
تُنبّهنا استعادة أوغسطينوس بمناسبة زيارة البابا، إلى ضرورة الاهتمام بصفحاتٍ مُغفلة من تاريخنا، ليس للبرهان على عراقةٍ في زمن المُنازلات الالكترونيّة حيث يُنهب التاريخ وتُروّج سردياتٌ مغلوطة تحت سلطة التّكرار، ولكن لبناء ذاتٍ واعيّة ومُنفتحة على الاختلاف ومتحرّرة من القراءات الانتقائيّة التي تسجن الذات في هويّة مُغلقة، ولإبراز مساهمات أبناء هذه الأرض في الحضارة الإنسانيّة وقد جرت العادة أن تُفرد البطولة للمقاتلين عبر التاريخ الطويل، ولا يعني ذلك الانتقاص من دور المقاومين في إقليم ظلّ مطمعًا للغزاة، وبل وغصّة في حلوقهم إلى يوم الله هذا، بل لإظهار التاريخ في جميع جوانبه، لا سيّما الجانب الفكري والإبداعي الذي يحيل إلى عبقريّة الشعوب والأمم، ويتعلّق الأمر هنا برصيد ورأسمال رمزي، يجب التنقيب عنه بالدراسة والبحث ووضعه في متناول الأجيال التي تستهلك اليوم رواياتٍ مُضلّلة عن تاريخها، في حرب على الذّاكرة، في مقدمتها الروايات التّعيسة لآخر الغزاة، التي تعمل على ترسيخ سردية تبرّر الماضي الاستعماري الدموي في هذا البلد، ويمكن على ضوء ذلك فهم حالة الجنون التي أصابت نخبًا سياسيّة ووسائل إعلام فرنسيّة بمناسبة زيارة البابا إلى أرض معلّمه الأول، أوغسطين الأمازيغي الإفريقي.
لأنّ تسليط الضوء على هذه الحقبة سيسقط فيما يسقط الرسالة الحضاريّة للاستعمار المتأخّر، ومحاولات تأويل تاريخ المنطقة بما في ذلك السعي لنسب أوغسطين بالذات إلى روما وتجريده من هويته الأمازيغية الإفريقية.
إن استدعاء التاريخ البعيد ببشره و أثره، سيبيّن الأدوار التي لعبها الأسلاف على المسرح الكوني وإسهامهم المشهود في الحضارات والديانات المتعاقبة، وسيمنح نوعا من الغنى للذات وقد وضعها أمام مرآة عملاقة تقول لها إنّ تاريخك لم يبدأ قبل قليل، وإنك غير طارئة في عالم يفسده الطارئون بما يشيعونه من خراب وفوضى باسم الأديان والحضارات، وهي بريئة منهم.
كما أن التعامل بانتقائية مع التاريخ، حتى وإن خدم الرّواة في مراحل معيّنة، فإنّه يحرم الأمة من مشاربها المتعدّدة حتى وإن كان ذلك بدوافع التهيّب من اختلافٍ، هو في حقيقة الأمر مصدر قوّة وحصانة.
سليم بوفنداسة