سليم بوفنداسة
إذا انشغل عنك بائعٌ أو صيدليٌّ أو موظّفٌ في هيئة خدمة عموميّة أو طبيبٌ في عيادته بالهاتف، فلا تنزعج أو تعتبر الأمر تقليلًا من الاحترام، لأنّهم، بكلّ بساطة، يرحّبون بك في عصرٍ آخر، قد تكون تأخرت في دخوله أو دخلته من دون أن تدري، وفي جميع الحالات فإنّك في الواقع، حتى وإن كان "واقعًا مُفرطًا" على حدّ تعبير المرحوم بودريار!
فلكلّ عصر "إتيكيته" و من غير اللّائق تنزيلُ قيّمٍ من عصرٍ مضى وانقضى على عصرنا السّعيد، فهل كنت ستنزعجُ قبل ثلاثين سنة، مثلًا، لو انشغل عنك بائعٌ أو صيدليٌّ أو طبيبٌ أو موظّفٌ بقراءة كتابٍ، أم كنت ستعتبر الأمر مصدر فخرٍ واعتزازٍ، لأنّ "خادمك" يتثقّف؟
إذًا، لا ضرورة للغضب الآن، واخلع نعليك إنّك على خشبة مسرحٍ تُستبدل فيه الحياة نفسها بمشاهد تمثيليّة، فإذا كان قارئ الكتاب المُنشغل عنك يستطيبُ الأفكار، فإنّ المنشغلَ في الهاتف يتلذّذ بصريًا، أي يتغذّى على الصوّر المتلاحقة على هاتفهِ، وفق تبويب شياطين الخوارزميات الذي يسرقُ الإنسيّ من نفسه ومن ذويه ويحوّله إلى زبونٍ في سوقٍ كونيّة مفتوحة.
فمثلمَا أخذت الصّورة مكانة الفكرة، وباتت "تُقنعُ من دون نقاش" كما أقرّ رولان بارت، فإن المحتوى البصريّ الذي يُطارد الإنسان في عصرنا قد يُغنيه عن السّمع والكلام، مع مرور الوقت ويُعيده إلى مرحلة ما قبل اللّغة المنطوقة والمكتوبة، فلا تغضب إن تمّ الجواب على سؤالك بإيماءةٍ أو أيقونةٍ تعدُّ بلاغةً في العُرف الالكتروني.
هذا الوضع يُدركه القائمون على إخبار النّاس بما يجري، لذلك غيّروا طرق الإخبار، حيث صارت الصوّر والومضات بديلا للتّقارير وصار استدراج العين بديلاً لمخاطبة الأذن، لذلك يجري تصميمُ الخطاب البصري الذي يستهدف المتلقي الجديد الذي يستهلك من دون جهد أو تكلفة، وهكذا تُروى الحروب والكوارث وقضايا السيّاسة والاقتصاد، على مُشاهدٍ لم يعُد عزيزًا على مخاطبه الذي يعرف من البداية أنّه يصطاد المشاهدين ولا يُخاطبهم.
وهكذا يصعدُ الساسة لقيادة العالم، في عصرنا، كلمات قليلة وصوّر تكفي وتعفي من عناء الأفكار، في إقناع النّاخب "المُترند".
لقد نبّه فلاسفة ما بعد الحداثة إلى خطر "تسطيح" فكر مستهلك الميديا الحديثة وقد أعفته من التفكير والتساؤل، أما اليوم فإن المتغذي على "الريلز" و الومضات يواجه ما هو أعمق من التّسطيح.