، حيث فتح ذلك أبواب الرزق للعشرات من البطالين الذين سارعوا إلى تعلم نحتها لما تدره من أموال طائلة ، وصل فيها إنجاز المتر الواحد إلى أكثر من مليون سنتيم . وتحت إغراء المادة واللهفة للحصول على المزيد منها ، وفي أقصر وقت ، استبدلوا المطرقة والمنقار بالقاطعات الكهربائية التي دمرت حياتهم ، وأتت على كل ما ادخروه في رحلة علاج ميؤوس منها .
أكبر إنجازاتهم في مدينة العلمة بفيلاتها الفخمة
فحجارة التزيين يتم استخراجها من منطقة إيكوران بولاية تيزي وزو ، هي نوعية من الصخور البنية اللون ، تتميز بهشاشتها مما يجعلها سهلة في عملية الصقل وتشكيل منحوتات فنية دقيقة ، عكس حجارة جبال الأوراس القاسية التي يصعب نحتها.  و ما وجدناه عند مدخل البلدية أكد لنا رئيسها السيد بن شوري بأنها من صخورهم المحلية التي شكلت بواسطة المطرقة والمنقار.
و الإستعانة باليد العاملة من بلدية تكوت لإنجاز مقر ولاية باتنة ، لفت الأنظار إلى أبناء المنطقة ، الذين أصبحت الطلبيات عليهم تنتظر شهورا  للإستفادة من خدماتهم في إنجاز فيلات فخمة بالعديد من ولايات الوطن ، ذكرت البلدية بأنها تصل إلى27 ولاية ، وعلى رأسها مدينة العلمة التي غير سوق دبي الشهير فن العمارة بها ، وأثرياءها الجدد يقلدون هندسة البيوت الأسيوية التي يحملون منها بضاعتهم ، ويتنافسون فيما بينهم على تزيين جدرانها بحجارة تيزي وزو  .
كما هو حال فيلات مدينة عين مليلة التي تتهافت على حجارة التزيين ، إلى حد التشابه فيما بينها ، وقد  مررنا على واحدة منها في طريق الإنجاز وقد كدست مجموعة من هذه الحجارة أمام بابها ، للحصول على نفس الواجهة ، وتسجيل رقم قياسي في عدد طوابقها وغرفها كدليل على الجاه حتى ولو كانت لا تستعملها ويعشش فيها العنكبوت كما أسر لنا بعض سكانها . صفية /ب

