مترجمون وكتاب لكراس الثقافة طباعة إرسال إلى صديق
الاثنين, 07 يناير 2013
عدد القراءات: 1066
تقييم المستخدمين: / 1
سيئجيد 

الترجمة في الجزائر.. جهد أفراد لا تتبناه المؤسسات

كيف هو واقع وحال وحركة الترجمة في الجزائر؟، فرغم وجود المعهد العالي العربي للترجمة في الجزائر، إلا أن حال الترجمة يعاني على عدة أصعدة، كغياب إستراتيجية ثقافية ومؤسساتية في هذا الشأن، إذ تبقى الترجمة عبارة عن مجهودات فردية يقوم بها بعض الكُتاب والمترجمين المحبين للأدب وللترجمة والذين يُعدون على أصابع اليد الواحدة، وهذا في غياب مؤسسات مهتمة ترعى الترجمة وتدفع بها إلى الحركية والتطور والاحترافية أكثر. ملف كراس الثقافة لهذا العدد الأول من موسم سنة 2013 خصصناه للحديث عن واقع وحال الترجمة في الجزائر. فما هي الأسباب الحقيقية لركود وغياب حركة الترجمة، وهل تكفي الجهود الفردية في غياب شبه كلّي للمؤسسات والمخابر المتخصصة؟ وهل من حلول في الأفق؟. حول هذه الأسئلة وغيرها وحول هذا الموضوع، يتحدث بعض الكُتاب من أهل الاختصاص في حقل الترجمة.

استطلاع/ نوّارة لحرش

 

