الجمعة 14 جوان 2024 الموافق لـ 7 ذو الحجة 1445
Accueil Top Pub

المسرح الوسائطي.. خيار أم ضرورة؟

كثر الحديث في السنوات القليلة الأخيرة، عن المسرح الوسائطي، وعن إشكالاته وميزاته، فهل هو حقاً -كما يقول بعض المُشتغلين في حقله- شكلٌ مُتطوّر وضرورة فرضتها التقنية المعاصرة والثقافة الرقمية؟ وهل اِستفاد هذا المسرح من التقنيات الوسائطية والثورة المعلوماتية. وهل اِستثمر حقًا في ما تمنحه الوسائط التكنولوجية المعاصرة، ومن جهةٍ أخرى، هل اِنفتح على المتتبعين والمهتمين وسائطياً؟. وهل حقًا كما تقول الباحثة، الدكتورة صورية غجاتي: "المسرح الوسائطي أحدث تحوّلات طالت المُمارسة المسرحية". لكن المُلاحظ، أنّ هذا النوع من المسرح اِنتشر في الغرب وصار له رواده ومريدوه. لكن لم تتسع رقعته بعد في العالم العربي. فهل يمكن القول عكس هذا، وأنّ رقعته سائرة في الاِتساع، وأنّ المستقبل لهذا النوع من المسرح. وفي المقابل ما هي أهم وأكبر التحديات أمام المسرح الوسائطي/التفاعلي ليُؤسس جماليته الخاصة ويُوجّه الذائقة.

