
خرج المهرّجُ المُعاصر من عباءة الأسلاف، وتجاوز دوره القديم في إضحاك الملك، إلى إضحاك الشعوب والأمم برعايةٍ كريمةٍ من التلفزيون و الميديا الجديدة التي أسرفت في صناعة المُهرّجين إلى درجة أن الجد صار يتيمًا أمام الهزل.
بل إنّ المهرّج اكتسب سلطة حقيقيّة بفضل مقياس الإعجاب وهو سلّم تقدير في زمننا السعيد يُترجم بعدد النّقرات أو المُشاهدات، في اقتراع جماهيري مُباشر يؤتي أكله في الحين، فأصبح هذا المقياس مُعتمدًا حتى في نشاطات نخبويّة كالسياسة، ويُغني عن أيّ برهانٍ ما تعرفه ديمقراطيات عريقة من صعود مهرّجين وتقدّمهم إلى الصّفوف الأمامية.
و ربما تعلّق الأمر بفسحةٍ تاريخيّة تخفّفت فيها البشريّة من الجِد واستسلمت إلى الكسل أو جنحت نحو التّرفيه، حتى وإن أحزن ذلك فئات قليلة صارمة تتغذى على أفكارٍ يابسة وتطمحُ لتعميمِ حِميتها!
و من فضائل المهرّجين، أنهم مكشوفون لا يبذلون أي جهدٍ في إخفاء نواياهم أو تغليفها كما يفعلُ الجادون، و أنهم مندفعون في تحقيق أهدافهم إلى حدّ التهوّر وقد استغلّوا امتياز التّسامح الذي يستفيد منه المهرّج دون سواه.
و اللافت أنّ هذه الفئة تقدّمت على عديد الجبهات، فهي تخرج من صناديق الانتخابات في الديمقراطيات، وتلعب الأدوار المُؤثرة في الحياة العامّة، وقد يكون من بين أفرادها، كما في حالةٍ تعنينا، سفراء "النوايا السيئة"، الذين قد يرتدون أسماء قديمة من نوع بوعلام وفرحات أو أسماء حديثة بعض الشيء من نوع كمال، ولا تأثير لهم، لكنّهم يعيشون على ردّ الفعل، فلن ينال منك المهرّج إلا حين ينجحُ في استفزازك، لذلك عُهد بمهام إلى السّفراء المذكورين بُغية تلمّس المواقع الهشّة في الذات المُستهدفة، وفق بروتوكولات الحروب الناعمة التي يخوضها أصدقاؤنا الذين يرفضون الشّفاء من حروبهم القديمة.
و أحسن أسلوب لمواجهة هذا النّوع من الاستفزاز هو التّجاهل و الضّحك، من جهة، والتعامل بجدّ مع الرسالة المُضمرة التي يحملها المهرّج بصفته وسيطًا سيئًا في شأنٍ يعني المُرسل بالدرجة الأولى، وبذلك نحرم "السفير" من مجدٍ يتسوّله، من خلال ردود فعلٍ على استفزازاته، كما يفعلُ كثيرٌ منا مع الأسماء المذكورة عرضًا.
سليم بوفنداسة