
تطرحُ مسألة الشهادات التاريخيّة التي تُلقى في المنصات الإلكترونيّة بين مُحاوَرين مرحين ينشدون بطولة ما من خلال الشهادة ومُحاوِرين يفتقدون أدوات الحوار ويستهدفون الإثارة، مسائل أخلاقيّة تستوجب الانتباه والحذر، خُصوصًا حين يتعلّق الأمر بشخصيّات لم تعُد بيننا.
فالتأريخ ليس لعبة وليس نكتة تُلقى لإضحاك النّاس، ويفترضُ في المُشتغلين في المسائل التاريخيّة النزاهة، سواء تعلّق الأمر بالشهود أو بمحاوريهم، إن كان الهدف هو إضاءة مرحلة أو سيرة وليس إبراز الأنا المتضخمة للشاهد.
و من الشهادات الضعيفة والمشكوك في صحّتها تلك التي تتناول وقائع مات كلّ أطرافها باستثناء المتحدّث الذي تأخّر في كشف "الكنز" الذي أخفاه في صدره لأسباب تخصّه وفي مقدمتها افتقاده للشجاعة، حين تمسُّ شهادته شخصيّات قادرة على "إيذائه" أو تكذيبه!
فحين تكون صحافيا، على سبيل المثال، وتُتاح لك فرص اكتشاف أسرار خاصّة لأشخاصٍ أدخلوك بيوتهم أو حياتهم، عليك بوضع الخطوط الضروريّة بين المهنيّ والشخصيّ وبين ما ائتمنك عليه "صاحبُك" وما أراد إذاعته وفق ما تقتضيه مواثيق الشّرف المهني في جميع الأمصار، وحتى حين تقرّر الدوس على هذه المواثيق، فإن مؤشرات صدق ما تقدّمه تقتضي وجود وثائق عن الوقائع أو أحياء بين من تنقل أسرار مجالسهم للنّاس، امتثالا لقواعد المهنة المعروفة، ولا تشفع خِفّة الدم ولا خِفّة العقل لإلقاء حميميات موتى على الجمهور، من دون غرض مرتبط بإظهار حقيقةٍ أو توضيح التباسٍ، وقبل ذلك وبعده من دون سندٍ.
ويكفي أن نضرب مثلا هنا، بين شهادة "خفيفة" لزميل كبير عن عبد الحفيظ بوالصوف في "بودكاست" والعمل الجبار الذي قام به السيد دحو ولدقابلية في تقديم الشخصيّة نفسها في كتابٍ لا يسلّط الضوء على هذه الشخصيّة، فحسب، بل يقدّم شهادة مُدعمة بالوثائق حول كيفية تأسيس مخابرات الثورة والعمل الذي قامت به من دعم المعركة إلى مدّ المفاوضين في إيفيان بالمعلومات والتحاليل الضروريّة المساعدة على اتخاذ القرار، ففي الوقت الذي يقدّم الأول الرجل في صورة باهتة ويظهره أحيانًا كنمّام، يتأنى الثاني و "يكتب" ويوثّق ويكشف الوجه الخفيّ لأحد الآباء المؤسّسين للدولة الجزائرية بالمنهج والمستند الذي يجعل من شهادته عملا "تأريخيا" مُكتمل الأركان، والفرق واضحٌ هنا بين من يحمل واجب إظهار الحقيقة، وبين من يحاول إظهار ذاته ولو على حساب الحقيقة.
سليم بوفنداسة