سياسيون وأطباء روجوا لحلول وهمية
استبعد مسؤولو بلدية تكوت أن نلقى استجابة من البيوت المفجوعة في وفاة أبنائها أو التي ترقد بها حالات تحتضر ، لأنها لم تعد ترغب في استغلال معاناتها من أجل تحقيق أغراض تجارية وسياسية ، أدت إلى تغليط البعض منهم ، وزيادة آلامهم بترويجها ل " حلول وهمية " . لكن أبناء الأوراس عز عليهم أن يخذلوا ضيفة طرقت بابهم ، لأن المرأة تحظى بكل الإحترام بينهم ، فأحسنوا ضيافتنا ، وفتحوا لنا قلوبهم الموجعة .
وقد عرفنا من رئيس مصلحة الأمراض الصدرية البروفيسور عبد المجيد جبار بأن هناك أطباء وسياسيين حاولوا استغلال مرضى السليكوز ببلدية تكوت من خلال الترويج لإمكانية العلاج في الخارج الذي عجز الأطباء في الجزائر عن تحقيقه ، مما أدى إلى قيام السكان بحركة احتجاجية للمطالبة بتمكينهم من هذا الحق ، خاصة بعد تأكيد بعض المرضى الذين عادوا من تونس شفائهم من هذا المرض القاتل، فاستعانت البلدية به للرد على هذا الإنشغال الأساسي لسكانها .
وتبين بأن المرضى العائدون من تونس قد وقعوا ضحية احتيال خضعوا فيها إلى " عملية غسل للرئتين " قام فيها هذا الطبيب التونسي بإدخال الماء وإخراجه بطريقة مماثلة للفحوص التي يجرونها باستعمال " السيروم " مقابل دفع 20 مليون سنتيم . و بمقابلته لممثلين عن المحتجين برفقة من زعموا شفاءهم، طلب منهم تقديم الأشعة التي أجروها قبل الخضوع إلى " عملية غسل الرئتين " و بعدها، تبين كما أوضح لنا بأنهم تضرروا أكثر مما كانوا عليه، لإصابتهم بالتهابات حادة نتيجة استعمال الماء. و حتى الأدوية التي وصفها لهم كانت عبارة عن أدوية خاصة بأمراض المعدة، مما جعل بعض من كانوا يعانون من آلامها يشعرون ببعض التحسن المؤقت.
ولوضع حد لباعة الوهم والمتاجرين بمعاناة مرضى السيليكوز من سياسيين وأطباء تقدم للمحتجين  بإقتراح تنظيم مواجهة مباشرة على التلفزيون مع هذا الطبيب التونسي ، يقدم فيها كل طرف أدلته. وهو يتحدى أي طبيب يزعم قدرته على تفتيت الغبار المتراكم داخل القصبات الهوائية للمصابين بهذا الداء .
و لمن يروجون أيضا لعملية زرع الرئة في الخارج ، قال بأن هذا العلاج الوحيد هو حلم بعيد لا يمكن تحقيقه أيضا ، والمشكل مطروح في أوروبا نفسها بسبب صعوبة الحصول على المانح ، لكون الرئة لا يمكنها البقاء صالحة للإستعمال بعد 6 ساعات من وفاة الشخص ، وكأقصى حد 24 ساعة ، وقائمة الإنتظار بالمستشفيات الأوروبية تصل إلى مدة عامين وأكثر ، بالإضافة إلى رفض الجسم للرئة المزروعة كل شهرين ، وحتى في حالة الحصول على المانح فالأولية ستكون للأوروبيين .