سعيد بوطاجين/ كاتب وناقد ومترجم
الترجمة في الجزائر تأتي في المرتبة ما بعد الأخيرة
سؤال الترجمة يظلّ، من منظوري، قابلا لأن يطرح من زوايا متباينة، ومنها المقصدية التي يجب أن تتبوّأ الأسئلة مجتمعة. لم يعد من المهمّ تناول الفكرة معزولة عن المعرفة برمّتها، وما يعلق بهذه المعرفة من تراكمات وعلاقات. يمكننا الإشارة، على سبيل التمثيل، إلى فكرتي التجسير والمثاقفة، وهما قضيتان مطروحتان في النظريات الثقافية الجديدة بشكل لافت.
أجد المسألة شائكة أحيانا بالنظر إلى طبيعة رؤيتنا للترجمة وفهمنا لها في غياب شبه كلّي لمنظومة واضحة المعالم. إنّنا نستورد حاليا ترجمات بمقدورنا إنجازها بأقلّ تكلفة ممكنة، بيد أنّ مؤسساتنا لا تملك بُعد النظر، وقد تملك هذا البعد ولكنّها لا تبادر لأسباب مركبة. ومنها التقاليد الترجمية، وهي مرتبطة بالكفاءة والنشر والمبادرة والتسيير، أي بالفعل الثقافي في نهاية الأمر، وبالأموال كذلك.
من العبث إذن عزل الترجمة عن الفعل الثقافي. إذ كلّما تمّت تقوية الثقافة تمّ تأثيثها بمعارف محلية أو غيرية. وعادة ما يحتاج منتوج الآخر إلى لغة ثانية أو ثالثة. وهذا أمر بدهيّ تماما.  وحتّى يتمّ تحقيق ذلك وجب إشراك عدّة جهات معنية. إنه لمن الخطأ الاعتقاد بأنّ وزارة الثقافة هيّ الجهة الوحيدة التي بمقدورها إنجاز المهمة.  ثمّة وزارات كثيرة يمكن أن تسهم في ذلك. كلّ الوزارات والشركات والمؤسسات ودور النشر ورئاسة الحكومة. لا يمكن تقديم الدعم الكامل لفريق لا يعرف أبجديات كرة القدم ونغفل العقل. أو كلّ ما له علاقة بالفعل الحضاري.
إنّ لاعبا محترفا يتقاضى في السنة الواحدة ما لا يتقاضاه باحث في ثلاثة قرون وعشر سنوات. وتلك حقيقة. أمّا الترجمة في الجزائر فتأتي في المرتبة ما بعد الأخيرة. ولذا لا يهتمّ بها المعنيون. ما عدا تلك الجهود المبذولة من قبل أفراد لهم قناعاتهم وهواياتهم. يمكننا الإشارة في هذا السياق إلى واجبات المترجم وحقوقه التي لا يرعاها أيّ قانون. خاصة عندما يتعلق الأمر بالذين لا يعرفون الميدان جيدا. دور النشر ليست دائما نزيهة في تعاملها، دون أية خلفيات، ودون تعميم بطبيعة الحال. وهي ذاتها تجد صعوبات في التمويل وفي شراء حقوق الترجمة، المكلفة في حالات كثيرة. أي أنها تتفادى المغامرة تحسبا للخسارات، ولها كلّ الحق في ذلك ما دامت مرتبطة بمصالحها المادية. ومع ذلك فهناك مبادرات طيّبة هنا وهناك، ما يشبه القفز إلى الإفلاس طوعا.
أعتقد أنّ وزارة الثقافة خصصت ميزانية لهذا قبل سنتين، الأمر الذي أشارت إليه السيدة الوزيرة بمناسبة الملتقى الدولي للترجمة الذي جرت فعالياته في الأوراسي. لكنّ ميزانية الوزارة لا تكفي لترجمة المئات من العناوين التي نحتاج إليها في تخصصات مختلفة. وليس من باب الحكمة عدم إشراك الجميع. وفي كلّ القطاعات. بما في ذلك وزارة كرة القدم التي أصبحت دولة مستقلة. أتحدث ها هنا عن توزيع مال البلد بعقلانية نسبية لأنّ الكرة، رغم أهميتها، ليست مؤهلة لعلاج مريض أو صناعة حضارة. ومع ذلك فإنها تملك ما لا يملكه الملك. وقس على ذلك مؤسسات أخرى متخصصة في الفشل. من المحتمل جدا أن ننتبه لاحقا إلى أننا أغفلنا مسألة غاية في الأهمية، كما يرى الآخرون. في الغرب وفي الدول المغاربية والمشرقية والخليجية. لكنّ المسألة، في جوهرها، تظل مرتبطة بموقفنا من البحث ومن الثقافة، وبما نريده من المستقبل. إن جاز الحديث عن مستقبلنا في ظلّ هذا المنطق العجيب الذي يؤلّه لاعبا رديئا ويقلل من شأن عالم. الترجمة في الجزائر هيّ مرآة لهذا المنطق البائس.
لنتصارح ولو مرّة واحدة: يتقاضى بعض الفاشلين في كرة القدم ما قيمته خمسين مليونا في ساعة واحدة من اللعب. أمّا المترجم الذي ينقل كِتابا من لغة إلى أخرى في ظرف سنة فيتقاضى ما بين عشرة ملايين وعشرين مليونا، إن كان الكِتاب من مائتي إلى ثلاثمائة صفحة، على الأقل، وإن كان محظوظا مع الناشر الذي له حساباته وأخلاقه. وهذي صراحة جزئية يمكن أن تُضاف إلى أزمة الترجمة في البلد. أزعم أنّ علينا معالجة القضية من عدة تموقعات، ومنها موقفنا من الثقافة في حدّ ذاتها. أتساءل عمّا إذا كانت المؤسسات وأشباه المؤسسات قادرة على تمويل مشاريع كروية تعيسة، في حين تدّعي القلّة والبؤس عندما يتعلق الأمر بدعم كتاب واحد في السنة قد لا يكلّفها شيئا. الشيء ذاته بالنسبة للولايات ومديريات الثقافة والشركات المختلفة التي تتغذى بأموال الدولة الجزائرية. هذا الموقف العام من العقل هو الذي عرقل كلّ شيء، وليست الترجمة سوى ضحية من ضحاياه. أضف إلى هذا ما تعلق بالقراءة وبؤسها. نحن لا نقرأ ما هو مترجم، ولا ما كتب بلغتنا، في الجامعة وخارجها، لذا لا يمكن أن نتوقع من الناشرين القيام بمشاريع خاسرة مسبقا. ليس من العدل تحميلهم ما لا طاقة لهم به في غياب تقاليد القراءة والجدل. ثمة تعقيدات كثيرة وجب تفكيكها إن كنا بحاجة إلى الحديث عن الترجمة. هل هي مهمة أم لا؟ ماذا نترجم ولماذا وكيف؟ ماذا نريد من الترجمة؟ ما دور الأفراد والمخابر والمؤسسات والجامعات والوزارات ودور النشر والهيئات ووزارة كرة القدم؟ مع ذلك فهناك بعض الجهود المحترمة التي يجب التنويه بها، وهي كثيرة وفاضلة وإستراتيجية، مع أنها ليست كافية حاليا إن نحن قارنّا أعمالنا بأعمال الآخرين، لأنّ ما نترجمه حاليا لا يقارن أصلا بما تقوم به جامعة واحدة في بعض البلدان الأوروبية. الأمر لا يدعو إلى الانسحاب ما دامت هناك مبادرات من قبل بعض الجهات التي ما زالت تهتمّ بالترجمة في حدود قدراتها، لكننا نطمح إلى الأفضل، خاصة عندما يصبح للمترجم دوره الواضح في المنظومة القانونية.

