الثلاثاء 16 جويلية 2024 الموافق لـ 9 محرم 1446
Accueil Top Pub

في الإطناب الوصفي

مقال: إريك إيمانويل شميت/ ترجمة: د. ياسين سليماني
أيوجد ما هو ألذُّ من صفةٍ مختارةٍ بعناية؟ إن مهارة الكاتب تتجلى غالبا من خلال نجاحه في هذه العملية الدقيقة. ومع ذلك فإنّ كلّ تقنية لها فخاخها، وتضرّ الصفات بالنصوص إمّا لأنّها عادية، أو غير ضرورية، أو محرجة، أو كثيرة جدا. يقول بول كلوديل أنّ «الخوف من الصفة هو بداية الأسلوب» ومن الواضح أنّ بعض الصفات مثل «رائع»، «عظيم»، أو «مذهل» تبقى سطحية بحيث لا تعبر عن شيء سوى كسل الكاتب الذي يهمل في منح العمقِ لما هو بصدد سرده. بعض الصفات تبدو زائدة لأنها تتعلق بالتكرار مثل «موجة حر شديدة» أو «كانت الليلة مظلمة، قاتمة، لا يمكن اختراقها» حتى لو كان التكرار في بعض الأحيان يعتبر تأثيرا أسلوبيا مثل ما نجد في أمثولة لافونتين عن الغراب والثعلب: «الغراب، خجلا ومرتبكا». هناك صفات أخرى تكشف عن عجلة الكاتب الذي لم يتأنَّ في البحث عن المصطلح الدقيق مثل استخدام «سيارة مكشوفة» لوصف الـ»كابريوليه»، و»مطر خفيف ناعم» لوصف «رذاذ».
لكن الإسراف في الصفات يفسد الجملة، وكان فيكتور هيغو يتذمر قائلا: «الصفةُ شحمُ الأسلوب». يؤدي الإفراط في استخدام الصفات إلى ما أسميه «الإطناب الوصفي» وهو مرض أدبي. لنأخذ مثالا: «رغم أنها لم تكن العاشرة بعد، كان الموظفون المستعجلون يصلون كتيّار مستمرٍّ تحت البوابة الكبرى المهيبة لوزارة البحرية، قادمين من زوايا مختلفة من باريس، لأنّ يوم رأس السنة الشهير كان يقترب، وهي فترة قصيرة من الحماس المفرط والترقيات السريعة». يؤدي تكاثر الصفات إلى جانب الرتابة التركيبية والصوتية التي ينتجها إلى تشتيت المشهد وحجب الرؤية الواضحة. فضّل موباسان في قصته القصيرة «الإرث» أن يكتب: «رغم أنها لم تكن العاشرة بعد، كان الموظفون يصلون كتيار تحت البوابة الكبرى لوزارة البحرية قادمين بسرعة من كل زوايا باريس، لأن يوم رأس السنة كان يقترب، وهي فترة من الحماس والترقيات». تتيح هذه الصياغة للجملة أن تتسم بالقوة وترسم صورة واضحة.
عندما يكون الوصف مهما فإنّ هناك وسيلة لأن يبقى الكاتب دقيقا ومترسّخا في الواقع دون اللجوء إلى الصفات وحسب وهي استخدام الصفات التصريفية مثل «مفرّغ» بدلا من «فارغ»، «متحرّر» بدلا من «حر»، «مملوء» بدلا من «مليء». ما الفائدة؟ هذه المصطلحات توحي بعملية أو فعل بدلا من حالة، إنها تضفي ديناميكية على الوصف لأنها تمثل عالما في حركة وليس عالما ثابتا. مثلما قالت كوليت: «كانت تقرأ بوجه متصلب بجانب فنجان من الشوكولاتة المبرّدة». كلمة «المبرّدة» refroidi تحكي شيئا آخر غير «البارد» froid ،فهي تضيف أنّ هذه المرأة مستغرقة في قراءتها إلى حد نسيان شرب الشوكولاتة. وكذلك جان جينيه: «إنه غناء رجل مشنوق متصلّب كعصا» لو قال «صلب كعصا» لكان مجرد كليشيه أمّا «متصلب» فإنه يصوّر العذاب الرهيب.
كان إميل زولا الذي ظلّ حريصا على تصوير الواقع بكلّ تفاصيله يعرف بمهارة كيفية مزج الصفات التصريفية مع الصفات الوصفية. في رواية «بطن باريس» يصف لنا بضائع سوق السمك بحيوية: «سمك القاروص المستدير، يفتح فمه الكبير، يوحي بروح كبيرة جدا تخرج من حنجرته في دهشة العذاب. ومن كل الجوانب كانت أسماك البلوق إما رمادية أو شقراء تتكاثر والأسماك الرقيقة المتصلّبة كانت تشبه قصاصات من القصدير». بالطبع، تؤدي هذه الطريقة إلى الإفراط وهو ما يسمى بـ»الكتابة الفنية»، التي تشتهر بالتفرّد والغموض، هكذا يجرؤ الأخوان غونكور على استخدام عبارة «هذا السحر، المنعش للجباه» غير الموفقة. ومع ذلك، لتحقيق العدل، فهما أحيانا يحصلان على تأثيرات دقيقة من خلال تحريك الصفات: «غنية بملايين عديدة، المرأة القوية والغريبة (...)».
نصيحتي: انتبه إلى ملاءمة وعدد الصفات في كتابتك، ومع ذلك، لا توجد قاعدة أخرى يمكن أن تسيطر على الكتابة غير ذوقك الخاص. إذا كنت ترغب في جملة نحيفة أزل أكبر قدر ممكن من الصفات. إذا كنت تهدف إلى نثر غني يمكنك أن تزيد منها. كل شيء يعتمد على المحتوى، تصرف مثل مصمم أزياء المسرح: الشخصية الاستعراضية يجب أن تكون مغطاة بالمجوهرات في حين أن الشخصية الأنيقة تكتفي بكنزة بسيطة.
عن مجلة Lire، رقم 530، جوان 2024

آخر الأخبار

Articles Side Pub
Articles Bottom Pub
جريدة النصر الإلكترونية

تأسست جريدة "النصر" في 27 نوفمبر 1908م ، وأممت في 18 سبتمبر 1963م. 
عربت جزئيا في 5 يوليو 1971م (صفحتان)، ثم تعربت كليًا في 1 يناير 1972م. كانت النصر تمتلك مطبعة منذ 1928م حتى 1990م. أصبحت جريدة يومية توزع وتطبع في جميع أنحاء الوطن، من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب.

عن النصر  اتصل بنا 

 

اتصل بنا

المنطقة الصناعية "بالما" 24 فيفري 1956
قسنطينة - الجزائر
قسم التحرير
قسم الإشهار
(+213) (0) 31 60 70 78 (+213) (0) 31 60 70 82
(+213) (0) 31 60 70 77 (+213) (0) 6 60 37 60 00
annasr.journal@gmail.com pub@annasronline.com