أعدت الملف: نوّارة لـحـرش

* الباحث والكاتب حمزة قريرة
المسرح التفاعلي ضرورة فرضتها التقنية
يقول الباحث والكاتب المسرحي، الدكتور حمزة قريرة، المختصّ في المسرح التفاعلي، إنه "اِنطلاقًا من الثورة الرقمية الهائلة التي شهدها العالم المُعاصر بعد دخول الحاسب الآلي مسرح الحياة وظهور الشبكة العنكبوتية التي طوت المسافات وغلّفت العلاقات بأنساق خاصة، ليظهر تأثيرها على مختلف جوانب الحياة الإنسانية التي اِستفادت من هذه التقنيات المتجدّدة، فاختصرت الزمن وغيّرت مفهوم الكثير من الأشياء والمعاملات بين النّاس، وعبر تغلغلها في الحياة على اِختلاف جوانبها من الاِجتماعية إلى السياسية والاِقتصادية تأتي المجالات الثقافية بكلّ روافدها لتأخذ من منهل هذه التقنيات الرقمية المعاصرة التي دُعّمت بالشبكة العنكبوتية العالمية لتجعل التواصل أسهل وتُمرّر الأفكار بطريقة أفضل".
مؤكداً، أنّه وعبر اِستقصاء الأشكال والأنساق الثّقافيّة التي اِستفادت من هذه الموجة نجد الكثير منها، اِنطلاقا من الشِّعر والرّواية والسينما والفنون التشكيلية وصولاً إلى المسرح الّذي يُعدُ نسقاً مُتميّزاً في حضوره قبل التقنيات الرقمية.
فهو -كما يُضيف- "أكثر الفنون الأدائية تعقيداً من حيثُ تداخل الأنماط على سطحه، ففي كنهه حكاية تُعرض بسرد وحوار، وقد تأخذ لغته بعض الجوانب الشِّعرية، وفي الوقت ذاته يتم تحويل نصه إلى فِعل حركي على الخشبة مِمَّا يجعله فنًا ناطقاً ومُتحركاً: (إنّه فنٌ حي)".
وواصل في ذات السياق موضحاً: "وعبر دخول عصر الرقمنة اِستثمره المسرح وحاول أن يُقدّم جديدهُ عبره بما عُرِف بالمسرح التفاعلي وهو اِصطلاحٌ قد يتداخل مع إحدى الأشكال المسرحية التفاعلية التي تشْركُ الجمهور في العرض (المسرح التحفيزي)، لكن يختلف عنه في أنّه يستخدم الوسائل والتقنيات الرقمية خصوصاً الشبكة العنكبوتية في نقل نصه وإثرائه، كما يطرح المسرح التفاعلي عِدة قضايا وإشكالات على مستوى بنائه وآليات قراءته".
وهنا يتساءل المتحدث قائلاً: "هل يملكُ -هذا المسرح- نصاً مكتوباً أم هو مجرّد تجريب يقوم به مبدعون مختلفون، وكيف يمكن اِستثمار الوسائط المُتعدّدة في إثراء نصه؟. ما هي البرامج الحاسوبية التي تمكّن كُتّاب هذا النمط من الكتابة والتفاعل وأيّها أنجع في عملية التأليف المشترك؟ وهل يكفي الحاسوب وما يحمل من تقنيات لعرض شامل لكلّ هذا الإبداع، وكيف يمكن للجمهور تلقي هذا النص والتفاعل معه؟ هل الجمهور العربي مُؤهل لتلقي مثل هذه النصوص؟ كذلك تُطرح مسألة هوية النص المسرحي وقد تفرّق دمه بين المبدعين. وغيرها من الأسئلة وما تعبّر عنه من إشكالات حيثُ تظل محل نقاش.
بعدها أضافَ مُجيباً على أسئلته: "إنّ المسرح التفاعلي أو المسرحية التفاعلية كجنس جديد اِستفاد من هذه التقنيات الوسائطية والثورة المعلوماتية ليقّدم ذاته في تخلّق مختلف ووفق آليات أكثر تعقيداً من مختلف الأجناس الأخرى، فهي جميعاً وسيطها التقليدي الورق لهذا لم تجد إشكالاً كبيراً في تحوّلها إلى الرقمية، لكن المسرحية في وجودها تعدُ نصاً وعرضاً وتفاعلاً مع الجمهور وهذه الخصائص صعّبت دخولها لعالم التفاعل الرقمي".