بشير خليفي/ شاعر ومترجم

أزمة الترجمة عندنا من أزمة الثقافة
لقد أضحت الترجمة مجالا واسعا للبحث من حيث ضوابطها ومجالاتها وأشكالها مما فسح المجال لكثير من الباحثين للخوض في غمارها من أبواب شتى، كما فعل الباحث المغربي طه عبد الرحمان في طروحاته الفلسفية عن الترجمة ومقاربتها إلى تحصيلية توصيلية وتأصيلية. والواقع أن أهمية الترجمة في أشكالها المتعددة تنبع أساسا من التعدد اللغوي الحاصل والرغبة في تواصل ناجع يستفيد من خلاله الأفراد من الحاصل في المعطيات التداولية المختلفة، هذا زيادة على الأهمية البالغة التي تمدها الترجمة للفكر في شتى صنوفه من حيث نشره وتبليغه. إن الحديث عن الترجمة في الجزائر لا ينفصل البتة عن طبيعة الوعي بمفصلية الثقافة لدى الإنسان الجزائري، ومن ثمة ترتبط ارتباطا عضويا بالفهم التراكمي للفعل الثقافي وبالحاجة المعرفية للآخر سواء كباحث أو مستقبل، أو حتى عند القارئ الجزائري نفسه من حيث رغبته في قراءة منجز معرفي مكتوب بلغة مختلفة عن إطار التكوين والاشتغال. فأزمة الترجمة عندنا من أزمة الثقافة في فهوماتها، تشكيلاتها وتنويعاتها المتعددة عبر نسبة المقروئية والنظرة للآخر المختلف في لغته ومعتقده ومعاشه، وكذا في التصور العام لما يستحق ترجمته عبر أحكام غالبا ما تحيد عن لغة العدل والإنصاف، يؤججه اعتقاد سائد يستوطن بعض المثقفين يرون من خلاله أن العمل الترّجمي يستهدف أساسا إلى خدمة الكاتب والتعريف به أكثر من التعريف بالمترجم. في هذا الإطار لا يمكن أن ننفي الجهود المبذولة عبر المعهد العالي للترجمة أو أقسام الترجمة ومخابر البحث المتخصصة المنتشرة عبر ربوع جامعات الوطن في سعيها لتكوين مترجمين في تخصصات الترجمة المختلفة، إضافة إلى ما تقوم به بعض دور النشر، إلا أن غياب التنسيق وعدم وجود إستراتيجية واضحة المعالم للاعتناء بالترجمة والمترجم يجعل من فعل الترجمة في إطارها البحثي والمعرفي على وجه الخصوص عملا بالغ العسر والصعوبة. ليستحيل الأمر إلى نشاط فردي ينبري له بعض الباحثين بجرأة وتحد  كتعبير عن نشاط معرفي يستجلبون من خلاله مناويل وأنسجة في التحليل والحكي من سياق لغوي إلى نظير له، مثلما يتضح على سبيل المثال لا الحصر عبر جهود أبو العيد دودو، محمد ساري، سعيد بوطاجين، عبد الحميد بورايو، جيلالي خلاص وبوداود عميّر في مجال الأدب، إضافة إلى محمد جديدي، عمر مهيبل، كمال بومنير، الحسين الزاوي ونادية بونفقة  في إطار الفكر والفلسفة.