و أن الحل الحقيقي و الوحيد هو توقفهم عن ممارسة حرفة الموت لأنه لا علاج لها حاليا.  صفية /ب

مشاريع بديلة توقف إنجازها وأراضي العروش تشل الدعم الفلاحي
كشف رئيس بلدية تكوت الريفية السيد بن شوري للنصر في اتصال هاتفي بسبب تواجده في مهمة خارج البلدية خلال زيارتنا لها بأن استغلال الآراضي الفلاحية من طرف الشباب يصطدم بمشكل عقود الملكية التي يشترط تقديمها للحصول على الدعم الفلاحي لكون أغلب الآراضي عروشية .
وأنه قد طرح هذه القضية على المجلس الشعبي الولائي من أجل إيجاد حل سريع لها ، للتخفيف من حدة البطالة التي فرضت على السكان الهجرة إلى المناطق المجاورة والتنقل إلى ولايات أخرى بحثا عن فرص عمل ، حولت البلدية إلى مجرد مراقد يأوون إليها في آخر النهار أوفي نهاية الأسبوع ، معترفا في نفس الوقت بعزوف الشباب عن خدمة الأرض كغيرهم من الجزائريين الباحثين عن الربح السريع، فيما مردود خدمة الأرض يأخذ وقتا طويلا.
تكوت وتعني الصخرة الكبيرة حسب تفسير غير مؤكد لهذه الكلمة الأمازيغية كما أخبرنا بحاجة إلى "دعم معنوي" حسب تأكيده لاستغلال مناطقها السياحية الطبيعية العذراء، وهو يشير إلى محاولة المقاول والمجاهد الراحل شعباني ، إبن هذه البلدية الجبلية النائية لفك العزلة عنها ، وتوفير مناصب الشغل لشبابها البطال من خلال مشروع فندق ومسبح توقفت به الأشغال بعد وفاته ، كما هو الحال بالنسبة لمشروع إنجاز مركز للتكوين في الصناعات التقليدية ، وآخر للمياه المعدنية ، أكدت التحاليل المخبرية توفر منبعه الطبيعي على كافة المواصفات التي تسمح باستغلاله في هذا النشاط .
ومثل هذه المشاريع الطموحة ستكون أول خطوة نحو إيجاد بدائل ل " مهنة الموت" ، خاصة وأن الحملات التحسيسية بأخطار صقل الحجارة قد أدت حسب تقرير حول مرض السيليكوز أعدته مصالح البلدية بتارخ 14 فيفري الماضي يشير إلى توقف أكثر من 600 شاب عن ممارسة هذه الحرفة ، التي دفعت بتلاميذ المتوسطات والثانويات إلى مغادرة مقاعد الدراسة والإلتحاق بورشاتها المميتة في مختلف ولايات الوطن في ظروف إقامة بائسة عجلت بقطف زهرة شبابهم ، وترويع العديد من العائلات المحرومة من مصدر دخل ، تحصي اليوم 33 أرملة و 84 يتيما ، أكثر المناطق المتضررة منها في بالول وتادخت وتكوت الدشرة و المركز وزينون و شناورة الشرقية و الغربية وتيغزة وعين البير و تاغيت ، والقائمة مفتوحة لمزيد من الضحايا مادام هناك من يواصل امتهان هذه الحرفة وهو يردد مقولة " نموت نجري وما نموتش قاعد بالشر".   صفية /ب

