الجمعة 5 ديسمبر 2025 الموافق لـ 14 جمادى الثانية 1447
Accueil Top Pub

حفريات في أثر الكبلوتي في المنتدى الدولي حول حياته وأعماله: ياسيــن.. دُرر كامنـــة و ثـورة لا تنطفـــئ

11102529

مازال كاتب ياسين، يثير الجدل و النقاش بين الكتاب و النقاد و الباحثين حول أسلوبه المتفرد في البناء اللغوي للنص الروائي، و القصيدة الشعرية، و العمل المسرحي، من خلال الاستعارة و الرمزية، و البوح المتواري خلف لوحات فنية، تستنطق النص الصامت و تحوله إلى مشاهد واقعية تحرك الوجدان و تخاطب الذاكرة الجماعية.
وكلما غاص الباحثون في أدب كاتب ياسين، تتكشف لهم المزيد من الخبايا و الدرر الكامنة التي لم تقرأ بعد، كما قال الكاتب و الأكاديمي التونسي منصور مهني، أسرار و خبايا كامنة تنتظر المزيد من البحث و التنقيب، من خلال الدراسات الأكاديمية و الملتقيات و المنتديات، التي تعنى بالأدب المغاربي، الذي يعد كاتب ياسين أحد أعمدته. و على مدى 12 عاما يحاول المنتدى الدولي حول حياة و مؤلفات كاتب ياسين، الذي دأبت جمعية الترقية السياحية و التنشيط الثقافي بقالمة، على تنظيمه و تدعو له كبار الباحثين و النقاد من مختلف أصقاع العالم، يحاول هذا المنتدى الغوص أكثر في بحر الرواية و اللغة و الشعر، و الفن التشكيلي، و الجغرافيا، التي نشأ فيها كاتب ياسين، مترحلا بين الوطن و المنفى. و قد اختار المنظمون للمنتدى الثاني عشر المنعقد يومي 5 و 6 نوفمبر 2025 بدار الثقافة عبد المجيد الشافعي بمدينة قالمة، موضوع جمالية الصورة وشعرية النص في أعمال كاتب ياسين، الروائية و الشعرية و المسرحية، حيث تناول المشاركون جوانب متعددة من الموضوع، مبرزين قدرة ياسين على ترويض اللغة و تحكمه في أسلوب البناء الفني، و الاستعارة و تحويل الكلمة المجردة الى لوحة فنية تبوح بقوة عن المسكوت عنه، و تتسلل إلى الوجدان الإنساني متخطية عوالم الرمزية الغامضة، محدثة انقلابا في النمط الروائي العالمي، مقتربة أكثر من الفن التشكيلي المليء بالرمزية، حتى أن الباحثين لم يجدوا اختلافا بين نصوص كاتب ياسين الأدبية ولوحات الفنان التشكيلي الجزائري محمد اسياخم، الذي انبعث من رحم الدراما المأساوية التي عاشتها الجزائر سنوات الاستعمار. و قد واكبت جريدة النصر المنتدى منذ بدايته، من خلال عمل صحفي يبرز هذا الحدث الفكري و يسلط المزيد من الأضواء، على كبار الأدباء و الباحثين في الجزائر و العالم، عبر كراس الثقافة الذي يعد بحق نافذة مشرقة تضيء درب الثقافة و الفكر، و هي اليوم تطل من جديد على عالم كاتب ياسين عبر جمالية الصورة و شعرية النص، و الكلمة المجردة، التي تصير لوحة فنية وثورة فكرية ترفض الانطفاء.

