
كانت امرأةً غير عاديّةٍ في مجتمعٍ يخشى النّساء غير العاديات، ولم تكن في حاجة إلى التحصّن بإيديولوجيا مضادة أو الاستعانة بأدبيات النّسوية، لأنّها ببساطة كانت تحمل أداة المقاومة في جيناتها: السُخريّة.
و يا له من سلاح، أن تُجرّد الأصنامَ من وقارها المُصطنع بكلماتٍ قليلةٍ، أي أن تستدعي الوصف الحقيقيّ في الوقت غير المُناسب، كي تُسقط الأقنعة. وكذلك فعلت في أدوارها وفي حياتها، لتعلّمنا أنّ الحياة يجبُ أن تُعاش على الوجه الصّحيح، كي نستحقّ أدوارنا.
لقد كانت تُشبه نفسها حيثما حلّت منذ سطعت مُشاغبةً في "الحريق"، إلى "نبع النساء" حيث تثور نساء قرية عزلاء على نظام ذكوري يستعبدهن، ويقرّرن قلب المعادلة التي وضعها الذّكرُ الذي يعتقد أنّه غالبٌ، بالإضراب عن الحب حتى يقوم الرجال بجلب الماء من النّبع بدل النساء!
وكما في كلّ القصص العظيمة، فإنّ الألم كان المُحرّك الأساس في حياة المرأة التي أضحكت النّاس، بداية من منعها من الاشتغال في الفنّ تحت ضغط المجتمع، مرورا بالرحيل الفاجع لشقيقة قايضت حياتها بالارتباط بموسيقي أحبّته، وبالظروف التي غرقت فيها البلاد وأصبح الفنّ فيها تهمةً جوابها القتل، حيث قرّرت الصّمود في العاصمة التي أحبّتها، ولم تغادرها إلا حين انقشعت سحابةُ الجنون، تمامًا، كما أصرّت على البقاء في الفنّ لتعوّض الخسارة الفادحة في شقيقتها فايزة المُطربة التي توارت عن الأنظار بعدما كانت تُلقّب بفيروز الجزائر.
و ظلّت وفيّة لعفويتها وصراحتها وصدقها حتى حين أدركتها الشهرة وراء البحر، ورأينا كيف كانت تسخر من نجوم البلاتوهات في التلفزيونات الفرنسيّة، ولم تفعل ما يفعلُه "بعضهم" اليوم وهم يلقون السّهام على بلدهم لإرضاء ورثة اليد الحمراء في طبعتها الجديدة والوقحة.
لقد كانت عصيّة على التدجين في جميع أحوالها، وربما كان أقربُ وصف لها كان ذاك الذي انتهى إليه رفيقها المخرج نذير مخناش بقوله إنها "تلعبُ خارج القواعد" حين لاحظ أنها يمكن أن تقوم بما لا يخطر ببال.
لم تكن "بيونة" امرأة أو فنّانة فحسب، بل حالة تمرّد أفرزتها الذات الجزائرية في صراعها بين التطلّع إلى الحريّة والكوابح والممهّلات في الطريق إلى ذلك.
سليم بوفنداسة