رئيس مصلحة الأمراض الصدرية بمستشفى باتنة البوفيسور عبد المجيد جبار
الأطباء تعاملوا مع السيليكوز عند ظهوره على أنه السل
كشف البروفيسور عبد المجيد جبار رئيس مصلحة الأمراض الصدرية بالمستشفى الجامعي بباتنة بأن الأطباء تعاملوا مع الحالات الأولى للسيليكوز على أساس أنها  تتعلق بمرض السل ، لكن عدم شفاء المرضى بعد إرسالهم إلى العاصمة دفع إلى البحث عن سبب مقاومة الجراثيم رغم العلاج المكثف الذي خضعوا له ، حيث تبين بعد البحث عن المهنة التي يمارسونها بأن السبب في ذلك هو غبار السيليس الناتج عن صقل الحجارة بالقاطعة الكهربائية ، حيث تتعرض الرئة إلى الملايين من هذه المادة التي تتراكم بالقصبات الهوائية وتتحول إلى حجارة صلبة تسد منافذ التهوية ، بحيث تعجز الرئتان عن التخلص من غاز الكاربون واستقبال الأوكسيجين.
ومن مضاعفات هذا المرض حدوث تمزق على مستوى الرئة يؤدي إلى تسرب الهواء إلى التجويف الصدري بما يعرف بمرض الإسترواح الصدري أو الصدر المثقوب "pneumothorax  " الذي يؤدي إلى انكماش الرئة وضيق التنفس ، وبعض الوفيات ناتجة عن هذا التدمير لآلية حركة الرئة الطبيعية.
بالإضافة إلى تعرض أصحاب هذه الحرفة إلى الإصابة بمرض السل ، بحكم تنقلهم للعمل في ولايات أخرى ، وطلب خدماتهم من طرف أصحاب فيلات في طور الإنجاز تكون عبارة عن ورشات مفتوحة ، يبيتون في فصل الشتاء فيها في " القاراجات" في درجات حرارة جد متدنية ، تؤدي إلى إصابتهم بالتهابات صدرية حادة ، تفشل الأدوية التي يصفها لهم الأطباء في قتل الجراثيم المسببة لها ، لأن الغبار المتراكم داخل الرئة يمنعها من الوصول إليها ، فينتج عنه مقاومة للدواء وانتقال العدوى إلى وسطه العائلي وكل المحيطين به .  
والخطورة اليوم تكمن أيضا في تطور هذا المرض الذي أصبحوا يسجلون فيه عجزا تنفسيا في مراحله الأخيرة ، بعد عام واحد من ممارسة هذه الحرفة ، عكس ما كان عليه عند بداية ظهور السيليكوز في أوساط ممارسي هذه الحرفة القاتلة .
و أرقام المصابين بهذا الداء على مستوى مصلحة الأمراض الصدرية تبين وجود عدة أسماء من عائلة واحدة، وصلت لدى البعض منها إلى 34 إصابة، بسبب انتقال العدوى بجرثومة السل التي لا ينفع معها الدواء، وممارسة نفس الحرفة. وتتراوح أعمار المرضى بين 17 و37 سنة بمتوسط يقدر ب26 سنة.
رئيس مصلحة الأمراض الصدرية أشار إلى انخفاض عددهم في السنوات الأخيرة ، حيث استقبلوا 13 حالة سنة 2007 و 9 حالات في 2008 و 5 في 2009 و 4 في 2001 و 3حالات في السنة الماضية ، بمجموع 44 حالة . كما نفى وجود أي مريض حاليا في مصلحته ، لأن المستشفى وجههم إلى البيت في انتظار قدرهم المحتوم ، ولم يعد بإمكانه أن يقدم لهم شيئا .
واستبعد أن تكون أسطوانات شحن القاطعات الكهربائية  المصنوعة من مادة الأميونت تقف وراء الإصابة بالسيليكوز ، لأن وزنها مقارنة بالحجارة ضعيف جدا ، وما يتطاير منها من غبار ، لا تظهر أعراضه إلا بعد مرور حوالي 15 سنة ، وتؤدي إلى الإصابة بسرطان الرئة.
وأوضح بأن الأشخاص المعرضين لاستنشاق الغبار بكميات كبيرة ، في النجارة والجبس والأقمشة وغيرها من الأعمال مهددين بهذا الخطر الذي يؤدي إلى تدمير الرئة ، وإن اختلفت التسميات التي تطلق عليه حسب نوعية مادة الغبار منها مرض التالكوز" للعاملين في مجال الجبس ، و" بنيموكونيوس"  رئة التعدين أو الرئة السوداء للعاملين في الفحم .
وأنه كثيرا ما يترجل من سيارته عندما يرى أمثال الشاب الذي شاهدناه في طريق تازولت لتنبيههم للخطر الذي يهدد حياتهم . وآخر مرة كانت في بلدية عين سمارة بقسنطينة في نفس اليوم الذي سقطت فيه ضحيتان لمرض السيليكوز ، عندما تقدم من شاب كان يقوم بصقل حجارة فوق برميل والغبار يتطاير من حوله ، يستعين لرده بقطعة شاش ، أخبره بأنها لن تفيده ، لأن هذا لعمل يتطلب أقنعة حماية خاصة يتم تغيير الفلتر بها يوميا ، وهي ليست أيضا القناع الذي يستعمل في أشغال الطلاء ، قال بأنه لم يعد يراه وبعد أيام فوجئ بشخص آخر يحل مكانه .
والشروط الأمنية لممارسة هذا العمل تتطلب بالإضافة إلى القناع المشار إليه ارتداء لباس خاص و استعمال قاطعة تعمل بالماء لتخفيف كميات الغبار المتطاير من عملية صقل الحجارة.                  صفية/ ب