المُتحدث، يرى أيضاً من جهةٍ أخرى، أنّ المسرحية التفاعلية تقدّم ذاتها كنص وعرض عبر الوسيط الإلكتروني مُشركة كلّ المتلقين في بنائها وتوجيه شخوصها، وهو ما يطرح عِدة إشكالات في ذلك، على رأسها طبيعة البناء وكيفياته، وحدود التجريب في ذلك، وكيف يتم تكييف التقنية والبرمجيات لاِستيعاب هذا التعدّد، إضافةً لطبيعة المتلقين ومستوياتهم المختلفة في حال إشراكهم في العمل، وغيرها من القضايا.
ومستدركاً أضاف ببعض الاِستطراد: "لكن هذا كلّه يُصيبه التحوّل من جديد والتشظي الأكثر غرابة وتيهاً لما يدخل هذا العمل المضطرب في أساسه إلى العالم الرقمي وتكنولوجيا التواصل السريع، لتتحوّل المسرحية إلى التفاعل وتأخذ بعْداً ومفهوماً مغايراً لما كانت عليه، وتجدر الإشارة في هذا الموضع إلى تداخل كبير في مفهوم المسرحية التفاعلية بين بُعْدها الرقمي الّذي نقصده وبُعدها التفاعلي الواقعي كما في المسرح التحفيزي حيثُ يُشارك الجمهور في العرض بتفاعله المُباشر والحي مع المُمثلين وليس شرطاً أن تكون هناك خشبة ومقاعد، ويبدو أنّ الناقدة فاطمة البريكي قدّمت المسرح التفاعلي في بدايتها وفق الشكل التحفيزي، ثم بدأت الكلام عنه رقمياً في العناصر الأخرى بعد ربطها إياه بالتكنولوجيا والثورة المعلوماتية، ويتأكّد جنوحها في البداية إلى التفاعلي/التحفيزي. ولو حاولنا المقارنة بين الشكلين فإننا قطعًا سنقوم بالإشارة فقط للشكل التفاعلي التحفيزي الّذي يعد أحد مستويات التفاعل لكنّه غير المقصود، لهذا فتوجهنا أكثر للتفاعلي الرقمي".
إضافةً لما تقدّم -حسب رأي المُتحدث- "يمكن تتبع الكثير من الفوارق بين الشكلين المسرحيين لدرجة أنّنا نصل في بعض المستويات لاِعتبار المسرح التفاعلي/الرقمي جنس آخر يختلف عن المسرح بشكل نهائي وذلك لاِفتقاده لآنية المشهد والتفاعل الحقيقي الواقعي بين الممثلين والجمهور، كما يُناقض أهم مبادئ المسرح الكلاسيكي في وحداته الثلاثة، لكنّنا لن نُغالي في اِعتباره خارجاً عن المسرح بل هو شكلٌ مُتطوّر له، وضرورة فرضتها التقنية المعاصرة والثقافة الرقمية التي تختصر الزمن والمسافة، فما كان للمسرح إلاّ الأخذ بها ليرتقي ويصل إلى كلّ الشرائح مُحقّقاً أهم أهدافه في التوعية والتعليم والترفيه، كما يعد في شكله الجديد وسيلة اِستقصاء مهمة لتوجهات الجماهير من خلال تعليقاتهم ومشاركاتهم في العمل، كما يقرّب المسافة أكثر بين المبدع والمُتلقي الّذي تحوّل بدوره إلى مُبدع من درجة ما".
وخلص إلى القول: "بهذا فالتحديات كبيرة أمام المسرح التفاعلي ليُؤسس جماليته الخاصة ويُوجّه الذائقة إلى تتبّعه بالشكل المطلوب لمرافقة هذا التحوّل الجديد، الّذي يبني نفسه بالتكنولوجيا والأدب معاً، من أجل تطوير هذا الفن/المسرحية، الّذي لا يزدهر في عمومه كما يقول صبري حافظ في كتابه (التجريب والمسرح): (إلاّ من خلال التجريب الدائم والمغامرة المستمرة مع الجديد)".

