يعتبر التراث أو الأرشيف الشفهي مصدرا مهما للتاريخ حيث يتفق الباحثون على وظيفته ودوره في حفظ الذاكرة الجماعية، حيث يعتبر مكملا للوثائق وبديلا عنها عند غيابها، كما أن معالجته من منظور داخلي يحفظ الذاكرة الجماعية من التشويه، حيث ينبغي دراسته وتوثيقه وفق أسس علمية.
ومن بين الباحثين من يرى بأن توثيق الأرشيف الشفهي، سيمكن من مجابهة السرديات المضادة، ومنها سرديات المستشرقين، التي تعتمد التشويه لتبرير الفعل الكولونيالي.
uالبروفيسور عبد الله مقلاتي
اعتماد منهجي علمي
في دراسة الشهادات الشفهية

يرى مدير مخبر الدراسات والبحث في الثورة الجزائرية بجامعة المسيلة البروفيسور، عبد الله مقلاتي، أنّ نقص الوثائق يعدّ إشكالا عند تناول تاريخ الثورة التحريرية، حيث تعرّضت للنّهب والتشويه فمن بين القضايا المطروحة في دراسة تاريخ الثورة ما تعلّق بإشكالية المصدر لنقص الوثائق المؤرخة، مرجعا ذلك لظروف منها اعتماد الثورة طابع السرية فالتدوين تقتضيه الضرورة فقط، كذلك إتلاف الوثيقة في حالة الشعور بالخطر، ما يجعل اللّجوء إلى الشهادة أمرا ضروريا، بالأخص من الفاعلين وصناع الحدث، الذين لم تتح لهم فرصة تدوين الوقائع والأحداث لأسباب مختلفة مثل ظروف الحرب، حساسية الموقف أو الخوف من الكتابة، لذلك تظهر بإلحاح الحاجة للاعتماد على الشهادة في كتابة التاريخ ويجب على الباحث حسب المتحدث اعتماد منهج علمي دقيق للتثبّت من صحة الشهادة وأهميتها.
ويوضح المتحدّث إنّ الرواية الشفهية جزء من الشهادة وأصحاب هذه الأخيرة يمكنهم المبالغة أو التلفيق ما يوجب على الباحث أخذ الحيطة والاحتراز وكذا التمعّن، بالإضافة إلى مقارنة الشهادات للوصول إلى الحقائق، حيث ينبغي اعتماد شهادات الإجماع وليس الأحادية وتلك المدعومة بالوثائق تكون أوثق، كما يجب على الباحث أن يكون موضوعيا في انتقاء الشهود وإصدار الأحكام، فضلا عن استقراء صاحب الشهادة ليعرف ميولاته وأهدافه من الإدلاء والخلفيات، إلى جانب التمييز بين مصدرية الشهادة على اعتبار أن الخاصة بصانع الحدث وقائد المعركة على سبيل المثال ليست كشهادة العوام، مضيفا أنّ موضوع الوثيقة والرواية الشفوية وكتابة تاريخ الثورة أمر يطرح إشكالات أدق خاصة بالنسبة للتاريخ المحلي المثخن بالتناقضات والحسابات الجهوية والاختلافات الشخصية، لافتا إلى أنه وقف عن هذا الأمر في كتاباته عن تاريخ الولاية الأولى.
وقال البروفيسور إنّ النصوص الوثائقية في الدراسات التاريخية تحمل في طياتها مادة خبرية وفكرية ثرية، مضيفا أنّ النصوص الأساسية للثورة هي أدبياتها وفكرها، برنامجها وتصورها للمستقبل، حيث تشكّل نصوص الفاتح نوفمبر، مؤتمر الصومام ومؤتمر طرابلس أهم هذه النصوص لكنها ليست الوحيدة في مجال فهم الثورة والتأريخ لها فهناك وثائق أساسية وثانوية مهمة، كما أردف أنّ الوثائق تمثّل المادة الخام لتطورات التاريخ والمخزون الفكري لتجارب الثورة، منبّها إلى وجود تكامل بين الوثائق والشهادات الشفهية، فأحيانا تفرض الوثيقة نفسها لوحدها عند كتابة موضوع ما والعكس صحيح بحسب توفّر المادة العلمية فيمكن التأريخ لمعركة ما بواسطة الشهادات فقط إذا لم تتوفّر الوثائق.
