الثلاثاء 16 جويلية 2024 الموافق لـ 9 محرم 1446
Accueil Top Pub

ألبومات الصور القديمة: ذاكـــــرة الأنــــاقــــــة!

تحتفظ أشرطة الصور الضوئية القديمة، التي تضيع في دهاليز أعرق محلات التصوير في قسنطينة ومدن أخرى، بجزء من ذاكرة اللباس التراثي و الحي التقليدية لأهل هذه المدن، وتوثق إلى جانب ألبومات صور عائلية لجزائريين، لهذا الإرث المهم الذي يمتد بامتداد خارطة الوطن، فصور النساء والرجال باللباس التقليدي و الحلي ليست مجرد لحظات فرح اقتنصتها الكاميرا من فك الزمن، بل هي وثيقة تقدم لنا تفاصيل عن الزي و تؤكد أصليته بما يلغي الشكوك، كما ترصد تطوره منذ دخلت هذه الآلة إلى بلادنا أول مرة وإلى غاية اليوم.

هدى طابي

مواقع التواصل تعيد فتح خزائن تعود للقرن 18
تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي عديد المجموعات والصفحات التي تنشر صورا قديمة لأفراد من عائلات عريقة في مدن مثل قسنطينة والعاصمة وتلمسان وغيرها، وتشكل هذه الصور مادة مهمة للتوثيق للباس التقليدي في هذه المناطق، ذلك لأن أصحابها عادة ما يرتدون أزياء تراثية جميلة مثل قفطان القاضي و القندورة القسنطينة و الجبة و الشدة التلمسانية و القويط و الكاراكو العاصمي و اللباس النايلي و الملحفة الشاوية.
وتكمن القيمة العالية لهذه الصور، في أن بعضها التقط في القرنين 18 و19، مع بدايات ظهور الكاميرا بمعنى أنها مرجعية تعود لما يتعدى 100 عام.
و يزيد الاهتمام بهذه الصور التي تحقق تفاعلا كبيرا، مع احتدام الحملات المسعورة ضد التراث الجزائري و محاولات سرقته المتكررة، إذ زاد الوعي بأهمية الحفاظ عليه و حمايته من السطو، وهو ما دفع مهتمين من نشاطين في المجال وحتى مواطنين إلى إثراء الرصيد الوطني بصور قديمة تعود لأجدادهم يظهرون فيها بلباس تقليدي معين، للتأكيد على هويته و على تميز الخزانة التراثية الجزائرية.


في قسنطينة، يحتفظ مولود، صاحب محل الوفاء للتصوير الفوتوغرافي بأرشيف كبير للصور القديمة يعود بعضها إلى فترة ما قبل الاستقلال، حيث أخبرنا أن المحل كان لمعمر قبل أن تستلمه عائلته بداية من 1960.
أنزلنا المصور إلى قبو المحل، أين يحتفظ بعلب كثيرة تحتوي على عدد لا يكاد يحصى من أشرطة الصور الضوئية، أخدنا عينة منها و انطلقنا في مهمة معاينتها و تفحصها في الضوء فضلا عن استخدام تطبيق رقمي هاتفي للحصول على مشاهد أوضح عن طريق عكس الألوان.