11102528

أعد الملف: فريد غربية

uمحي الدين قاضي، ابن قبيلة كبلوت
المنطوق و المسكوت عنه عند كاتب ياسين

11102546
قال محي الدين قاضي، أحد أبناء قبيلة كبلوت، التي ينحدر منها كاتب ياسين، إن الكلمة في عالم الأدب لا تكون مجرد أداة للتعبير، بل كائنا حيا يخلق العوالم، و يستبطن ما وراء المعنى، و هكذا كانت كتابة كاتب ياسين، حيث تتمازج الرؤية بالرمز، و تتحول اللغة إلى لوحات فنية فكرية تنبض بالشاعرية، و يتقاطع فيها الجمال بالفكر، و المسكوت عنه بالبوح.
وأضاف محي الدين قاضي، متحدثا أمام المشاركين في المنتدى الدولي الثاني عشر حول حياة و مؤلفات كاتب ياسين بقالمة، كاتب ياسين يعد أحد أبرز الأصوات في الأدب الجزائري الحديث، إذ تشكل أعماله فضاء متشابكا من الرموز و المعاني، لا يقرأ على سطحه فحسب، بل يغاص في طبقاته اللغوية و الفكرية العميقة، ليمنح القارئ تجربة تجمع بين التأمل و الرؤيا الفكرية.
و يرى المحاضر بأن أسلوب كاتب ياسين يمتاز بقدرة فريدة على المزاوجة بين جمالية الصورة و شعرية النص، بين المنطوق و المسكوت عنه، بين الكلمة و صمتها المديد، حتى يغدو النص لديه كائنا حيا يتنفس بالرمز و الإيحاء، بقدر ما يتكلم باللفظ.
و عن الصورة في أدب كاتب ياسين يقول محي الدين قاضي بأنها ليست مجرد زينة أسلوبية، أو زخرف لغوي، بل هي بنية فكرية و دلالة رمزية، ففي نجمة مثلا، لا يقدم الواقع الجزائري مباشرة، بل يصور من خلال شبكة من الرموز، الأرض، المرأة، الجسد، الوطن، التاريخ و الذاكرة.

11102534
و حول شعرية النص، يقول المحاضر، بأن لغة كاتب ياسين تتجاوز حدود السرد التقليدي لتبلغ مرتبة الشعر السردي، حيث تتناغم الإيقاعات الداخلية مع النبض الوجداني للفكرة، حيث تولد التكرارات و الانقطاعات النحوية، و الإيقاعات الخفية، موسيقى تعيد تشكيل الألم جمالا، و الصراع طاقة لغوية تعبر عن بحث الإنسان الجزائري عن ذاته.
و عن الطبيعية التصورية للكتابة يرى محي الدين قاضي، بأن الكتابة عند كاتب ياسين رؤية قبل أن تكون تعبيرا، فهو يرسم بالكلمات فيرى القارئ نصه كما يقرأه، مضيفا بان هذه الطبيعة التصورية تتجلى في رموزه المتكررة، المرأة، الأرض، الثورة، الذاكرة، فهو لا يصف العالم كما هو، بل يعيد خلقه بلغة حية، نابضة بالصور و الإيحاءات.
و يقول حفيد كبلوت أمام المنتدى، بأن ما وصفه باللامقول، أو المسكوت عنه، يعد من أبرز سمات أدب كاتب ياسين المسكوت عنه، ذلك الفضاء الصامت الذي تسكنه الحقائق المحرمة، مضيفا بأنه و تحت وطأة الاستعمار و الرقابة، لجأ كاتب ياسين إلى الرمز و الاستعارة، ليبوح بما لا يقال، فالوطن عنده يتجسد في المرأة، و الثورة في الحب، و المنفى في الصمت، و هكذا يصبح اللامقول لغة أخرى، داخلية عميقة، تغني النص و تمنحه بعدا روحيا و فكريا. و حسب المحاضر فإن كاتب ياسين لم يكن مجرد متذوق للجمال، بل كان مفكرا و مقاوما في آن واحد، جمع بين الالتزام و الإبداع، فجعل من اللغة فعلا من أفعال المقاومة، و من الصورة أداة للتأمل و النقد، فهو كان قد قال بالشعر ما عجز الخطاب السياسي عن قوله، و جعل الأدب مساحة للحقيقة و الحرية.
و أنهى محي الدين قاضي، القادم من منطقة عين غرور الواقعة ببلدية حمام النبائل، شرقي قالمة حيث عاش أجداد كاتب ياسين، مداخلته قائلا بأن تكريم الفكر هو تكريم للإنسان في أسمى تجلياته، و إن إحياء ذكرى كاتب ياسين ليس مجرد وفاء للماضي، بل هو تجديد للعهد مع الكلمة، و مع الوطن، و مع الإنسان الحر الذي آمن بالكتابة ثورة لا تنطفئ.
u الباحث الجزائري علي ساسان من جامعة سكيكدة
ياسين استدعى الهوية والذاكرة الجماعية