ويعتقد المتحدّث أنّه تم اعتماد الشهادات الشفهية في كتابة تاريخ الثورة بطريقة علمية أحيانا وفي الغالب بعيدا عن ذلك، مشيرا إلى وجود تجارب لبعض الصحفيين الذين اهتموا بجمع شهادات قادة الثورة وكانت كذلك لبعض المؤرخين تجارب رائدة حسبه مثل حربي محمد ويحيى بوعزيز، في حين أن التجربة الرسمية الجزائرية فقد شرعت جبهة التحرير منذ ثمانينات القرن الماضي في جمع شهادات القادة خلال مؤتمرات تدوين التاريخ، كما تبنّت وزارة المجاهدين مشروعا لجمعها وثمّنته بمشروع يجمع شهادات المرحلة الأولى من الثورة أشرف على تدشينه سنة 2014، كذلك يجمع المركز الوطني للدراسات والبحث شهادات للمجاهدين ويسجلها خلال الملتقيات والندوات، أيضا متاحف ومديريات المجاهدين بالولايات تقوم بدور في هذا الشأن، زيادة إلى تجربة جامعة الأمير عبد القادر في عملية الجمع، وجهود الأكاديميين مهمة في هذا الإطار حيث تمتاز بالتنوّع وجمعها لشهادات كثيرة مهمة لم تصلها المؤسسات الرسمية، فضلا عن جهود يبذلها باحثون هواة مهتمون بالتاريخ المحلي.
uأستاذة الأنتربولوجيا الدكتورة خيرة كتفي
توثيق الأرشيف
الشفهي تصحيح للنظرة الأجنبية

تقول أستاذة الأنثروبولوجيا بجامعة قسنطينة 2 الدكتورة، خيرة كتفي، إنّ التراث أو الأرشيف الشفهي يمثّل ذاكرة الأمة فهو ليس مجرّد أغاني أو أمثال وروايات وحكايات متوارثة، وإنما وثيقة ثقافية اجتماعية تعبّر عن رؤية الناس لأنفسهم وللعالم من حولهم، حيث يعكس التجارب اليومية، القيم والرموز وأنماط التفكير التي شكّلت الهوية الجماعية عبر الأجيال، فمن منظور أنثروبولوجي الأرشيف الشفهي رأسمال رمزي يختزن في طياته تاريخ الجماعة وطرقها في تفسير الواقع وصياغة المعنى، ويعتبر حسب المتحدّثة الأرشيف الشفهي في الجزائر دورا محوريا في صون الذاكرة الوطنية من النسيان و التشويه، خاصة مع تاريخ استعماري حاول طمس رواية الجزائريين لأنفسهم، فالمرويات الشفهية في القرى والبوادي تحافظ على تفاصيل الحياة اليومية قبل الثورة التحريرية وخلالها، وكذا على قصص المقاومة الشعبية وسرديات البطولة والتضامن التي لم تسجّل في الوثائق الرسمية.
وتضيف، كتفي، أنّ الأرشيف الشفهي في المجتمعات المحلية يربط الأفراد بأرضهم وأصولهم ويمنحهم شعورا بالاستمرارية والانتماء، من خلال الحكايات الشعبية، الأغاني الثورية والأمثال تتجدّد العلاقة بين الإنسان وتاريخه وتعاد كتابة الذاكرة من وجهة نظر الداخل لا من منظور المستعمر، حيث تكمن أهمية التوثيق للأرشيف الشفهي من منظور جزائري في استعادة السرد الأصيل وتصحيح النظرة التي قدمها بعض الباحثين الأجانب ممن تناولوا التراث الجزائري بعين استشراقية أو استعلائية، حيث غالبا ما فسّر هؤلاء الموروث الثقافي بمعايير غربية، متجاهلين رموزه المحلية ودلالاته الخاصة ما أدى إلى تشويه الذاكرة الجماعية، ومنه تأتي ضرورة تولي الباحث الجزائري دراسة تراثه لأنه الأقرب إلى فهم لغته وسياقه الاجتماعي وأيضا رموزه الثقافية.
وأوضحت المتحدثة أن دراسة المجتمع الجزائري من الباحثين الأوروبيين تمثلت في مرحلتين الأنثروبولوجيا الاستعمارية وما بعدها، ففي الفترة الاستعمارية استخدمت الأنثروبولوجيا كأداة للهيمنة حيث سعت الدراسات إلى فهم المجتمع الجزائري للتحكم فيه، فتركزت على القبيلة والعرف والدين، ومن أبز الدارسين روبير مونتاني، إيميل ماسكور، جان سرفيه وغيرهم، قدموا صورة للمجتمع المحلي كمجتمع نموذج ثقافي مستقل في بنيته وتمثلاته وغريب عن النموذج الأوروبي لكن ظلّت مشبّعة بنزعة استشراقية تخدم فكرة المهمة الحضارية الفرنسية، وبعد الاستقلال تغيّر المنظور الأوروبي نحو فهم التحولات الاجتماعية والسياسية في الجزائر حيث برزت أعمال بيير بورديو، فاني كولونا، إلى جانب مارك كوت، لكن حملت المقاربات كذلك نزعة استشراقية، حيث نظرت إلى الجزائري كموضوع للدراسة لا كفاعل في تاريخه وصوّرت المجتمع المحلي ضمن نسق حضاري مواز للتمدّن الأوروبي لا نقيضا له، ما يستدعي وفق المتحدثة إعادة قراءة التاريخ من الداخل انطلاقا من ذاكرة الناس.