وقد استطعنا أن نستخرج من ذلك الأرشيف الذي لم تتلفه الرطوبة حزمة من « كليشيهات» صور لعائلات قسنطينية ولأفراد كانت قد التقطت لهم في المحل عبر فترات زمنية مختلفة منذ 1960 وإلى غاية بداية التسعينات، وتميزت هذه الصور بتعدد واختلاف تصاميم الأزياء التقليدية والحي كذلك.
حصلنا على تشكيلة من الصور لسيدات بالقندورة القسنطينة القديمة وقد لاحظنا أنه فساتين مختلفة من حيث « الرشم» وطريقة التفصيل كما جمعنا صورا، لنوع آخر من الفساتين التقليدية المعروفة في المدينة بـ « الشامسة»، و قد اتضح من خلال المعاينة بأن الثوب عرف تعديلات و تطورا كذلك، بما يمنحنا لمحة أو فكرة عن تطور التصاميم طوال الستين سنة الماضية.
إلى جاب ذلك، يمكن من خلال التدقيق في الصور جيدا رصد طريقة ارتداء النساء لبعض الحلي قديما، فالمحزمة مثلا كانت تلبس بأسلوب مختلف، حيث تلف على الجسد عند نهاية القفص الصدري مباشرة، لتبرز تفاصيل الجسد و تحدد المفاتن، وليس على مستوى البطن أو الخصر كما هو شائع حاليا.
دليل على المهارات اليدوية المحلية
أخبرنا مولود، أن أرشيف المحل كان أكبر بكثير، وذلك لأنه كان مقسما إلى جزأين، لكن أحدهما ضاع بعد أن تم غلق الفرع الثاني لمحل التصوير على مستوى حي باردو. و قال المصور، إن هناك صورا تعود لعائلات عريقة وشهيرة في مدينة قسنطينة، وقد عرض علينا بعضا منها، وهي صور التقطت داخل المحل كما كان يتم قديما.

تبين الصور التي عايناها مستوى أناقة اللباس التقليدي في تلك الفترة، و تعكس نماذج عن تصاميم أصلية لقفطان القاضي مثلا ويمكن من خلال تفحصها بإمعان، تحديد قائمة لأهم القصات والرسومات التي كانت موظفة في تزيين وتجهيل وحياكة هذه الأثواب، على غرار « الطاووس و نبات اللبلاب، و الزهور و تحديدا القرنفل أو كما تعرف بالقرنفلة».
نظهر أيضا، التقنيات الفخمة للتطريز بخيوط الذهب «الفتلة والمجبود أو التارزي» و «العقاش « أو شك الخرز، وهناك «رشمات» أو أشكال مكرسة ومستنبطة من البيئة المحلية وهي في الغالب نماذج تحاكي أشكال النباتات والطيور كما سبق ذكره.
ولا يقتصر التوثيق الذي تقدمه هذه الصور على الملابس أو الأزياء فحسب، بل يشمل الحلي كذلك، فالنساء اللواتي يظهرن فيها يتزين أيضا بتشكيلة متنوعة من الحلي التقليدية منها ما لم يعد مستخدما و يعد بمثابة قطع تراثية مندثرة تقريبا، على غرار « مقياس الجاموس و مقايس الصم و مقياس الجوهر»، إضافة إلى السخاب و التاج و المدبح، مع استخدام مكثف لخيط الروح الجزائري و خلخال الرجل.
* مريم قبايلة باحثة في التراث ومديرة متحف
الصور القديمة دعامة مادية للنصوص و البحوث التاريخية
ترى الباحثة في مجال التراث و مديرة متحف الفنون والتعابير الثقافية قصر الحاج أحمد باي بقسنطينة، مريم قبايلية، أن للصورة دورا كبيرا في التوثيق للتراث، لذلك يتم اللجوء إليها لدعم النصوص التاريخية المكتوبة، والبحوث العلمية و الأكاديمية وحفظ الذاكرة و الأرشفة.

وفي حالة غياب النصوص التاريخية و المصادر و الشواهد الأثرية، نستطيع الرجوع إلى الصور القديمة أو الصور الإيكنوغرافية في تاريخ الفن و الفن البصري وغيرها كما عبرت.
وتعد ألبومات الصور القديمة مهمة جدا، في عملية تقديم ملفات التسجيل، لأن هذه الخطوة تشترط جردا عاما على المستوى الوطني قبل التسجيل العالمي لأي عنصر بما في ذلك اللباس التراثي و الحلي التقليدية، لهذا و بعد مصادقة الجزائر على اتفاقية 2003 لليونيسكو لصون التراث اللامادي سنة 2004، تم إنشاء بنك وطني للمعطيات للتراث اللامادي في أكتوبر 2004، و الذي يتم تزويده بعدة معطيات من طرف المؤسسات الثقافية تحت الوصاية من خلال مديريات الثقافة بعد دراسته والمصادقة عليه من طرف باحثين و أنثروبولوجيين بالمركز الوطني للبحث في عصور ما قبل التاريخ علم الإنسان والتاريخ.
تثري البنك الوطني للمعطيات للتراث اللامادي