بوداود عميّر/ كاتب ومترجم
نعاني من تخلف فظيع والمجهودات الفردية لا تكفي
لا يختلف اثنان في الدور الحضاري الذي كانت ولا تزال تلعبه الترجمة في مجالات التحصيل العلمي والمعرفي، وعملية الانفتاح على الآخر، وفي ربط خيوط التلاقي والتواصل بين الشعوب والأمم في جميع مناحي الحياة. لقد بات مؤشر التطور العلمي والمعرفي بين الدول المتحضرة، يُقاس أساسا بحجم الترجمة المنجزة في هذا البلد أو ذاك: من خلال عدد اللغات المُترجم منها وإليها، المواد العلمية والمعرفية التي تشملها وأيضا نوعية الترجمة المؤسّسة على عناصر الإتقان، الكفاءة والأمانة العلمية. فليس غريبا والأمر كذلك أن تتنافس الدول المتحضرة في إنشاء معاهد متعددة للترجمة ومؤسسات للإشراف والمتابعة وجوائز لتشجيع المترجمين وتحفيزهم. مما لا شك فيه أن الترجمة رغم ضروراتها الحتمية وأهميتها الكبرى، هي في الأساس عملية صعبة ومعقدة، يستوجب لتحقيق أهدافها إمكانيات مادية وبشرية هائلة، قد لا تتمكن معاهد الترجمة أو المؤسسات الجامعية لوحدها من بلوغ أدواتها وتحمّل كاهلها، ذلك أن حركة الترجمة في حد ذاتها لا تقتصر كما قد يتوهم البعض على عمليات نقل فحسب من لغة إلى أخرى في مجال واحد أو مجالين من الأدب أو العلوم، ولكنها تقتضي في الأساس إضافة متجددة وإثراءً واسعا للمعرفة المعاصرة، مع الأخذ بعين الاعتبار التباين في عمليات الترجمة العلمية والأدبية، باعتبار أن الأولى تهدف إلى توخي الموضوعية والصرامة العلمية، في حين تسعى الترجمة الأدبية إلى تحقيق إبداع يتماهى مع إبداع النص المُترجم منه، وبالتالي لا يكفي هنا إتقان اللغات أو التمكن من نظريات الترجمة وتقنياتها فقط، الأمر يتعلق في الأساس بضرورة توفر الموهبة الأدبية المُلِمة بقضايا الشعر أو السرد حسب الحالة، اطلاعا وكتابة، بمعنى نقل نص أدبي بوصفه نصا أصليا وليس نصا مترجما. من هنا فإن تواجد العديد من معاهد الترجمة على الصعيد الجامعي أو إنشاء المعهد العالي العربي للترجمة في بلدنا، لا يكفي وحده لتحقيق التواصل العلمي والمعرفي الذي نتطلع إلى إنجازه من وراء حركة الترجمة، كما أن المجهودات الفردية لكُتاب ومبدعين على أهميتها لا تكفي هي أيضا. الحلول تكمن أساسا في مبادرات واسعة تطلقها الدولة في إطار إستراتيجية واضحة المعالم، تهدف إلى دعم حركة الترجمة والتأسيس لها، وتتمثل خاصة في تشجيع المبادرات الفردية والجماعية، إنشاء مجلس أعلى للترجمة مع ضرورة وضع كافة الإمكانيات المادية والبشرية تحت تصرفه، شأنه في ذلك شأن المجالس العليا الأخرى، تشجيع دور النشر المهتمة بالعملية، تنظيم مسابقات أحسن عمل مُترجم في المجالين العلمي والأدبي. من نافلة القول التأكيد أننا نعاني من تخلف فظيع كوطن عربي في ميدان الترجمة في جميع مجالاتها، وحسبنا في ذلك الإحصائيات التي تصنف للأسف الدول العربية في ذيل الترتيب، إذ وفقا لتقرير التنمية البشرية حول الترجمة أن "اليابان مثلا تُترجم 30 مليون صفحة سنويا، في حين أن ما يُترجم سنويا في العالم العربي هو حوالي خُمس ما يُترجم في اليابان، علما أن ما تُرجم إلى العربية منذ عصر المأمون إلى العصر الحالي 10.000 كتاب، أي ما يعادل ما ترجمته إسبانيا في سنة واحدة. ففي النصف الأول من ثمانينات القرن العشرين، كان متوسط الكُتب المترجمة إلى اللغة العربية أقل من كِتاب لكل مليون عربي في السنة مقابل 13 كتابًا لكل مليون في دول المجر و184 كتابًا لكل مليون في إسبانيا". بعض الدول العربية لاسيما دول الخليج تفطنت ربما لمكانة وأهمية الترجمة والدور الذي تضطلع به في التنمية البشرية، وهكذا أطلقت في السنوات الأخيرة مبادرات رائدة تستحق التنويه، فيما أطلق عليه "إحياء حركة الترجمة في العالم العربي"، فمشروع "كلمة" للترجمة في الإمارات العربية المتحدة مثلا يعد واحدا من أهم المشروعات الفاعلة في ميدان الترجمة، حيث قام بترجمة 700 عنوان في مجالات مختلفة عن لغات يفوق عددها 13 لغة، ساهم في سد النقص الذي تعانيه المكتبة العربية، وأثراها بأمهات الكتب، كما تميزت عناوينه بمواصفات الكِتاب كمنتج ثقافي رفيع المستوى، لا يقل جودة واتقانا عن الأصل المنقول عنه. لا شك أن الجزائر تملك طاقات بشرية هائلة في مجال الترجمة يشهد لها بالكفاءة والتميز، لكنها طاقات للأسف تشتغل عشوائيا وبشكل غير منظم، ستبقى غير مستغلة، ما لم تضطلع الدولة الجزائرية بالدور المنوط بها في التأسيس لمنجز ثقافي على أعلى مستوى، وبشكل يسمح لهكذا طاقات أن تقدم مساهمتها الفعالة في ترقية حركة الترجمة ببلادنا.