11102533
اعتبر الباحث الجزائري، علي ساسان من جامعة سكيكدة، في محاضرة له، أمام المنتدى الدولي كاتب ياسين بقالمة، بأن الأحداث و الحوارات و المشاهد الواردة في روايتي نجمة و المضلع الكوكبي، تبرز تشكيلات خطابية، تعكس خطاب البحث عن الهوية و مناهضة الاستعمار و خطاب الذاكرة الجماعية، عند كاتب ياسين.
و قال المحاضر بأن رواية نجمة تقدم خطابا متميزا بترسيخ مكاني لشخصيات قلقة، تبحث عن دلالاتها في عالم يتلاشى، و ذلك عندما يقول كاتب ياسين على لسان شخصيات الرواية على سبيل المثال " ها أنا ذا في مدينة مدمرة هذا الربيع، أنا هنا داخل أسوار لامبيز، بالقرب من عرين الأسد".
و يبرز علي ساسان، خطاب خيبة الأمل عند كاتب ياسين، قائلا بأن ذلك يتجسد في تنقل الشخصيات بين رغباتها الشخصية، و متطلبات المجتمع، كما جاء في رواية نجمة الشهيرة "أرواح أسلافنا هي التي تشغلنا، و تستبدل مآسيهم بتوقعاتنا المدفوعة بقوة الشباب،...لقد ظل الآباء و القضاة ورجال الدين، الذين نتبعهم على خطاهم على الرغم من مسارنا المختلف".
وعن خطاب المرجعية الثقافية، في رواية نجمة، يقول المحاضر بأن شخصيات الرواية تسعى إلى إعادة الاتصال بجذورها، في حين تتطلع إلى الحداثة التي تبدو أحيانا متناقضة مع تقاليدها، و لا تتردد في إدانتها بالاغتراب، مثل "مصطفى يقع في حب آنسة فرنسية لديها سيارة لكنها تأكل لحم الخنزير".
و عن الخطاب متعدد الأوجه في رواية المضلع الكوكبي، أو النجمي، يرى علي ساسان بأنه خطاب يبرز البحث عن الهوية من خلال تعدد الأصوات والمنظورات، حيث يصف كاتب ياسين معاناة الرجل الجزائري في ستينيات القرن الماضي، هذا الرجل يعاني و يسافر و يغامر، و يغادر قريته، ثم وطنه بحثا عن عمل، و بحثا عن الذات لكنه يفقد هويته، و بهذا يستعيد كاتب ياسين قصة منفى، عندما صدمته الأحداث المأساوية التي حلت بوطنه، أحداث تركته ممزقا بين هنا وبين العالم الخارجي، مسلطا الضوء على تعقيدات الهوية الجزائرية.
وغاص المحاضر أكثر في خصوصيات الأدب الكاتبي، عندما تحدث عن ما وصفه بخطاب اقتلاع الشخصيات في رواية نجمة، شخصيات تعبر عن شعورها بالاقتلاع والاغتراب، و مستدلا بما قاله كاتب ياسين "بالنسبة لمن يعيش في المنفى، لا يوجد بلد واحد كموطن له، و لغة واحدة فقط كلغته الأم، لكن تبدو له جميع البلدان و اللغات الأخرى مجرد خيال، من جرب المنفى قسرا أو طوعا سيدرك حلم العودة المجيدة".
ويقدم كاتب ياسين خطابا مناهضا للاستعمار، في المضلع النجمي من خلال مشاهد تصف وحشية القوى الاستعمارية، و يظهر الحاجة الملحة للتحرر، عبر الشخصيات التي تعبر عن غضبها وتصميمها على تحدي المنظومة الاستعمارية، عندما كتب "إن عنفهم لن يثنينا، ولن يحد من عزيمتنا".
وخلص المحاضر إلى القول، بأن خطاب الذاكرة الجماعية كان حاضرا بقوة في المضلع النجمي، ويتجلى ذلك من خلال صدى أصوات الأجداد، وقصص المقاومة، و الكفاح كمقاومة الأمير عبد القادر، و مقاومة قبيلة كبلوت، أجداد ياسين الذين تعرضوا لمجازر فضيعة عندما وصل الاستعمار الفرنسي، منطقة عين غرور شرقي قالمة، وفر من بقي منهم على قيد الحياة الى أصقاع ما وراء الأفق، لتبدأ قصة أخرى من قصص المنافي البعيدة، التي تركت جرحا ينزف بداخل كاتب ياسين، حتى رحيله الى عالم الأبدية تاركا إرثا أدبيا، يؤرخ لحقبة مثيرة من تاريخ الجزائر.