* الباحثة الأكاديمية صورية غجاتي
ثورة سينوغرافية أخرجت المسرح من عباءة النص
ترى الكاتبة والباحثة الأكاديمية المُختصّة في المسرح التفاعلي، الدكتورة صورية غجاتي، أنّ الحديث عن المسرح الوسائطي هو حديثٌ عن التحوّلات التي طالت المُمارسة المسرحية العالمية والعربية باِنتقالها من شِعرية النصّ إلى شِعرية الصّورة، ومن ثمّ تقويضها لمنظومة الدراما التقليدية بكلّ مفاهيمها ومقولاتها التي يُمكن اِختزالها في سيادة النصّ وثنائية "الهُنا" و"الآن"، وهو ما ولّد -حسب قولها- جدلاً في أوساط المشتغلين في المسرح الذين اِنقسموا بين مؤيد ومعارض، أو بين مُنتصرٍ للفرجة الوسائطية ومنتصرٍ للفرجة الحية، حيثُ يذهب (فيليب أوسلاندر-Philip Auslander) إلى الاِعتقاد بأنّهما مترابطان لا متباعدان من حيثُ أنّ الفُرجة "الحيّة" قابلة للتوثيق والحفظ في وسيطٍ آخر.
أمّا (بيكي فيلان) -كما تُضيف المُتحدثة- فقد اِعتبرت أنّ الفُرجة الحية المباشرة زائلة وغير قابلة للحفظ والتوثيق في وسيطٍ آخر، ذلك أنّ خاصية الزوال هي الشرط الجوهري لوجودها ومن ثمّ فإنّ أيّ محاولةٍ لتوثيقها في وسيطٍ آخر، تُفرغها من محتواها وتجعل منها شيئاً مختلفاً. بالنظر إلى أنّ منظورنا لها -حسب رأيها- سيكون مُقيداً بزاوية نظر الكاميرا التي سجّلتها.
صاحبة "مُنمنمات مسرحية"، أردفت: " الألمانية (إريكا فيشر لشته)، تتحدث في السياق نفسه، عن خاصية (الحلقة المُرتدة لتبادل الأثر) التي تجعل عملية التواصل في الفرجة الحية عملية لولبية يتبادل فيها المُرسل والمستقبل الأدوار فيما بينهما، فيتحوّل المُستقبِل إلى مُرسل والمُرسل إلى مستقبِل".
وفي ذات المعطى، أضافت بنوع من الاِستطراد: "إنّ المسرح الوسائطي في مواجهة مقولة (تلوّث المسرح): يقودنا الموقف الثاني وهو الموقف المنتصر للفرجة الحية المباشرة، إلى ما أسماه (أنطونيو بيتزو) بـ(تلوّث المسرح) مستنداً إلى فرضية (نقاء) المسرح، ومن ثمّ تلوّثه بفعلِ تأثيرات العالم الرقمي ووسائطه وهو ما يدفعنا إلى طرح التساؤلات الآتية: -هل كان المسرحُ فيما مضى فنّاً خالصاً؟ وهل يُشكّل البُعد الرقمي والوسائطي في المسرح خطراً على وجوده، وتهديداً بزواله، موتِه، ونهايته، أو نهاية الفنّ عموماً؟. وإذا كنا قد تجاوزنا في الدرس النقدي المسرحي هاجس (التأصيل) وما اِقترن به من معاني: (الأصيل) و(الدخيل) و(الهجين)، أفلا يعني ذلك تجاوزَنا لفكرة (النقيّ) و(الخالص) وثنائية (الفني/التقني) لصالح فكرة (التناسج) في ظلّ عالمية الفنّ من جهة وعالمية الوسائط الإلكترونية من جهة أخرى؟".
أيضاً إذا كانت الخلفية التي أطّرت/وتُؤطر التحوّلات السياسيّة العربية -كما تُشير المُتحدثة- وما نتج وينتجُ عنها من تحوّلات سوسيو-ثقافية، خلفيةً إلكترونية وسائطية وليست خلفية تقليدية، فكيف يمكن إنكار تأثيرها على عالم الفن عامةً والمسرح بخاصة؟
إنّ المسرح الوسائطي -حسب رأيها- مثلما له من الإشكالات الكثير له أيضاً من المنجزات الكثير.
وهنا تُضيف قائلة: "لقد تمكّن المسرح الوسائطي من تحقيق دراماتورجيا بصرية مُغايرة على عِدة مستويات أبرزها مستويا الأداء والسينوغرافيا: فعلى مستوى الأداء، أزيحَ المُمثل عن مركزيته بوصفه عنصراً محورياً في الشِّعرية الكلاسيكية، وتحوّل إلى أداة كباقي الأدوات والأجهزة ذات البُعد السمعي البصري، فظهر أسلوب المُضاعفة عن طريق الجمع بين الأداء الحي المباشر للمُمثل، والأداء عبر وسيط، ومثال ذلك عروض (روبرت لوباج/Robert Lepage) التي جمّع فيها شاشات متعدّدة، تُبثّ فيها صور مسجّلة قبلاً وأخرى مباشرةً للمُمثل نفسه".
وعلى مستوى الفضاء السينوغرافي، تواصل: "لم يعُد الفضاءُ منظوراً، مادياً، ملموساً، ثابتاً في الزمن، بل تحوّل إلى (فضاء اِفتراضي/Cyberspace) من حيثُ هو معمارٌ مائع، مجرّد، متحرّك في الزمن، (معمار سائل/Liquide Architecture) نُحسّ به ولا نلمسه، كما هو الحال في الفضاء ثلاثي الأبعاد 3D، وكلّ فضاء متخيّل منفتح على المستقبل".
وخَلُصت إلى القول: "على العموم فقد أحدث المسرح الوسائطي ثورةً سينوغرافية أخرجت المسرح من عباءة (النصّ) وسُلطته وتقاليده، وجعلته يُحلّق في سماء دراماتورجيا بصرية، أثبتت أنّ المسرح هو الفنّ الأكثر عبورية من بين باقي الفنون، الفن الأكثر مرونة واستيعاباً لباقي الفنون والتقنيات. ورغم أنّ البُعد الوسائطي في المسرح قد أثار الكثير من الإشكالات في التلقي، غير أنّ السعي لتغيير الخبرة الجمالية كفيلٌ بتجاوزها".

