
تقدّم "وثائق إبستين" صورةً مُروّعة عن قابليّة النّخب للتداول في سوق المال، إلى درجة أنّ أحد "أنبياء" العصر كتشومسكي سيتحوّل إلى ناصحٍ غير شريف للملياردير المتحرّش بالقُصر يدلّه على الطّرق المثلى للإفلات من "فخّ الصّحافة"، وهكذا يتحوّل المجاهر بالحق في كلّ قضايا عصرنا الحزين، إلى مُدلّس ومتستّر ومُرشد لمغتصب الأطفال، وفي ذلك رسالة بليغة تقول لنا: لا تصدّقوا أحدًا بعد اليوم!
ويتحوّل صانع القرار في دول كبرى إلى تابع ذليل وطالب استشارة من المذكور أعلاه، كشأن رئيس يريد قيادة أوروبا ولا يتوقّف عن تقديم النصائح لبقية القارات، وهو يطلب دليل القائد الناجح من رجل الجزيرة.
وحتى وإن كانت وزارة العدل الأمريكية تتعمّد من خلال النّشر الانتقائي للوثائق إظهار نصف ما في الكأس، فإنّ النّصف الظاهر يكفي للبرهان على ضعف كلّ السّلطات أمام سلطة المال التي أسكتت الأصوات وعطّلت العدالة، في عالم تقدّم فيه مُنحرفون إلى مراكز قياديّة وأصبحوا يشكّلون خطرًا على الرّصيد المشترك للبشريّة والقيّم الإنسانيّة، من خلال إشاعة ثقافة القوّة والابتزاز، وتحويل الظّلم إلى نظام يتمتّع بقبول واسع وعدم اعتراض، وأخطر ما في الأمر ليس نجاح المُنحرفين ولكن القبول بهم كأمرٍ واقعٍ.
قد يدفع الإجهاد الإعلامي الناجم عن كثـرة الوثائق، النّقاش إلى قضايا عديدة يختلط فيها الجوهريّ بالهامشيّ ، لكنّه لن يفلح في إخفاء الفساد الذي يُدار به العالم والحقيقة البشعة للنّخب في غربٍ مصدّر للقيّم ومتقوقعٍ في مركزيّة مُتوحدة، وفي ذلك حافز على التمرّد والكفّ عن التماهي والخضوع، من دون الطعن في القيّم ذاتها، ما دامت تعكسُ المُشترك الإنساني.
ورغم الصّدمة التي تخلّفها هذه الفضيحة العالميّة، إلا أنها تدفعنا إلى النّظر في جانبها الإيجابي وفي الدروس التي تقدمها، وفحواها أنّ حجب الحقائق لا يدوم طويلا، وأن القوّة لا تحمي صاحبها إلى الأبد. وقبل ذلك وبعده فإنها تُحيل إلى وعي عالمي بدأت تكرسه اعترافات ضحايا في سلوك حميد قابل للتّعميم، من شأنه الكشف عن الوجوه الحقيقيّة للشياطين التي تضع أقنعة الملائكة، وتُسقط كلّ إبستين حيثما أتى.
سليم بوفنداسة