محمد عاطف بريكي/ شاعر ومترجم
يجب رسم استراتيجية لخلق المترجم بحد ذاته كقيمة
حال الترجمة في الجزائر من حال المشهد الثقافي عموما والأدبي خصوصا المتميز بالفوضى، اللهم بعض النشاطات الأدبية التي تفرزها التظاهرات المناسباتية السنوية، أو بعض الإصدارات الجديدة في الرواية والشعر التي تبعث على شيء من الارتياح، إلا أن واقع الترجمة الأدبية يبقى يراوح مكانه كأن القدر سطر له نكبة أبدية برغم المساعي والمحاولات من بعض الأقلام على قلتها وحركية بعض المؤسسات التي لا ترقى إلى المستوى المطلوب مقارنة بما يعيشه العالم من مخاض يومي بسبب العولمة التي شرّعت نافذتها على المستتر والظاهر، وإذا كان حال الترجمة عندنا لا يبرح قاعة الإنعاش يتمنطق الخلل جليا في المشهد الأدبي ككل، على أساس أن فعل الترجمة يعد أحد الركائز الأساسية في العملية الأدبية ككل التي تتموضع بدورها في صيرورة الإطلاع والبحث والاكتشاف الذي يجب أن يكون من سمات المثقف والأديب ضمن حلقة واسعة في حياة الكاتب الذي يسمو إلى آفاق تزيد إبداعه تألقا وعالمية، خاصة بما تتيحه الوسائط التكنولوجية المتعددة التي جعلت ما يُنشر لتوه يُقرأ لتوه، وأصبحت المعرفة فضاءً مفتوحًا على الكل بدون استثناء وبفضل الموقع الجغرافي للجزائر التي تربط الشمال بالجنوب والشرق بالغرب من المفروض أن تكون هناك جسور للتواصل عن طريق الترجمة، ترجمة النحن وترجمة الآخر، إلا أن هناك خلل مسرطن في عملية الترجمة كفعل إبداعي تم تهميشه على حساب اعتبارات أخرى قيّضت لها أسباب واهية من بينها في رأيي خمول المثقف وثانيها صعوبة الترجمة كفعل إبداعي نقلي حتى وإن كان خمول المثقف مقدور عليه ومفهوم على الأقل من ناحية المقابل المالي المناسب الذي يرفع الضيم على المترجم الساعي عن طريق فعل آلي المتمثل في الترجمة لكسب بعض الدنانير ترفع عنه الخمول والكسل لتقديم نص مترجم يصطدم فيه للأسف بفعل الترجمة كممارسة مسئولة وخطيرة تستدعي منه أكثر من تحويل اللغة إلى لغة أخرى أو السعي لقبض مقابل مالي فالترجمة هي الدراية الكاملة بمعاني الكلمات، فلا يجب أن تكون حرفية، بل يجب أن تتعدّى الكلمات إلى معانيها، فالمترجم هو سائق المعاني وفي نفس الوقت لا يمكن أن يتعدى النص الأصلي الذي كُلّف بترجمته. وفي عوض الحديث عن إقامة مؤسسات ومعاهد أظن أنه يجب رسم إستراتيجية لخلق المترجم بحد ذاته كقيمة. إذ لا يكفي إنشاء مؤسسات ومعاهد خاصة بالترجمة والحال فقير من الإنسان المُحرك الأساسي للفعل المرجو والمبتغى المأمول. فالمترجم أصبح عملة نادرة فمن الضروري بمكان العناية بالترجمة كسلوك إبداعي متكامل ضمن نسق عام يبدأ من المراحل التعليمية الأولى لليافعين والشباب في شكل أبجديات ضمن مادة دراسية من المقرر الدراسي السنوي، فالترجمة الأدبية تحتاج إلى أكثر من قاموس وترجمة بل ما تتطلبه أيضا هو سعة الإطلاع ولغة لا تنضب وخيال جامح وجرأة عالية في فتح مكامن الآخر ودخول أماكن قد لا تطأها أقدامنا لكن إذا كان المخيال خصبا فتلك النقطة المفصلية في بروز نصوص جيدة مترجمة من مختلف النصوص الأجنبية. أما بخصوص ما يُترجم من حين لآخر من نصوص ودواوين وروايات تبقى له قيمة على قلته على الأقل لتبقى الجذوة متقدة عسى أن يأتي يوم تلتهب فيه وتمنحنا نصوص دافئة.