* الناقد والكاتب المسرحي علاوة كوسة
الوسائط وسعت رقعة المسرح لكنها أفقدته حميميته
يعتقد، الروائي والكاتب المسرحي، علاوة كوسة، أنّ كثيرا من الفنون والآداب والثقافات راهنت على التكنولوجيات الحديثة واستثمرت في ممنوحاتها التي تزيد هذه الفنون والآداب اِنتشاراً وتطوراً. وحسب قوله دائماً: "لقد منحت الوسائط التكنولوجية المعاصرة مساحات فنية قرائية شاسعة للمُتلقي، وفتحت بوابات كثيرة بين المبدعين والقُـرّاء، ليس فقط من حيث اِطلاع طرف على منتج الطرف الآخر، وإنّما من حيث تشارك الطرفين في صياغة المنتج الأدبي أو الفني، بصيغ تفاعلية عديدة، منحتها الوسائطية المعاصرة، التي لها الكثير من المزايا على إنتاج المادة وانتشارها والتفاعل بين أطرافها المنتجة، ويُعد المسرح أحد هذه الفنون المعاصرة التي اِنفتحت على المتتبعين والمهتمين وسائطياً، واستثمرت في ما تمنحه الوسائط التكنولوجية المعاصرة".
فتحقَّقَ -حسب ذات المتحدث- التفاعل بهذا الاِنفتاح، ولم يعد النص المسرحي ثابتاً في صيغته وبالصورة الأولى التي خططه بها كاتب هذا النص، وإنّما صارت النصوص المسرحية تأخذ صيغاً مُتعدّدة، ولم يعد الناص وحده من يتحكم في بنيات النص المسرحي، وإنّما صار للمُتلقي الاِفتراضي التفاعلي عبر الوسائط دورٌ في صياغة وبناء هذه النصوص. وذلك من خلال ما يمنحه الناص الأصلي من خيارات، واحتمالات اِختيار للقُرّاء التفاعليين.
وهذا ما من شأنه -يضيف المتحدث- "أن يفتح مساحات دلالية وقرائية كبيرة، ولا يقوض معاني النص الواحد ويجعله حكراً على منتجه، كما اِمتدت سلطة الوسائطية في المسرح لتمس جوانب العرض المسرحية أيضاً وذلك من خلال اِنفتاح الشركاء الفنيين في إنتاج النص المسرحي على الوسائط المعاصرة مع المتلقين والمتابعين والجمهور الاِفتراضي أيضاً، عبر قنوات مختلفة وعبر مسايرة ومتابعة -عن كثب- للجمهور المسرحي لكافة مراحل إنتاج النص المسرحي وتحويله مسرحاً على الركح، ومشاركته في تغيير بعض الأحداث أو طريقة عرضها كما يمكن للجمهور أيضا وعن بُعد المساهمة في مشاهد العرض وإبداء رأيه في كلّ الجوانب الفنية للعرض، كإبداء رأيه في السينوغرافيا والتراكيب الموسيقية وفي كلّ تفاصيل الركح".
و أضاف مؤكداً: "وهذا ما يجعل المخرج على لقاء أولي بجمهور اِفتراضي قبل الجمهور الواقعي بدور المسرح، وهو ما يُمكنُنا من القول: إنّ المسرح صارت تتـنازعه أطراف اِفتراضية وأخرى واقعية بصيغ تفاعلية مختلفة، وإذا كان رهان المسرحيين كُتّابًا وممثلين ومخرجين وشركاء فنيين في مجال المسرح رهانًا كبيراً لما يمنحه من اِنتشار وسرعة في التفاعل، فإنّ للوسائطية بعض السلبيات أيضا لأنّها تسير بأبي الفنون نحو الاِفتراضية والعوالم العنكبوتية بصورة مدهشة قد تحرمنا وهج المسرح الواقعي والركح الأصيل والجمهور الواقعي".
وهو الجمهور -كما خلص في الأخير- الّذي يحب أن يمتلئ متعة بين مدرجات المسارح بطقوسها وتقاليدها التي عمرت آلاف الأعوام، ما دامت المسارح الاِفتراضية قد تجعل المشاهدين رهيني البيوت والأنامل الأنترناتية بعيداً عن حميمية المسرح الّذي عرفناه، وهذا ما لمسناه في قراءات ودراسات وأبحاث بعض المتخصصين في المسرح التفاعلي ومنهم الدكتور حمزة قريرة والدكتورة صورية غجاتي.

