الثلاثاء 16 جويلية 2024 الموافق لـ 9 محرم 1446
Accueil Top Pub

عــــلاء الدّيــــن في مســـــرح الكرمليـــــن

مَن منّا لم يسمع عن علاء الدين ذي المصباح السّحريّ، الذي طالما أطلَّ علينا في قصص الأطفال، وأفلام هوليود، ومسلسلات الكرتون؟ في هذه القراءة السّريعة، سأتناول هذه الشخصيّة من خلال حضورها الجزئيّ في عرض باليه "ألف ليلة وليلة" الذي احتضنه مسرحُ الكرملين، وقُدِّم أيضا في مسارح عالميّة كثيرة. يبدأ هذا الجزءُ بمجموعة من الخدم من الجنسيْن، يحمل الذكورُ منهم أطباقا متخمةً بما لذّ وطاب من الطعام والفواكه، بينما ترقص الإناثُ بجذلٍ وقد حملت كلُّ واحدةٍ منهنّ وشاحا ملوّنا. ويلفت انتباهَنا شابٌّ يافعٌ، هو "علاء الدين"، توحي ثيابُه المهمَلة بأنّه غيرُ منتمٍ إلى هذه المجموعة، وتنمّ حركاتُه المتلصّصة ومحاولتُه استغفالَ الحضور، لاقتناص شيءٍ ممّا يحملون، بأنّه مجردُ لصٍّ صغيرٍ، يحاول الاسترزاق.