وتعتبر المتحدّثة أنّ التوثيق من الداخل فعل سيادة رمزية يعيد الاعتبار إلى للذات الجزائرية ويحوّل التراث من مادة للدراسة إلى وسيلة للدفاع عن الهوية وترسيخها في الوجدان الجمعي، وتعتقد، كتفي، أنّ الكثير من المرويات الشفهية لا تزال مهددة بالاندثار حيث تحتاج إلى مشاريع وطنية منهجية للتوثيق والبحث الميداني، ومع ذلك هناك جهود فردية وأكاديمية بدأت تستعيد هذا الوعي خصوصا في الجامعات ومراكز البحث، كما ترى المتحدّثة أنّ التراث الشفهي يحتاج إلى مقاربة علمية وطنية تربط البحث الأكاديمي والسياسات الثقافية، بحيث لا يبقى ذكرى تستحضر في المناسبات بل يصبح أداة لتربية الأجيال على قيم الانتماء والاعتزاز بالهوية، فحين نحفظ أصوات أجدادنا نحفظ أنفسنا أيضا.
وتعتقد أن وجود مشروع وطني لتوثيق التراث الشفهي ضرورة علمية وثقافية لحماية الذاكرة الجماعية من الضياع، حيث يمكن إنجازه من خلال فرق بحث محلية تجمع الروايات الشفهية وتوثقها وفق منهج علمي موحّد ثم تدمج النتائج في قاعدة بيانات وطنية رقمية، مضيفة أن المتحف الوطني للمجاهد يعدّ شريكا أساسيا في هذا المسعى لأنه يملك البنية المؤسساتية والشرعية التاريخية لتنسيق جهود الباحثين في مختلف المناطق وربط التراث الشفهي بتاريخ المقاومة والهوية الوطنية.
uالبروفيسور وحيدة سعدي
يتضمن ما تجنبته الوثيقة عمدا أو كرها

تعتبر البروفيسور بجامعة عنابة، وحيدة سعدي، أنّ الأرشيف الشفهي مصدر من مصادر التاريخ وله علاقة وطيدة به، بحيث يعكس معالم حياتية وخبرات إنسانية وأحداث تجاهلتها الوثيقة عمدا أو كرها، فلا يمكن فصلهما لكونهما متعانقان بشدّة والأرشيف الشفهي الجزائري يعكس محطات اجتماعية بكل حيثياتها، كما أنه زاخر بالمعاني والدلالات التي قد تكون في الكثير من الأحيان منقذا للفراغ المعلوماتي المكتوب.
وتقول المتحدثة إنّ وظيفة التاريخ الشفهي استنطاق الماضي من خلال ذاكرة منطوقة ويجب الإسراع في احتوائها والإحاطة بها لكن ليس بمجرّد النقل العشوائي لأنّه لا يثمّن الموروث الشفهي، فمن المنظور الخلدوني يجب تناوله بمعيار الحكمة والمنطق، فليس غريبا أن يعتبره بعض المهتمين به تاريخ حياة بكل تفاصيلها وفق المتحدّثة وهو يحمل في طياته الكثير من الحقائق والمعلومات التي تغيب عن النصوص، حيث تعتقد المتحدثة أنّ أرض الجزائر ثرية وزاخرة بمنظومة تراثية شفهية لا يقاومها الباحث إذا غاص في عمقها.
وتعتقد، سعدي، أن هناك تقصيرا في حق الأرشيف الشفهي لكن تم الاستيقاظ أخيرا، غير أنّ الوقت ليس في صالحنا حسب حديثها لكون الأجيال تتعاقب وحاملو التراث الشفهي يرحلون، كما تعتقد أن مهارات الجمع محدودة وهناك جهل بكيفية تدوين التراث الشفهي لأنه يحتاج إلى منهج خاصة المقارنة والمساءلة، إنه بناء وتفكيك وتجميع وفق حديثها ويحتاج إلى تكوين لفحصه أو نقده إذا كان يجب أخذه كدعامة لأحداث تاريخية منقوصة الوثائق، حيث أن النجاح في تحويل التراث الشفهي إلى تاريخ مدوّن ليس بالأمر الهيّن أو اليسير ويعتبر تحديا، وتقول إنّه ازداد الاهتمام في الآونة الأخيرة بالتراث المادي واللامادي لكونه مصدرا تاريخيا نواجه من خلاله الزيف، وما يحدث في العالم اليوم من نبش وحفر بحثا عن أدلة للسطو على الآخر حافز لنا لنعيد النّظر في بعض الإسهامات الفكرية والمنهجية ونتجاوز نزعة السيطرة النصية على تفكيرنا.
إسلام قيدوم