الخميس 12 مارس 2026

المُنقـذ

لا يتأخّر أبدًا في تقديم النّصيحة مشفوعة بالبرهان على رجاحةٍ لا تسندها البلاغة فحسب، بل النتائج المجرّبة في مختبر الواقع. هو هكذا: مُتاح. متطوّع. خيّر بطبعه. على استعدادٍ دائمٍ للتضحيّة. يُمكّن الآخرين من منجم مادته الرماديّة من دون مُقابل. هو مثقّف بالضرورة وخبير بآليات الحروب النّاعمة وتكتيكات دبلوماسيّة العصر المتوحّش. خبرته معروضة على المؤسّسات و الجامعات ووزيرات الثقافة وصنّاع القرار، على مدار الساعة.

تكفي العودة إليه لتجاوز كل معضلٍ والنّجاح في تدبير السيّاسات و وضع البرامج و الاستراتيجيات. لا يتعب أبدًا من ملاحقة الحياة العامة بالتعليقات في جهد مستمر، مكرّسًا سرديّة هي هويّته المعلنة التي يتلقّفها أتباع لا يتردّدون في مبايعته بشكل ينتزع إعجابه المُعلن.
عيبه، إن جاز وصف ذلك بالعيبِ، أنّه لا يكفّ عن الإشارة إلى نفسه، فهو المرجع والمصدر، وكلّ توقعاته تحقّقت. صحيحٌ أنه متعفّف، وفق ما يؤكده في كل مرّة. لكن الإسراف في الكرم يفتح باب الريبة، مثلما تفتحه الشكوى المستمرّة من عدم تقدير «المرجع» أو عدم الاستعانة به!
يتعلّق الأمر، هنا، بنموذجٍ شائعٍ في الميديا الجديدة، يُلاحظ في مختلف الحقول،  وحتى وإن كان انتشاره ترجمة للحرية في أخذ الكلمة التي أتاحتها شبكات التواصل الاجتماعي مع كلّ ما يعنيه ذلك من إيجابيات النّقاش والحوار، فإنه يُحيل أيضًا إلى أمراض العصر وهدر الطاقات، فضلًا عن حيّل في تدبير الأمور عبر استراتيجيات تواصل تقوم على التلويح بالجدارة توسلًا لعائدات، بشكل قد يمثّل اختراقًا للديونتولوجيات ويلحق ضررا بالصورة حين يتعلّق الأمر بمثقفين.
وضع هذا «النموذج» تحت أضواء التحليل النّفسي، سيكشف جملة من الاضطرابات في مقدمتها مشكلة ثقة في النّفس تجري معالجتها باختلاق تألّق جالبٍ للأمان، و رغبة خفيّة في السيطرة والتحكّم، و «متلازمة المنقذ» التي يمتلك صاحبها حصريّة الحقيقة وتفوقا يحجب مشكلة في تقدير الذات.
كلّ ذلك يستدعي الحذر في استقبال «خطاب النّاصح»، لأنّه قد يكون في نهاية المطاف تعبيرا عن مشقة يحتاج صاحبها إلى نصيحة.
سليم بوفنداسة

المزيد من الأعمدة

المُنقـذ

لا يتأخّر أبدًا في تقديم النّصيحة مشفوعة بالبرهان على رجاحةٍ لا تسندها البلاغة فحسب، بل النتائج...

  • 16 فبراير 2026
أقنعةٌ و وجوه

تقدّم "وثائق إبستين" صورةً مُروّعة عن قابليّة النّخب للتداول في سوق المال، إلى درجة أنّ أحد...

  • 09 فبراير 2026
المُهرّج

خرج المهرّجُ المُعاصر من عباءة الأسلاف، وتجاوز دوره القديم في إضحاك الملك، إلى إضحاك الشعوب والأمم برعايةٍ...

  • 15 ديسمبر 2025
سيّدة النّبع

كانت امرأةً غير عاديّةٍ في مجتمعٍ يخشى النّساء غير العاديات، ولم تكن في حاجة إلى التحصّن...

  • 01 ديسمبر 2025
أسرارُ الموتى الحميمة

تطرحُ مسألة الشهادات التاريخيّة التي تُلقى في المنصات الإلكترونيّة بين مُحاوَرين مرحين ينشدون...

  • 24 نوفمبر 2025
الأرقام والقيمة

سليم بوفنداسةيُحيلُ الإقبال على الصالون الدولي للكتاب إلى مؤشرات إيجابيّة يمكنُ البناء عليها في...