* الكاتبة والباحثة فائزة خمقاني
مـن المبكــــــر الحديــــث عـن مســـرح رقمــــي عربيًــــــا
تقول الباحثة والكاتبة فائزة خمقاني: "عبر مختلف مراحل التطوّر التي مرّ بها المسرح العالمي والعربي ظلّ التفاعل قائماً بين النص والعرض وكلّ منهما يدعم الآخر فنيًا، وعبر ظهور الرقمية ودخول المسرح في عالم الاِفتراض بدأت القضايا تُطرح من زوايا ووجهات مختلفة اِزدادت تشعّباً وتداخلاً اِنطلاقاً من المستوى النصي إلى الأداء فلم يعد المسرح، كما ورد في (المعجم المسرحي) لماري إلياس وحنان قصاب حسن، مجرّد (شكل من أشكال الكتابة، يقوم مع عرض المُتخيّل عبر الكلمة) ليُصبح أكثر تمازجاً مع الفنون الأخرى والوسائط المُتعدّدة".
مُؤكدةً في ذات السياق: "إنّ المسرحية التفاعلية ظهرت بكلّ حمولتها الثّقافيّة والتقنية وفرضت نمطاً جديداً في البناء الفني وتبعته طرائق مختلفة في التلقي مِمَّا فرض جماليات مختلفة تقوم على التعدّد والاِختلاف، فلم تعد الأزمة أزمة نص وتحوّله إلى العرض بل أصبحت أزمة بناء ومقوّمات جديدة مختلفة من حيث مادة البناء وطرائق العرض، ومن ثمّة الاِختلاف في التلقي والتفاعل والتوالد، فهي بذلك نص مفتوح وبلا حدود ولا ضوابط تقيّد اِنتشاره كما أنّها تمنح المُتلقي إحساس الملكية للنص، فلم يعد مجرّد مستهلك".
ثم أردفت: "هنا تسقط الملكية المطلقة لصاحب النص، فقد أصبح النص ملكاً جماعياً ومُشاعاً بين المتلقين، كما لا تعترف بالبدايات والنهايات فهي نص مفتوح وعابر للزمن ومتعدّد الخيارات القرائية، وهي بذلك كما تقول فاطمة البريكي في كتابها (مدخل إلى الأدب التفاعلي): (نمط جديد من الكتابة الأدبية، يتجاوز الفهم التقليدي لفعل الإبداع الأدبي الّذي يتمحوّر حول المبدع الواحد، إذ يشترك في تقديمه عدّة كُتّاب، كما قد يدعى المتلقي/المستخدم أيضا للمشاركة فيه، وهو مثال للعمل الجماعي المنتج، الّذي يتخطى حدود الفردية وينفتح على الآفاق الجماعية الرحبة)".وعبر هذه المغامرة -حسب الدكتورة خمقاني- يجد المسرح الرقمي ذاته أمام تنوّع بنائي وتعدّد قرائي ولا يمكن أن يستقر على شكل لكونه دائم البناء ومتعدّد المناحي والوسائط، أمّا عن مكوّناته فبعضها مرتبط بالجانب النصي المكتوب باِعتباره نواة للمسرحية الرقمية وهو موجّه في الأساس للتلقي الرقمي وللتعالق مع وسائط أخرى من طبيعة مختلفة.
لهذا يكون المكوّن الثاني -تُضيف المتحدثة- هو العلامات غير اللغوية وتعدّد الوسائط كالألوان والموسيقى والحركة وغيرها من العلامات التي تدعم الجانب اللغوي في تقديم دلالات مختلفة للمسرحية وهي مختلفة عن العلامات غير اللغوية في المسرحية المعروضة لكونها في هذا المقام ذات طبيعة رقمية، كما تمنح المُتلقي إمكانات التعديل والتحوير في متنها.وهنا يدخل -حسب قولها- الجانب البرمجي كمكوّن ثالث للمسرح الرقمي فتتم عملية البناء وتفريع النص عبر برمجيات خاصة تُمكّن المتلقي من الدخول من بوابات كثيرة للنص كما يمكنه تعديل مسارات النص وفق ما يراه مناسباً.