عائلات ما زالت تتلقى العزاء وأخرى تنتظر مصيرها المحتوم
استعانت بلدية تكوت بأحد حرفي صقل الحجارة من أجل تسهيل مهمتنا في الإقتراب من العائلات المفجوعة في أبنائها ، فعرفنا من الشيخ غزال الوردي -64 سنة- بأنه اشتغل لمدة 7 سنوات في صقل الحجارة ، وذلك خلال بناء مسجد الدشرة ، ثم في ديوان والي ولاية باتنة ، وانتقل بعدها للعمل في ولاية بسكرة ، لكنه مازال ينعم بالصحة ولم يتعرض للإصابة بالمرض اللعين ، لأنه كما أخبرنا كان يشتغل بالوسائل التقليدية البسيطة المتمثلة في المنقار والمطرقة . إلا أنه لم يخف قلقله على ولديه اللذان يشتغلان حاليا في مدينة سطيف في نفس هذه الحرفة باستعمال القاطعة الكهربائية ، أحدهما متزوج . قال أنه طلب منهما ترك مهنة الموت غير أنهما رفضا ذلك ، بسبب معاناتهما من البطالة وعدم وجود بديل يسترزقان منه .


زوجته غادرت البيت بعد تدهور صحته
وأول بيت قادنا إليه كان لابن أخيه غزال عثمان البالغ من العمر 42 سنة ، أصيب بمرض السيليكوز منذ 10 سنوات بعد 15 سنة قضاها في ممارسة هذه المهنة ، كان يعتمد فيها على الوسائل التقليدية قبل أن يتحول إلى القاطعة الكهربائية التي اشتغل بها لمدة سنتين . الأموال الطائلة التي جمعها من هذه الحرفة لم ينتفع بها كثيرا ، وهو يقيم حاليا في بيت فوضوي بسيط مازال في طور الإنجاز ، زادت برودته من شدة آلامه ، ليس له من دخل إلا منحة الشبكة الإجتماعية المقدرة ب 3000 دينار ، لا تكفيه لسد أبسط حاجياته كمريض . وبعد أن كان ينعم بالصحة أصبح اليوم عاجزا عن الحركة بعد تطور السيليكوز الذي أصابه بالشلل ، ويستمد أنفاسه من جهاز تبرع له به أحد المحسنين ، علمنا بأن سعره يصل إلى 16 مليون سنتيم ، يشتغل ليل نهار لمده بجرعات الأوكسجين ، مما يؤدي إلى ارتفاع استهلاك كميات كبيرة من  الكهرباء  ، تصل فاتورتها إلى حوالي 6000 دينار تعجز عائلته عن تسديدها ، لولا بعض المحسنين. وعندما ينقطع الكهرباء تتم الإستعانة بقارورة الأوكسجين الكبيرة الحجم ، تستهلك بمعدل قارورة واحدة ليومين ، يتم توفيرها بالتعاون بين مديرية الصحة والبلدية .
والدته العجوز هي من تقوم برعايته بعد أن غادرت زوجته البيت وحصلت على الطلاق ، وكل أمل أمه أن يشفى ويمد الله في عمرها لكي تبقى جانبه بعد وفاة والده منذ 20 يوما ، وقلبها يعتصر ألما على إبنها الثاني الذي أصيب هو الآخر بالسيليكوز.
صرف ما ادخره من أموال وباع سيارته
والبيت الثاني الذي قصدناه ، يحمل أيضا نفس اللقب ، حيث علمنا بأن رقم المصابين بالسيليكوز وصل لدى بعض العائلات إلى أكثر من 35 حالة ، نتيجة التهافت على تعلم هذه الحرفة التي تدر الأموال ، وتلقين أفراد العائلة الواحدة تقنياتها.
استقبلنا محمد غزال – 39 سنة – بنفسه، لأنه لم يصل بعد مرحلة العجز التنفسي، وقد مال لون جسمه إلى الأزرق. قال أنه كان يزن 72 كيلو غرام وانخفض إلى 51 كيلو غرام ، لديه ثلاثة أبناء ، وليس لديه من مصدر رزق إلا منحة الشبكة الإجتماعية ، وبعض الدنانير التي تحصل عليها زوجته من خياطة الفساتين للجيران لا تكفي لسد حاجياتهم . و ما ادخره من أموال في "مهنة الموت" صرفه على علاجه، بما فيها سيارته "SUPER 5 "التي باعها أيضا.