  • 18 نوفمبر 2025
المُتوحّد

  سليم بوفنداسةإذا انشغل عنك بائعٌ أو صيدليٌّ أو موظّفٌ في هيئة خدمة عموميّة أو طبيبٌ في عيادته...

  • 11 نوفمبر 2025
مِيمْ

  سليم بوفنداسةاعتذرت دار"ميم" للقراء الذين تعوّدوا على حضورها في معرض الجزائر الدولي للكتاب، تمامًا كما اعتذرت...

  • 04 نوفمبر 2025
يا.. حمزة!

عُد الآن فقد نضجَ الصّمتُ، والعشاء الذي تركتَ على النار احترق. عُد فقد هدأت المذبحة وشرعَ...

  • 20 أكتوير 2025
عن « الأخلاقيّات »!

يشكّل الاحترام الطوعيّ للقوانين عمومًا والأخلاقيّات النّاظمة للمِهن علامة نضج تبلغه المجتمعات،...

  • 13 أكتوير 2025
فضيلة التدوين

ينتمي أحمد طالب الإبراهيمي إلى فئة قليلة في النّخبة السياسية الجزائرية، لم تهمل واجب "التّدوين"،...

  • 06 أكتوير 2025
عـقــــد

من حقّ المُبدع والفنّان أن يستفيد من عائدات إبداعه وفق القوانين والقواعد المُتعارف عليها عالميًا،...

  • 29 سبتمبر 2025
بوصلــــة

باتت وسائطُ التّواصل الاجتماعي توجّه خطابات نُخبٍ تتغذى على الشّائع والرّائج، في قلبٍ للأدوار، حيث أعفى...

  • 18 أوت 2025
لصوصُ الفرح

يعبّر التقدير الاجتماعي للمتفوّقين في الامتحانات عن مظهر صحيّ، قد يكون حافزًا للنّاجحين في مواصلة...

  • 28 جويلية 2025
مائدةٌ في الجنّة

حين يتمنى طفلٌ الموتَ، لأنّه لا يجد ما يأكل بعد نفاد أوراق الأشجار وأعلاف الحيوانات، فإنّ ذلك يعني أنّ...

  • 21 جويلية 2025
لا يصدأ !

تعبّر النّخب "الحقيقيّة" عن عبقريّة أممها وتتحوّل إلى رصيدٍ رمزي ووسيطٍ في الحوار مع الشعوب...

  • 14 جويلية 2025
سحت

يحاولُ حملةُ أقلامٍ يكتبون في الصّحافة الفرنسيّة الزج بالجزائر في محاور مُستهدفة، بل ويجتهدون في...

  • 30 جوان 2025
لُقــــاح

سليم بوفنداسةتحوّل تغليفُ الباطل برداء الحقّ إلى صِناعة مضمونة الرّواج، بسبب فوضى فكريّة ناجمة عن...

  • 24 جوان 2025
حربٌ تُخفي أخرى

  سليم بوفنداسةتُخفي الحربُ الدائرة حربًا مُضمرة، قد تُسمى باسمها خارج الدوائر الرسميّة والأدبيّات السياسيّة...

  • 17 جوان 2025
بروتوكول فانون

يُعيد الخطاب النيوكولونيالي الذي تُنتجه النّخب الغربيّة، هذه الأيام، فرانز فانون إلى واجهة...

  • 09 جوان 2025
Articles Side Pub-new
Articles Bottom Pub
جريدة النصر الإلكترونية

تأسست جريدة "النصر" في 27 نوفمبر 1908م ، وأممت في 18 سبتمبر 1963م. 
عربت جزئيا في 5 يوليو 1971م (صفحتان)، ثم تعربت كليًا في 1 يناير 1972م. كانت النصر تمتلك مطبعة منذ 1928م حتى 1990م. أصبحت جريدة يومية توزع وتطبع في جميع أنحاء الوطن، من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب.

عن النصر  اتصل بنا 

 

اتصل بنا

المنطقة الصناعية "بالما" 24 فيفري 1956
قسنطينة - الجزائر
قسم التحرير
قسم الإشهار
(+213) (0) 31 60 70 78 (+213) (0) 31 60 70 82
(+213) (0) 31 60 70 77 (+213) (0) 6 60 37 60 00
annasr.journal@gmail.com pub@annasronline.com