uالكاتب و الأكاديمي التونسي محمد سعد برغل
جاور المتخيل بالتاريخي والواقعي بالأسطوري

11102545
يتناول الأديب و الأكاديمي التونسي، محمد سعد برغل، بشيء من الدقة و الطرح النقدي الأسلوب المتفرد للأديب الجزائري كاتب ياسين، في محاضرة قدمها أمام المنتدى الدولي الثاني عشر حول حياة و مؤلفات كاتب ياسين، المنعقد بقالمة، الأسبوع الماضي، خصصها لموضوع الشعر و السرد و العلاقة بينهما في أعمال الأديب، الروائية و الشعرية و المسرحية، معتمدا على رواية نجمة التي جسدت تفرد ياسين في ترويض اللغة و تحويلها إلى أداة للتشكيل الهندسي و الفني، البديع.
و قال محمد سعد برغل، بأن كاتب ياسين ينسج الحدث و الفعل اعتمادا على تسريع الربط بين أنسجة العلاقات بين الذوات من جهة، و بين مقامات التلقي للنص، حتى ينتج عنهما تداخل نصي بين أحداث هي في الواقع من صلب الحدث الروائي، و تهويمات هي أقرب إلى الإطار المرجعي للكاتب، نحو استعمال أساطير روما القديمة، عندما يقول مثلا "أكيد أن مصيبة نجمة عائدة إلى الجو الذي أحيطت به و هي صبية، طفلة مقدسة مطهرة من الصبيانية الفظيعة، مهذبة، مرصعة، مداهمة لا مجال للخوف عليها من الانحراف، كانت نجمة الحقيقية عنيفة، ثم اتفق مربوها على إزاحة كل العراقيل من قدامها تدريجيا، غير أن هذه الحرية المجانية، و الخارجة عن عالمها و عن جمالها غدت الحاجز الأكثر قساوة...".

