
لا يتأخّر أبدًا في تقديم النّصيحة مشفوعة بالبرهان على رجاحةٍ لا تسندها البلاغة فحسب، بل النتائج المجرّبة في مختبر الواقع. هو هكذا: مُتاح. متطوّع. خيّر بطبعه. على استعدادٍ دائمٍ للتضحيّة. يُمكّن الآخرين من منجم مادته الرماديّة من دون مُقابل. هو مثقّف بالضرورة وخبير بآليات الحروب النّاعمة وتكتيكات دبلوماسيّة العصر المتوحّش. خبرته معروضة على المؤسّسات و الجامعات ووزيرات الثقافة وصنّاع القرار، على مدار الساعة.
تكفي العودة إليه لتجاوز كل معضلٍ والنّجاح في تدبير السيّاسات و وضع البرامج و الاستراتيجيات. لا يتعب أبدًا من ملاحقة الحياة العامة بالتعليقات في جهد مستمر، مكرّسًا سرديّة هي هويّته المعلنة التي يتلقّفها أتباع لا يتردّدون في مبايعته بشكل ينتزع إعجابه المُعلن.
عيبه، إن جاز وصف ذلك بالعيبِ، أنّه لا يكفّ عن الإشارة إلى نفسه، فهو المرجع والمصدر، وكلّ توقعاته تحقّقت. صحيحٌ أنه متعفّف، وفق ما يؤكده في كل مرّة. لكن الإسراف في الكرم يفتح باب الريبة، مثلما تفتحه الشكوى المستمرّة من عدم تقدير «المرجع» أو عدم الاستعانة به!
يتعلّق الأمر، هنا، بنموذجٍ شائعٍ في الميديا الجديدة، يُلاحظ في مختلف الحقول، وحتى وإن كان انتشاره ترجمة للحرية في أخذ الكلمة التي أتاحتها شبكات التواصل الاجتماعي مع كلّ ما يعنيه ذلك من إيجابيات النّقاش والحوار، فإنه يُحيل أيضًا إلى أمراض العصر وهدر الطاقات، فضلًا عن حيّل في تدبير الأمور عبر استراتيجيات تواصل تقوم على التلويح بالجدارة توسلًا لعائدات، بشكل قد يمثّل اختراقًا للديونتولوجيات ويلحق ضررا بالصورة حين يتعلّق الأمر بمثقفين.
وضع هذا «النموذج» تحت أضواء التحليل النّفسي، سيكشف جملة من الاضطرابات في مقدمتها مشكلة ثقة في النّفس تجري معالجتها باختلاق تألّق جالبٍ للأمان، و رغبة خفيّة في السيطرة والتحكّم، و «متلازمة المنقذ» التي يمتلك صاحبها حصريّة الحقيقة وتفوقا يحجب مشكلة في تقدير الذات.
كلّ ذلك يستدعي الحذر في استقبال «خطاب النّاصح»، لأنّه قد يكون في نهاية المطاف تعبيرا عن مشقة يحتاج صاحبها إلى نصيحة.
سليم بوفنداسة