الجمعة 5 ديسمبر 2025 الموافق لـ 14 جمادى الثانية 1447
Accueil Top Pub

المُتوحّد

adjrasse 

سليم بوفنداسة
إذا انشغل عنك بائعٌ أو صيدليٌّ أو موظّفٌ في هيئة خدمة عموميّة أو طبيبٌ في عيادته بالهاتف، فلا تنزعج أو تعتبر الأمر تقليلًا من الاحترام، لأنّهم، بكلّ بساطة، يرحّبون بك في عصرٍ آخر، قد تكون تأخرت في دخوله أو دخلته من دون أن تدري، وفي جميع الحالات فإنّك في الواقع، حتى وإن كان "واقعًا مُفرطًا" على حدّ تعبير المرحوم بودريار!
فلكلّ عصر "إتيكيته" و من غير اللّائق تنزيلُ قيّمٍ من عصرٍ مضى وانقضى على عصرنا السّعيد، فهل كنت ستنزعجُ قبل ثلاثين سنة، مثلًا، لو انشغل عنك بائعٌ أو صيدليٌّ أو طبيبٌ أو موظّفٌ بقراءة كتابٍ، أم كنت ستعتبر الأمر مصدر فخرٍ واعتزازٍ، لأنّ "خادمك" يتثقّف؟
إذًا، لا ضرورة للغضب الآن، واخلع نعليك إنّك على خشبة مسرحٍ تُستبدل فيه الحياة نفسها بمشاهد تمثيليّة، فإذا كان قارئ الكتاب المُنشغل عنك يستطيبُ الأفكار، فإنّ المنشغلَ في الهاتف يتلذّذ بصريًا، أي يتغذّى على الصوّر المتلاحقة على هاتفهِ، وفق تبويب شياطين الخوارزميات الذي يسرقُ الإنسيّ من نفسه ومن ذويه ويحوّله إلى زبونٍ في سوقٍ كونيّة مفتوحة.
فمثلمَا أخذت الصّورة مكانة الفكرة، وباتت "تُقنعُ من دون نقاش" كما أقرّ رولان بارت، فإن المحتوى البصريّ الذي يُطارد الإنسان في عصرنا قد يُغنيه عن السّمع والكلام، مع مرور الوقت ويُعيده إلى مرحلة ما قبل اللّغة المنطوقة والمكتوبة، فلا تغضب إن تمّ الجواب على سؤالك بإيماءةٍ أو أيقونةٍ تعدُّ بلاغةً في العُرف الالكتروني.
هذا الوضع يُدركه القائمون على إخبار النّاس بما يجري، لذلك غيّروا طرق الإخبار، حيث صارت الصوّر والومضات بديلا للتّقارير وصار استدراج العين بديلاً لمخاطبة الأذن، لذلك يجري تصميمُ الخطاب البصري الذي يستهدف المتلقي الجديد الذي يستهلك من دون جهد أو تكلفة، وهكذا تُروى الحروب والكوارث وقضايا السيّاسة والاقتصاد، على مُشاهدٍ لم يعُد عزيزًا على مخاطبه الذي يعرف من البداية أنّه يصطاد المشاهدين ولا يُخاطبهم.
وهكذا يصعدُ الساسة لقيادة العالم، في عصرنا، كلمات قليلة وصوّر تكفي وتعفي من عناء الأفكار، في إقناع النّاخب "المُترند".
لقد نبّه فلاسفة ما بعد الحداثة إلى خطر "تسطيح" فكر مستهلك الميديا الحديثة وقد أعفته من التفكير والتساؤل، أما اليوم فإن المتغذي على "الريلز" و الومضات يواجه ما هو أعمق من التّسطيح.

المزيد من الأعمدة

سيّدة النّبع

كانت امرأةً غير عاديّةٍ في مجتمعٍ يخشى النّساء غير العاديات، ولم تكن في حاجة إلى التحصّن...

  • 01 ديسمبر 2025
أسرارُ الموتى الحميمة

تطرحُ مسألة الشهادات التاريخيّة التي تُلقى في المنصات الإلكترونيّة بين مُحاوَرين مرحين ينشدون...

  • 24 نوفمبر 2025
الأرقام والقيمة

سليم بوفنداسةيُحيلُ الإقبال على الصالون الدولي للكتاب إلى مؤشرات إيجابيّة يمكنُ البناء عليها في...

  • 18 نوفمبر 2025
المُتوحّد

  سليم بوفنداسةإذا انشغل عنك بائعٌ أو صيدليٌّ أو موظّفٌ في هيئة خدمة عموميّة أو طبيبٌ في عيادته...