11102538
و أضاف المحاضر التونسي، الذي اشتغل كثيرا على أعمال الأديب كاتب ياسين، بأن ثمة في الشاهد أكثر من سجل لساني، توفرت فيه أنواع سردية، و مستويات مختلفة لتقديم الشخصية الرئيسية، موضحا بأن التقديم المتأخر للشخصية المركزية لم يخل من مستويات في السرد، لكنها مستويات تشي بحال السارد من السرد، إذ راهن على الحدث و الفعل، و ليس على كيفية سرد حكاية الشخصية، فجاور المتخيل بالتاريخي، و الواقعي بالأسطوري، و اللغة السردية المباشرة بالاستعارات القريبة، و هو ما يفسر في بعض المواطن الأخرى من الرواية، الركون إلى حكاية مقام الشخصيات، بعيدا عن حال الذات المتلفظة بالحكاية، كأن يقول، ويقصد به كاتب ياسين " في حدود الخامسة ترك السيد ريكار فراشه، ارتدى سروالا قديما مخرما، و ابتدأ يطن متعقبا ظل الخادمة، حاملا حذاءه و هو يرتطم بالأسوار و الأثاث المصقول، كان ثقيلا متمايلا، صخبا كالذباب الذي قاطع هدأته الليلية، فراح يتبعه بهيجانه المتعثر، و بإسفافه في الاحتجاج ضد هذه اليقظة التي سبقت حرارة الشمس، و سبقت حبور النهار، الذي كان سيخرجه من الخدر بليونة، لو لم يقفز هذا المقاول المسن، من سريره كعادته مع صياح الديك، مع أن حافلته لا تنطلق إلا بعد ساعتين".
و يرى محمد سعد برغل بأن هذا المقطع من رواية نجمة، يشتغل على ما وصفه بالتبنير على الأفعال و الحركات، و الحدث الجزئي دون أن تتورط الذات المتلفظة في السقوط في شعرية يأباها المقام، مقام التوتر بين الشخصية موضوع المقطع و السارد، فالعلاقة بين الذات و موضوع التلفظ تقوم على التوتر و الصراع، و لذلك يضيف المحاضر، فإن حال الكتابة فرض منزلة اللغة، فابتعد كاتب ياسين عن الاستعارات و أرجأ ما يقرب من اللغة الشعرية، إلى سياقات كتابة تالية، في حين نجده في مقامات حكائية أخرى يتوسل بالاستعمال الشعري للغة نظرا الى تعاطفه مع موضوع الحكي، و يصبح اختيار السجل الإبداعي ضربات من الموقف السياسي للذات المتكلمة مع موضوع اللغة، فكلما كان موضوع الحكي قريبا من ذات المتكلم، حضر الشعر و مياسيمه، و كلما ابتعد الموضوع عن المتكلم اخشوشنت اللغة التي ترصد الشخصيات.
و تطرق الأديب التونسي إلى لعبة التشظي، و التلاعب بالخطية عند كاتب ياسين، و السرد الاسترجاعي القريب من نجمة، و كيف يكون القارئ مجبرا على إيقاف زمن القراءة و تعديله ذهنيا، حتى يسترجع مع الحكاية زمنا ولى، و يمكن أن يكون هذا السرد الاسترجاعي، قريبا من زمن نجمة، و يمكن أن يعود إلى زمن الأساطير القديمة.

uالأكاديمية الجزائرية زينب مراد شاوش تتحدث عن خريف ياسين
في أعماله لا تتحجر الكلمة أبدا.. بل تشتعل!