اعترف لنا بأنه لم يكن يعرف بأن عمله يتسبب في مرض السيليكوز ، ولما علم بهذه الحقيقة من خلال الحملة التحسيسية التي نظمتها البلدية سارع إلى التوقف عن ممارستها ، إلا أن المرض لم يمهله ، وقد ظهرت عليه أعراضه بعد فترة من توقفه. لكنه مع ذلك استبعد أن يكون غبار الحجارة هو من سبب له المرض ، وطلب منا أن ننقل نداءه للأطباء والباحثين لدراسة نوعية الأسطوانات المستعملة حاليا في شحن القاطعات الكهربائية ، لأنها حسبه " تاع الشناوة مرهوجة"  عكس النوعيات السابقة ، ودليله في ذلك الرائحة التي أصبحوا يشمونها منها حتى وهي مركونة في البيت ، بالإضافة إلى أن المرض ظهر فقط مع بداية غزو السلعة الصينية للأسواق أمام التهافت الكبير على مهنة صقل الحجارة التي تتطلب استهلاك 50  أسطوانة في اليوم الواحد.
وأسرت لنا زوجته الشابة والحمرة تغطي وجهها ، بأنها تعمل على مساعدة زوجها للتغلب على المحنة التي ألمت بهم وعصفت بأحلامهم ، وذلك باستعارة آلة الخياطة من جارتها كلما كانت لديها طلبية ، تخيط " قندورة ولا زوج مرة على مرة " في دشرتها . وما يؤلمها هو رؤية زوجها يذوب أمام عينيها وهي لا تستطيع أن تخفف من آلامه ، وتبكي بحرقة كلما سمعت بخبر وفاة قريب أو جار لهم ، ويدها على قلبها خوفا من هذا المصير الذي ينتظره.
واصل عمله رغم علمه بإصابته
البيت الثالث أهله ما زالوا يتلقون العزاء عن إبنهم بشير محمدي – 48 سنة – الذي فارق الحياة منذ 15 يوما . أخبرتنا زوجته بأنه اشتغل لمدة 10 سنوات في حرفة صقل الحجارة ، في كل من العاصمة وقسنطينة وبجاية ، حيث كان يتغيب عن البيت بين شهر و20 يوما . و الأموال التي جمعها من هذه الحرفة أنجز بها البيت الذي يقيمون به حاليا، وما زال في طور الإنجاز.
وعكس الحالات السابقة لم يتوقف عن العمل لما علم بإصابته بداء السيليكوز ، لأنه كما قالت والدته لم يجد البديل أو مدخول آخر لإعالة أسرته المتكونة من زوجة و5 أطفال ، أكبرهم عماد 21 سنة وأصغرهم فريد 5 سنوات . لم يصل مرحلة التنفس عن طريق جرعات الأوكسجين، لكن المرض لم يمهله لأكثر من شهرين، ليفارق الحياة في نفس اليوم الذي حملوه فيه إلى المستشفى بعد إصابته بنزيف دموي.
وهناك 8 حالات اليوم ببلدية تكوت تستعين بجهاز التنفس ، فيما يواصل أكثر من 350 مصابا رحلة العلاج بين المستشفيات والعيادات الخاصة ، بحثا عن شفاء أكد الأطباء بأنه ميؤوس منه.
الخطاب منهم يشترطون عليهم تقديم ملف طبي يؤكد سلامتهم
كشفت لنا مصادر من بلدية تكوت بأن مرض السيليكوز الذي أصاب المئات من شبابها دفع ببعض المصابين إلى إخفاء مرضهم ، وتكتم من يمارسون هذه الحرفة خارج البلدية عن كشف نشاطهم ، بسبب نظرة المجتمع القاسية التي لا ترحم أمثالهم . وقد وصلت درجة التكتم على هذا المرض ‘لى حد أن أحد الضحايا مات في المدة الأخيرة وهويمشي بينهم ، ولم يعلم أحد بتدهور حالته ، مما شكل صدمة كبيرة لمن سمعوا بخبر وفاته ، بعد أن كانت الوفيات تمس فقط من يستعينون بأجهزة التنفس في المراحل الأخيرة لهذا المرض.
هذا التكتم دفع ببعض العائلات إلى طلب ملف طبي لمن يتقدم إلى خطبة بناتها ، للتأكد من سلامتهم وعدم ممارستهم لحرفة صقل الحجارة المميتة ، بالنظر لما خلفه مرض السيليكوز من عشرات الأرامل والأيتام وفقر وعدوى في حالة الإصابة المزدوجة بالسل.
وكشف لنا مرافقنا بزاح عبد الحميد بأن صهره طلبوا منه تقديم هذه الشهادة الطبية .
وحتى القاطنين بمدينة باتنة وغيرها من بلديات الولاية يتلقون نفس المعاملة ، والخطاب منهم يشترطون عليهم تقديم دليل يؤكد عدم ممارستهم ل" مهنة الموت".
صفية / ب

 

 

 

 

 

أضف تعليق

الاسم (الزامي)
البريد الالكتروني(الزامي)