وتتمثل هذه المعطيات حسب قبايلية، في الصور الفوتوغرافية القديمة والحديثة و فيديوهات سمعية بصرية ووثائق مكتوبة ومخطوطات، وقد لعب المتحف دورا كبيرا حسبها، في جمع هذه المعطيات قصد إثراء هذا البنك الوطني، حيث تم جمع صور قديمة خاصة من عند العائلات الجزائرية في عدة ولايات من الوطن، ساهمت بشكل كبير في ملفات عديدة خاصة ملف اللباس النسوي للشرق الجزائري ، و تمثلت في صور جماعية لنسوة بلباس تقليدي خاصة القندورة و الملحفة و القاط و القفطان… وصور لأنامل في الورشات العائلية، تبرهن على المعارف ومهارات صنع الألبسة التقليدية، و كذلك الحلي التي تزين المرأة». وأشارت قبايلية، إلا أنه يتعين إدراج على الأقل عشر صور قديمة و عشر صور أخرى حديثة في ملفات التصنيف، وأن تبين هذه الصور أن الموروث الثقافي المتمثل في اللباس أو الحلي مثلا، لا يزال مكرسا و متوارثا و مستخدما، و جزءا من عادات وتقاليد البلد، ولذك للبرهنة على وجود ما يسمى بالتراث اللامادي الحي موضحة بالقول : « تفيد الصور في التأكيد بأن القفطان لا يزال يخاط محليا و لا يزال مستعملا، لأن التراث اللامادي يتمثل في المهارة، أي طريقة الخياطة وتفاصيل العمل وليس القطعة في حد ذاتها».

وأكدت الباحثة في مجال التراث، أن عائلات كبيرة من قسنطينة وغيرها من المدن لم تتردد أبدا في المساهمة بصور من ألبوماتها الخاصة للتوثيق للباس والمهارات، عندما كان العمل جاريا على ملف تصنيف اللباس التقليدي لنساء الشرق الذي أعدته الجزائر مؤخرا وقدمته لليونيسكو، مشيرة إلى أن العمل يجب أن يستمر للاستفادة من هذه الصور، وذلك عبر رقمنتها و استخدامها فيما يعرف بالفن الرقمي، بغية الحصول على رصيد رقمي ثري يضمن حماية التراث و يقدم مرجعية مهمة يمكن العودة إليها في كل مرة، مع إمكانية استعراض هذا التراث على نطاق واسع. وذكرت المتحدثة، من جانب أخر، أهمية الصورة الفوتوغرافية في عمليات الترميم و الاسترجاع، وذلك فيما يتعلق بالتراث الثابت والمنقول.

آخر الأخبار

Articles Side Pub
Articles Bottom Pub
جريدة النصر الإلكترونية

تأسست جريدة "النصر" في 27 نوفمبر 1908م ، وأممت في 18 سبتمبر 1963م. 
عربت جزئيا في 5 يوليو 1971م (صفحتان)، ثم تعربت كليًا في 1 يناير 1972م. كانت النصر تمتلك مطبعة منذ 1928م حتى 1990م. أصبحت جريدة يومية توزع وتطبع في جميع أنحاء الوطن، من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب.

عن النصر  اتصل بنا 

 

اتصل بنا

المنطقة الصناعية "بالما" 24 فيفري 1956
قسنطينة - الجزائر
قسم التحرير
قسم الإشهار
(+213) (0) 31 60 70 78 (+213) (0) 31 60 70 82
(+213) (0) 31 60 70 77 (+213) (0) 6 60 37 60 00
annasr.journal@gmail.com pub@annasronline.com