ميلود حكيم/ شاعر ومترجم
الكثير من الترجمات المتداولة تحمل تشويهات وإساءات للنصوص الأصلية
بالنسبة لواقع الترجمة في الجزائر الذي تقترحينه للنقاش، يبدو أن مقاربته ما زالت ملتبسة بما يبقى غائبا عن الساحة الثقافية من تناولات جادة لمسألة الإبداع والكتابة والممارسة الفكرية والثقافية عموما، ذلك لأننا لم ننجح كنخب في تكوين تراكم يسمح لنا ببناء مشهد مؤثر في بلدنا وفي البلدان الأخرى. أما عن الترجمة في الجزائر فحركتها بطيئة، وتكاد تكون جهدا استثنائيا من أناس يؤمنون بفكرة القسمة الضرورية، وتبادل المعرفة والإبداع، وهم في الغالب مبدعون يستمتعون بنصوص فيحبون إيصالها لغيرهم كي تعم هذه المتعة وتنتشر بعدواها الرائعة، ولذلك تبقى هذه الترجمة مرهونة بأذواق وتصورات ومرجعيات هؤلاء المترجمين. وما لم تتحول الترجمة إلى مشروع تبنيه مؤسسات وتدافع عنه وتضع استراتيجيات له، فإنه لن يحدث الأثر المرجو، لأن تغطية كل المجالات والميادين لا يمكن أن يقوم به أفراد، هنا يمكن أن نتساءل مثلما فعلتِ عن دور المعهد العالي العربي للترجمة الذي لا نجد له حضورا فاعلا في الميدان، ودور معاهد الترجمة والآداب في جامعاتنا، ودور مخابر ومراكز البحث، التي لم تقدم ما يكفي في هذا المجال. مع ذلك يبقى أن القليل الذي تُرجم هنا في الجزائر بأقلام جزائرية يتطلب مراجعة ونقدا لأن الكثير من الترجمات المتداولة في السوق تحتاج إلى نقد وتعديل، بل إن بعضها يحمل الكثير من التشويهات والإساءات للنصوص الأصلية، مما يتطلب التفكير في وضع لجان مختصة في الترجمة على مستوى دور النشر، وجعل الترجمات تخضع لعمل مراجعين جادين كما هو معمول به في دور النشر المحترمة، المسألة الأخرى التي تلفت الانتباه تتمثل في ضرورة تثمين العمل الكبير الذي قام به مترجمون جادون مثل الراحل أبو العيد دودو أو أوائل كُتابنا الذين ترجموا أعمال الأدب الجزائري كالجيلالي خلاص ومرزاق بقطاش وعبد الحميد بورايو أو الذين ما يزالون يبذلون ما يستطيعون بمغامرتهم الفردية في الترجمة كمحمد بوطغان وفيصل الأحمر والسعيد بوطاجين وأمين الزاوي وعمار مهيبل ومحمد شوقي الزين وغيرهم، والذين لا يجدون أحيانا حتى دور نشر لطبع كتبهم، من هنا يجب التفكير بجدية في توجيه العمل أولا لدفع مؤسسات الدولة كالجامعة ومراكز البحث إلى التكوين الجدي في الترجمة وإلى الاهتمام بتدريس لغات العالم المختلفة، وتحفيز الطلبة والمترجمين إلى الانخراط في مشروع كبير واضح المعالم، وتشجيع دور النشر على الاهتمام بهذا المجال من خلال صناديق دعم تخص الترجمة، ومن خلال المرصد الوطني للكِتاب.
أعتقد في الختام أن الترجمة ظاهرة حضارية تُشكل في تاريخ الأمم الحية معبرا ضروريا للمساهمة في تاريخ البشرية، وبدونه لا يمكن لشعب من الشعوب أن يضيف لنفسه ولغيره شيئا إذا لم يجعل من القسمة المعرفية شعاره الأول.

 

أضف تعليق

الاسم (الزامي)
البريد الالكتروني(الزامي)