11102542
قدمت الأكاديمية الجزائرية، زينب مراد شاوش، من جامعة تلمسان، عملا بحثيا أمام المنتدى الدولي كاتب ياسين، المنعقد بقالمة يومي 5 و 6 أكتوبر 2025، أجابت فيه عن سؤال جوهري مفاده كيف تصبح الصورة الشعرية في كتابات كاتب ياسين حاملة للمعنى و الإحساس، و تتكشف كتعبير تشكيلي في مادة حية، و مرئية، محسوسة و قادرة على تجاوز حدود النص.
و قالت الباحثة بأن في أعمال كاتب ياسين، تتجذر الكتابة الشعرية في تجربة خريفية تتراوح بين الموت و الأسى، و بين الحياة و الأمل، حيث تبدو كل كلمة و كأنها تتساقط كورقة ميتة من شجرة ذكرى لا تكف عن الإثمار، كأنها رحالة أبدي يجوب شوارع عالمه الخاص، يكتب في مشهد داخلي، ملونا بألوان النهاية، حيث لا يزال ضوء الخريف ينير الجرح متحديا الظلام. و وصفت المحاضرة أعمال كاتب ياسين بالمتأرجحة بين الجمال و الانحطاط و الأسى و الرفض و الثورة، و قالت إن كل هذا يتجسد بوضوح في رواية نجمة، بل في أنوثة نجمة، هذه النجمة المتوهجة المتلألئة، التي تبدو أحيانا كسراب، مضيفة بأنه و بالنسبة لكاتب ياسين، كان تحرير النص لديه يشبه الفصل الخريفي، حيث التجرد و مواجهة الانفصال، كمرحلة ضرورية من مراحل الإبداع، و لذا لم تكن حريته و تجربته سلمية، بل صاحبتها اضطرابات خريفية، و قلق لا ينبع من مأساة ميتافيزيقية فحسب، بل أيضا من الحياة اليومية التي أحرقها التاريخ في الفضاء الإبداعي و الوجودي، لكاتب منفي في قلب لغته، و هكذا فإن أعماله الفكرية و الأدبية كلها تتنفس الخريف، فصل الانتقالات و الجمال الزائل، المحاصر بدوامة الفصول، حيث تحاول كل كلمة في انهيارها إنقاذ جزء من نور محفوظ للأبد في داخلها.
و غاصت الباحثة بعمق في قلب الأسطورة الكاتبية قائلة بان في أعمال كاتب ياسين لا تتحجر الكلمة أبدا، و لا تبرد، إنها تحيا، تشتعل، تتبدد، و تنهض من رماد، و الكلمة لديه ليست مجرد لفظ أو إشارة، بل هي حركة تحول، من خلالها يحاول الكاتب التعبير عن اهتزاز العالم و توتر الجسد، و فوضى التاريخ، متجاوزا مزيجا من اللغات التي تسكن شعبه العربية، الفرنسية و الامازيغية، كلمات تستوعب الطفولة و التمرد و الحب و الموت، لكنها تبحث دائما عن مكان تولد فيه من جديد، و لهذا السبب يبرز الخريف كاستعارة أساسية في كتابات ياسين، الذي يتنفس عبر التاريخ، عبر الفصول، و يغوص في تاريخ شعبه الجريح، و يتغذى على الذكريات و على الينابيع التي لا تتوقف عن الجريان. و في سياق حديثها عن جمالية الصورة، و شعرية النص السردي، في أعمال كاتب ياسين، تطرقت الباحثة إلى جانب آخر من التفرد لديه، عندما وظف الأشكال الهندسية في بعض مؤلفاته، توظيفا نادرا، كما في دائرة القصاص، و المضلع الكوكبي، و نجمة، هذه الرواية الشهيرة التي تجسد المرأة و الأسطورة، بينما يعكس "المضلع النجمي" تشرذم شعب مشتت، و تجسد "دائرة القصاص" التكرار المأساوي للعنف، و ترسم هذه الأشكال نصا هندسيا يحاول التوفيق بين تشرذم الواقع، و الرغبة في الوحدة المفقودة، حيث يتردد صدى هذا البناء الهندسي البديع مع رمزية الخريف، فصل الاضمحلال، و التغيير، و الانبعاث، و هكذا فإنه إذا كانت الدائرة تجسد دورة الحياة و الموت، و مضلع النجمة ثبات وسط الانهيار، فإن شعر كاتب ياسين يصبح هندسة خريفية، حيث يجدر القول أن الأديب كاتب ياسين، كان يكتب في خريف الذاكرة الجزائرية، حيث يتحد كل شيء ليجعل هذا الموسم ليس بنهاية، بل مرحلة تطهير، قبل بداية جديدة، خريف يحترق و يتبدد، استعدادا للربيع الأزلي.

uفوزية ضيف الله من جامعة المنار التونسية
ياسين و اسياخم...حوار صامت بين جمالية الصورة و شعرية النص