  • 11 نوفمبر 2025
مِيمْ

  سليم بوفنداسةاعتذرت دار"ميم" للقراء الذين تعوّدوا على حضورها في معرض الجزائر الدولي للكتاب، تمامًا كما اعتذرت...

  • 04 نوفمبر 2025
يا.. حمزة!

عُد الآن فقد نضجَ الصّمتُ، والعشاء الذي تركتَ على النار احترق. عُد فقد هدأت المذبحة وشرعَ...

  • 20 أكتوير 2025
عن « الأخلاقيّات »!

يشكّل الاحترام الطوعيّ للقوانين عمومًا والأخلاقيّات النّاظمة للمِهن علامة نضج تبلغه المجتمعات،...

  • 13 أكتوير 2025
فضيلة التدوين

ينتمي أحمد طالب الإبراهيمي إلى فئة قليلة في النّخبة السياسية الجزائرية، لم تهمل واجب "التّدوين"،...

  • 06 أكتوير 2025
عـقــــد

من حقّ المُبدع والفنّان أن يستفيد من عائدات إبداعه وفق القوانين والقواعد المُتعارف عليها عالميًا،...

  • 29 سبتمبر 2025
بوصلــــة

باتت وسائطُ التّواصل الاجتماعي توجّه خطابات نُخبٍ تتغذى على الشّائع والرّائج، في قلبٍ للأدوار، حيث أعفى...

  • 18 أوت 2025
لصوصُ الفرح

يعبّر التقدير الاجتماعي للمتفوّقين في الامتحانات عن مظهر صحيّ، قد يكون حافزًا للنّاجحين في مواصلة...

  • 28 جويلية 2025
مائدةٌ في الجنّة

حين يتمنى طفلٌ الموتَ، لأنّه لا يجد ما يأكل بعد نفاد أوراق الأشجار وأعلاف الحيوانات، فإنّ ذلك يعني أنّ...

  • 21 جويلية 2025
لا يصدأ !

تعبّر النّخب "الحقيقيّة" عن عبقريّة أممها وتتحوّل إلى رصيدٍ رمزي ووسيطٍ في الحوار مع الشعوب...

  • 14 جويلية 2025
سحت

يحاولُ حملةُ أقلامٍ يكتبون في الصّحافة الفرنسيّة الزج بالجزائر في محاور مُستهدفة، بل ويجتهدون في...

  • 30 جوان 2025
لُقــــاح

سليم بوفنداسةتحوّل تغليفُ الباطل برداء الحقّ إلى صِناعة مضمونة الرّواج، بسبب فوضى فكريّة ناجمة عن...

  • 24 جوان 2025
حربٌ تُخفي أخرى

  سليم بوفنداسةتُخفي الحربُ الدائرة حربًا مُضمرة، قد تُسمى باسمها خارج الدوائر الرسميّة والأدبيّات السياسيّة...

  • 17 جوان 2025
بروتوكول فانون

يُعيد الخطاب النيوكولونيالي الذي تُنتجه النّخب الغربيّة، هذه الأيام، فرانز فانون إلى واجهة...

  • 09 جوان 2025
لا تلعب معهم!

تدفعُ "نوايا حسنة" بعض الأكاديميين الجزائريين للمشاركة في برامج سجاليّة في قنوات عربيّة وأجنبيّة...

  • 12 ماي 2025
حقدٌ مُزمن

تُظهر فئة من الكتّاب الفرنسيين حقدًا أسودَ على الجزائر، لخّصه الكاتب جون بول انتوفان بالقول إنّه...

  • 28 أفريل 2025
حرجُُ المُنافح

حاولت فرنسا في حملتها المتواصلة على الجزائر تجنيد كتّاب جزائريين تحت عناوين حريّة الإبداع والدفاع...

  • 21 أفريل 2025
Articles Side Pub-new
Articles Bottom Pub
جريدة النصر الإلكترونية

تأسست جريدة "النصر" في 27 نوفمبر 1908م ، وأممت في 18 سبتمبر 1963م. 
عربت جزئيا في 5 يوليو 1971م (صفحتان)، ثم تعربت كليًا في 1 يناير 1972م. كانت النصر تمتلك مطبعة منذ 1928م حتى 1990م. أصبحت جريدة يومية توزع وتطبع في جميع أنحاء الوطن، من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب.

عن النصر  اتصل بنا 

 

اتصل بنا

المنطقة الصناعية "بالما" 24 فيفري 1956
قسنطينة - الجزائر
قسم التحرير
قسم الإشهار
(+213) (0) 31 60 70 78 (+213) (0) 31 60 70 82
(+213) (0) 31 60 70 77 (+213) (0) 6 60 37 60 00
annasr.journal@gmail.com pub@annasronline.com