
تزدهر حروبٌ صغيرة على هامش الحروب الحقيقيّة، بواسطة "مسيّرات الكترونيّة" قد تُصيب مواقع داخل الرأي العام المستهدف، ويتعلّق الأمر بإشاعات أو بأخبار "حصريّة" مجهولة المنشأ والنسب، قد تكون نخبةٌ من بين مُستهلكيها وقد يدوّرها "إعلاميون" عن حسن نيّة وقلّة حيلة أو عن مُعضلة مهنيّة.
وهكذا يتمّ تبني "خطاب الفريسة"، أي بتقديم الذات كهدف محتمل لأذى لا وجود له في الأصل، وترويج رسائل مُعادية يتسلّى أصحابُها بوضع الخصوم كأهداف في حربٍ لا دور لهم فيها ولا سلطة لهم على مجرياتها ولا حصاد من نصيبهم في مآلاتها.
مما لا شكّ فيه أنّ صوت العقل يخفت حين يرتفعُ غبارُ الحربِ ويتحوّل الجنون إلى قاعدة يتوجّب التكيّف معها، دفعًا للأذى ، وتختفي، في هكذا حالات، الأسئلةُ الجوهريّة عن مأزق الإنسانيّة وهي تهمل رصيدها الأخلاقي وتستسلم للنّزوات الوحشيّة في تدبير شؤونها، لكنّ ذلك لا يعفينا من الانتباه إلى الحروب الموازيّة التي تستهدف رؤوسنا سواء عبر الميديا الظاهرة أو الميديا الجديدة المُستترة، في الحالة الأولى عبر تقديم سرديات وتحاليل للحروب يتولاها إعلاميون و"خبراء" وحتى فلاسفة يلتقون جميعا في الافتتان بالقوّة ويحاولون تقديمها كسبيل وحيد لتغيير مجرى التاريخ. وفي الحالة الثانيّة عبر فضاءات التواصل الاجتماعي، حيث يجري إلقاء أخبار مضلّلة ومستفزّة أو مخيفة، وفي الحالتين فإنّنا أمام محاولات برمجة عصبيّة تستهدف "تأهيل" شعوبٍ للعب دور الضحيّة.
مخاطرُ الشّرب من هذا النّهر المسموم تزداد عند الافتقار إلى وسائل إعلام قويّة و منظومات اتصال ناجعة تبطل مفعول السموم في الوقت المناسب، أو عندما يقلّ منسوب المعرفة، ويتحوّل صحافيون وأكاديميون، إلى عرافين يستدعون مخاطر محتملة، تقتضي الحكمة الاستعداد لردّها وتجنبّها من دون صراخ.
سليم بوفنداسة