11102543
ترى الباحثة في شؤون الأدب المغاربي، فوزية ضيف الله، من جامعة المنار التونسية، بأن أوجه شبه كثيرة تجمع بين الأديب كاتب ياسين و الفنان التشكيلي محمد اسياخم، فكلاهما كان يحمل هموم الوطن و الشعب، و ينتهج الصمت الوهاج الذي ينطق المعاني و الأفكار و الكلمات و الأشكال، دون فوضى و دون صراخ.
و تقول فوزية ضيف الله بأنه و في تاريخ الجزائر الثقافي الحديث، تلتقي الكلمة و اللوحة عند عتبة واحدة، عتبة الجرح الذي تنبثق منه محادثة صامتة بين اثنين من أبرز رموز الوعي الجمالي و المقاومة الفكرية، كاتب ياسين و محمد اسياخم، كلاهما خرج من رحم المعاناة، و حول الألم إلى لغة، و الدم إلى حبر أو لون يضيء الذاكرة.
و أضافت الباحثة التونسية في مداخلة لها أمام المنتدى الدولي حول حياة و مؤلفات كاتب ياسين، المنعقد بقالمة يومي 5 و 6 أكتوبر 2025، بأنه حين يلتقي الأدب بالفن التشكيلي، تتولد طاقة إبداعية تتجاوز حدود اللغة و اللون، و هذا ما تجسد في العلاقة "الصامتة" بين كاتب ياسين، احد أعمدة الأدب الجزائري المكتوب بالفرنسية، و محمد اسياخم، رائد الفن التشكيلي الجزائري الحديث، فرغم اختلاف وسائلهما التعبيرية، فإن كليهما حمل هم الذاكرة الجماعية الجزائرية، و جسد آلامها و طموحاتها، فكان بينهما ما يمكن تسميته بالحوار الصامت، حوار لا ينطق، بل يستشف من تقاطع الرؤى، و تكامل الجماليات. و حسب المتحدثة فإن كاتب ياسين لم يكن يتحدث مع اسياخم بالكلمات، بل بالسكوت المعبر، بالصدى الذي يتركه الجرح في القلب، فكل منهما كان يكتب بلغة غير منطوقة، فالصمت لديهما لم يكن غيابا عن الكلام، بل موقفا فلسفيا من العالم، فالكلمة و اللون كلاهما عاجز عن قول الحقيقة كاملة، لذا لجأ كاتب ياسين و محمد اسياخم إلى السكوت الدال، إلى اللغة التي تومئ أكثر مما تصرح، ففي لوحة المرأة الجريحة لمحمد اسياخم، يتجلى الجرح في جسد مبتور يصر على الحياة، كأن نجمة التي كتبها ياسين هي نفسها المرأة التي رسمها اسياخم، أنثى من لحم الأرض، و دم التاريخ، فالفن عند الرجلين لا يتزين بل يتألم، لا يهرب من الواقع، بل يغوص فيه حتى النخاع.
و تعتقد فوزية ضيف الله بأن التوجه الإبداعي للرجلين لم يكن فرديا، بل تأسيسا لحداثة جزائرية تستمد معناها من الذاكرة لا من التقليد، لقد أدرك كل من كاتب ياسين و محمد اسياخم أن التحرر لا يكون بالسياسة فقط، بل أيضا بتحرير الصورة من التزييف و الكلمة من الاستعمار، فهما يشتركان في رؤية واحدة، أن الفن ليس زينة للوجود، بل سؤال عن الوجود، فكل لوحة و كل جملة عندهما هي مواجهة للصمت الجمعي، و محاولة لترميم ما تهشم في الروح الجزائرية، بعد الاستعمار، فكان كلاهما يكتب عن المنفى، عن الجرح، عن الحلم المكسور، لكن أيضا عن المقاومة، عن القدرة على تحويل الألم إلى معنى، كانت بينهما محادثة لا تسمع بل ترى و تحس، صمت مليء بالكلمات، و ألوان تهمس بما لا يقال. و تعتبر الباحثة التونسية، الأدب و الفن وسيلتان لحفظ الذاكرة الجماعية، فعندما تتقاطع الشعرية السردية مع التعبير البصري حينها يتحول الوطن إلى قصيدة، و يتحول الألم الجمعي إلى موسيقى داخلية تتردد بين الكلمات، و تجوب فضاء الصورة اللامتناهي.

آخر الأخبار

Articles Side Pub-new
Articles Bottom Pub
جريدة النصر الإلكترونية

تأسست جريدة "النصر" في 27 نوفمبر 1908م ، وأممت في 18 سبتمبر 1963م. 
عربت جزئيا في 5 يوليو 1971م (صفحتان)، ثم تعربت كليًا في 1 يناير 1972م. كانت النصر تمتلك مطبعة منذ 1928م حتى 1990م. أصبحت جريدة يومية توزع وتطبع في جميع أنحاء الوطن، من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب.

عن النصر  اتصل بنا 

 

اتصل بنا

المنطقة الصناعية "بالما" 24 فيفري 1956
قسنطينة - الجزائر
قسم التحرير
قسم الإشهار
(+213) (0) 31 60 70 78 (+213) (0) 31 60 70 82
(+213) (0) 31 60 70 77 (+213) (0) 6 60 37 60 00
annasr.journal@gmail.com pub@annasronline.com