بهاء بن نوار

ويضعنا هذا المدخل الوجيزُ أمام تناقضٍ حادٍّ في تكوين وهوية "علاء الدين" الذي لم يكن لصّا في نصِّ "غالان"، بل كان مجرد غلامٍ مدلّلٍ، كسولٍ، وهو ما يحيلنا إلى صورتيْن: الصورة المرجعيّة، التي لم يزد فيها على أن يبدو ذاتا سلبيّةً، شديدة التطفّل، ومع ذلك تحصل على جميع الرغائب لمجرد قدَرٍ سعيدٍ مسطورٍ باسمها قبل مولدها، وجهدٍ قليلٍ تبذله بعد ذلك، والصورة المنتَسَخة، التي كرّسها هذا العرضُ، وفيها يبدو ذاتا إيجابيّةً، رافضةً فكرة التفاوت الطبقيّ، فتحاول تغيير الوضع ولو بسرقاتٍ صغيرةٍ لا تضرّ أحدا، ولكنّها تعيد شيئا من التوازن الاجتماعيّ المفتقَد.
وبعد هذا المقطع التمهيديّ، يبدو لنا موكبٌ ملَكيٌّ صغيرٌ، يمرّ بخفّةٍ، فنستنتج أنّه موكب الأميرة "بدر البدور" ويتزامن مرورُه مع ظهورٍ شخصٍ غريبٍ، يرتدي ثيابا سوداء، يسير بتمهّلٍ، وتوحي حركاتُه بأنّه يبحث عن شخصٍ ما، فنستنتج أنّه "الساحر الأفريقيّ" وقد جاء يبحث عن علاء الدين، ليسخّره في البحث عن المصباح العجيب. ولا يكاد يختفي من أمام أعيننا، حتّى يعود من جديدٍ موكبُ الأميرة، ويتوقّف قريبا من واجهة المسرح، حيث تتغيّر الإضاءة إلى اللون الأزرق الحالم، وترقّ الموسيقى، ولا يلبث الجنودُ أن يُغطوا أوجهَهم بدروعهم، وينحني الخدمُ راكعين، ممّا يذكرنا بما جاء في المرجع الأدبيّ من ذكرٍ لارتفاع صوت المنادي، داعيا إلى إغلاق جميع الدكاكين، وحظر التجوّل في الشوارع، لأنّ الأميرة ستمضي مع جواريها إلى الحمّام. وهو ما تمّ اختزالُه هنا، فلم تكن الفسحة المتاحة كافيةً لإضافة تفصيل الحمّام، الذي سيختفي علاء الدين خلف بابه لتتسنّى له رؤية وجه الأميرة، بل كانت إشاحة الحاضرين بأنظارهم، وخفوت الإضاءة كافييْن للإيحاء بحالة الحظر تلك، التي سيخرقها كما نتوقّع تماما علاء الدين، ولن يكتفي باستراق النظر، بل سيقترب من الأميرة، وسيشرعان معا في رقصة ثنائيّة(Pas de deux) إيذانا ببدء قصة حبّهما. غير أنّهما في غمرة انسجامهما، يُفاجآن بقيّم الحرس، يكشف أمرهما، فيعيدها هي بسرعةٍ ويحكم إسدالَ الحجاب فوقها، ويشرع هو والجنودُ في مطاردة علاء الدين، الذي يسعفه الساحرُ، الذي يظهر فجأةً، ويخبّئه أسفل ثيابه، مضلّلا الطالبين، وما أن يختفوا حتّى تعتم الإضاءة إيماءً إلى تغيّر الزمن، وحلول الظلام، وإشارةً إلى تغيّر المكان أيضا، وخروجهما – علاء الدين والساحر – خارج المدينة، حيث يحتدّ الصراعُ بينهما، ويتمكن الساحرُ ببراعته وألاعيبه من ترويض علاء الدين، وهذا عكس ما جاء في المصدر الأدبيّ من قيام علاقتهما على كثيرٍ من المحبة، والتآلف والولاء؛ محبة العمّ لابن أخيه الراحل، وولاء هذا الأخير له وهو الذي سيغدو أبا ومعيلا سخيّا.
يسيطر الساحر إذن على علاء الدين، فلا يكون منه سوى إطاعته، والقفز داخل بئرٍ عميقةٍ تظهر فجأةً أمامنا، حيث يغيب في جوفها، وتحتدّ الموسيقى كثيرا، مستجلبةً شعورا ثقيلا جدّا من القلق، يُعدّ خيرَ معادِلٍ لما حواه المرجع الأدبيّ من وصف مخاطر المكان، ولا تكاد تمرّ بضع لحظاتٍ، حتّى يخرج، حاملا في يده مصباحا، هو طبعا المصباحُ السحريّ، ولكنْ بحجمٍ ضخمٍ، وهنا يشتبكان مجدّدا، ويتمكّن علاء الدين من فرك المصباح، فيحضر الجنيُّ فورا، ممثّلا بصورة وجهٍ ضخمٍ ومخيف، يمتدّ على كامل المسرح، وينعكس عن طريق تقنية "العرض الضوئيّ"Projection" فيختفي الساحر حينها، ولا يلبث أن يغطي فوهة البئر ضبابٌ كثيفٌ يوحي بكثيرٍ من الغموض، ويقفز من خلاله مخلوقٌ ضئيلٌ غريبُ الهيئة، على رأسه قرنان أحمران، فنستنتج أنّه الجنيُّ، وبعد رقصة خفيفةٍ مشتركةٍ بينه وبين علاء الدين، وموحيةٍ بكثيرٍ من التآلف بينهما، يعود الضبابُ أعلى البئر، وينجلي عن بدر البدور نائمةً، وما أن يقترب منها عاشقُها حتّى تفيق، ويشرعان معا في رقصةٍ ثنائيّة، تأتي ختاما لهذه الحكاية.
وهنا أسجِّل نقاطَ اختلافٍ شديدةٍ مع المرجع الأدبيّ، أختصرها فيما يأتي:
- حذف بعض الشخصيّات المحوريّة:
ونلحظ هنا حذف شخصيّة والدة علاء الدين، التي كانت ذات دورٍ سرديٍّ مفصليٍّ؛ فعن طريق عكوفها على امتهان غزل القطن وشكواها من كسل ابنها، بدت لنا بجلاءٍ سلبيّة هذا الأخير، وعن طريقها أيضا، يُكتشَف سرُّ المصباح، حيث أنّها بدافع تنظيفه، فركته قليلا، فاندفع الجنيُّ خارجا، كما كان لزيارتها اليوميّة لقصر السلطان، ووقوفها مع الواقفين طوال النهار دون أن تجرؤ على طرح حاجتها: طلب يد الأميرة لابنها، دورٌ كبيرٌ في إعلاء جرعة الترقّب، التي هي عماد حكايات الليالي، إلى جانب حذف "جنيّ الخاتم" الذي قدّمه الساحرُ لعلاء الدين، وكان له دورٌ سحريٌّ ثانويٌّ، يتضافر مع مصدر السحر المفصليّ: جنيّ المصباح، حيث كان له دورٌ إنقاذيٌّ، بفضله تمكّن علاء الدين من الخروج من محبسه المظلم، ولقاء أمّه مجدّدا،وبفضله تمكن من اللحاق بالساحر إلى أفريقيا، وتخليص عروسه من مكره، واستعادة المصباح، فنجا بذلك من نقمة السلطان وغضبه.
كما نلحظ أيضا حذف شخصيّة السلطان؛ والد بدر البدور، الذي كان في الحكاية مثالا للجشع، وهو الذي ارتضى تزويجَ ابنته لمجهولٍ لا يعرف عنه شيئا سوى أنّه ليِّنُ المعيشة، فاحشُ الثراء، ومثله حُذفت شخصيّة الوزير، الذي سيكون له دور المعارض لزواج المحبّيْن، وشخصيّة ابنه، الذي سيتزوّج الأميرة زواجا ناقصا، سرعان ما سيبطل، بتدخّلٍ من جنيّ المصباح، الذي سيختطفه أكثر من مرّةٍ قبل أن تتاح له فرصة الاختلاء بعروسه.
وكذلك ستُحذَف شخصيّة أخي الساحر الأصغر، الذي سيحضر لغاية الانتقام لمقتل أخيه، متنكّرا في هيئة عجوزٍ زاهدة، تُدعى: "فاطمة" وتكون نهايتُه اللحاقُ به.
- اختزال بعض الأحداث، والاقتصاد في الوصف:
رغم أنّ مقطع هذه الحكاية لا يجاوز إحدى عشرة دقيقةً من زمن العرض، فإنّ مرجعه الأدبيّ يمتدّ على مئة وثماني عشرة صفحةً، ويزخر بأحداثٍ طويلةٍ،، كان لا بدّ من حذفها أو اختزالها، فمثلا: تمّ اختصارُ خطورة مكان الكنز بموسيقى حادّةٍ منقبضة، وبعرضٍ ضوئيٍّ، يوحي بمنظر عاصفةٍ صحراويّةٍ، وتمّ الإيماءُ إلى العناء الفادح الذي سيتكبّده علاء الدين بتلك الحركة الصعبة التي سيؤدّيها لحظة توهّج هذا الجحيم واشتعاله؛ حركة "الدوران"(Tournant) التي يرتكز فيها الجسمُ كلُّه ويدورُ على ساقٍ واحدةٍ، فيما تشكّل الساقُ الثانية بالتوازي معها زاويةً قائمة.
وغُيِّر مكان الكنز من قبوٍ عميقٍ إلى بئرٍ، لسهولة تمثّل ما يحتويه هذا الرمزُ المكانيّ الجديد من عمقٍ وخطورةٍ. ومثلها لا نجد تفاصيلَ ما أعدّه الجنيُّ من ولائمَ دسمةٍ على صحونٍ ذهبيّةٍ، يعتمدها علاء الدين بعد ذلك مصدرا للرزق، وينزل في سبيل بيعها مرّاتٍ كثيرةً إلى السوق، فيُخدَع مرارا لجهله قيمتَها الحقيقيّة من تاجرٍ يهوديٍّ يشتريها بثمنٍ بخسٍ، ولا نجد أيضا تفاصيلَ ما سيتخلّل حفلَ الزفاف الموعود من بذخٍ، ومصاريف هائلة، ولا تفاصيل تشييد ذلك القصر العجيب، خلال ليلةٍ واحدةٍ، وما حواه من غرفٍ، ورُدَهٍ، وشبابيك ذهبيّةٍ مذهلة.
وبناءً على هذا، فقد تمّ اختزالُ مقاطع زمنيّة شديدة الامتداد في الأصل الأدبيّ، وطيّها في بضع دقائق وثوانٍ عابرة.
- اختلاف في جوهر السرد ومغزاه:
ويلفت انتباهَنا هنا ما عجّ به المرجع الأدبيّ من تركيزٍ شديدٍ على أهميّة المال، فلولاه لما كان لعلاء الدين أدنى أملٍ في أن يحظى بمحبوبته، ولولا الذهبُ والولائمُ والقصر المهيب، لما كان لذاك الزواج أن يكون، ممّا يوحي ببعدٍ واقعيٍّ، اضطلعت فيه تلك الثروة الطائلة بوظيفة إزالة الفوارق الاجتماعيّة، في حين كان البعد الرومانسيّ المغرق في العاطفيّة هو المهيمن على عرض الباليه، فلم يكن لعلاء الدين حاجةٌ إلى الأموال والهدايا للوصول إلى قلب الأميرة، فحسبه صدقُه، ومحبّته الغامرة، ولم تكن حاجته إلى المصباح في طلب المال، وتدبّر أمر المعيشة، بل كانت في طلب الحب، وتيسير الوصول إلى الحبيبة، دون الالتفات إلى ما يحول دون هذا الوصول من مشقّةٍ وموانع.

آخر الأخبار

Articles Side Pub
Articles Bottom Pub
جريدة النصر الإلكترونية

تأسست جريدة "النصر" في 27 نوفمبر 1908م ، وأممت في 18 سبتمبر 1963م. 
عربت جزئيا في 5 يوليو 1971م (صفحتان)، ثم تعربت كليًا في 1 يناير 1972م. كانت النصر تمتلك مطبعة منذ 1928م حتى 1990م. أصبحت جريدة يومية توزع وتطبع في جميع أنحاء الوطن، من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب.

عن النصر  اتصل بنا 

 

اتصل بنا

المنطقة الصناعية "بالما" 24 فيفري 1956
قسنطينة - الجزائر
قسم التحرير
قسم الإشهار
(+213) (0) 31 60 70 78 (+213) (0) 31 60 70 82
(+213) (0) 31 60 70 77 (+213) (0) 6 60 37 60 00
annasr.journal@gmail.com pub@annasronline.com