ثم أردفت: "هنا مكمن التفاعل في المسرح الرقمي فالمُتلقي يؤدي دوراً مهماً يصل إلى دور صاحب النواة في تطوير النص ودفعه إلى وجهات مختلفة ليستمر في التوالد والإنتاج غير المنتهي، وهنا يبرز المكوّن الرابع والضلع الأهم في المسرح الرقمي وهو المتلقي بكلّ حمولته الثّقافيّة ومرجعياته المختلفة، وتعمل المسرحية الرقمية على جمع المتلقين على اِختلافهم وصهر آفاق توقعاتهم وجمع مرجعياتهم وهو ما يجعل منها وسطاً مُهماً للتعدّد الثّقافي والاِنفتاح على الآخر". أما بالنسبة للإنتاج في هذا المجال –ترى المتحدثة- أننا نجده في الغرب قد خطا خطوات كبيرة نحو التعدّد والاِختلاف بناءً وتلقيًا منذ التجارب الأولى على يد شارلز ديمر-Charles Deemer الّذي يعد رائد المسرح التفاعلي العالمي منذ 1985 حيثُ قدّم أولى مسرحياته "Château de mort"، ولو أنّها قريبة من الشكل التحفيزي لكونها واقعية، وقد تعدّدت التجارب بعده مقدّمة الجديد على مستوى البناء الرقمي الخالص والتفاعل بنسقه الإيجابي.أمّا عربيًا فمازال الوقت مبكراً -تؤكد المتحدثة- عن الكلام عن مسرح رقمي ولو بنسقه السلبي لعدة أسباب على رأسها الأمية الرقمية سواء من طرف المبدعين أو المتلقين، وعدم تعوّد الجمهور على هذا النمط من العرض المسرحي، فالجمالية القرائية لم تتطوّر لتُواكب هذا النمط من الإنتاج المسرحي الّذي يعتمد على التعدّد والاِختلاف والتنوّع الوسائطي، إضافة لعدم وجود مؤسسات خاصة أو تابعة للدولة كي تتبنى الفكر والفلسفة الرقمية في تحويل النص المسرحي إلى العالم الافتراضي.كما يبرز -حسب المتحدثة- تخوّف رجال المسرح أنفسهم من طغيان الرقمنة على النص مِمَّا يهدّد الفرجة ويُفقد المسرح بريقه وتفاعله الواقعي مع الجمهور الحقيقي، لتقف هذه العقبات أمام نص يحمل بذور التفاعل في داخله، ويحاول الدخول إلى العالم الاِفتراضي بكلّ السُبل، ولو بشكل إعادة تصوير مشاهده وعرضها من جديد كأبسط أشكال النسق السلبي في العرض والتلقي.ولكن رغم ذلك و-حسب رأي المتحدثة- تحاول بعض التجارب المنفردة خصوصاً على المستوى الأكاديمي/الجامعي تقديم بعض النصوص التجريبية وطرحها في الشبكة كي تكون نواة أولى نحو مسرح عربي رقمي يحمل مختلف المقوّمات الرقمية والتفاعلية من بناء وجمالية وتلق خاص.

آخر الأخبار

Articles Side Pub
Articles Bottom Pub
جريدة النصر الإلكترونية

تأسست جريدة "النصر" في 27 نوفمبر 1908م ، وأممت في 18 سبتمبر 1963م. 
عربت جزئيا في 5 يوليو 1971م (صفحتان)، ثم تعربت كليًا في 1 يناير 1972م. كانت النصر تمتلك مطبعة منذ 1928م حتى 1990م. أصبحت جريدة يومية توزع وتطبع في جميع أنحاء الوطن، من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب.

عن النصر  اتصل بنا 

 

اتصل بنا

المنطقة الصناعية "بالما" 24 فيفري 1956
قسنطينة - الجزائر
قسم التحرير
قسم الإشهار
(+213) (0) 31 60 70 78 (+213) (0) 31 60 70 82
(+213) (0) 31 60 70 77 (+213) (0) 6 60 37 60 00
annasr.journal@gmail.com pub@annasronline.com