يؤكد أساتذة في اللسانيات واللغة العربية، أن الفصاحة في الجامعة الجزائرية تشكل اليوم محور نقاش واسع في ظل تراجع ملحوظ في قدرات الطلبة على التعبير الشفهي والكتابي باللغة العربية الفصيحة، مقابل صعود اللهجات واللغات الأجنبية داخل الفضاء الجامعي وخارجه.
وأشار متخصصون، للنصر، على هامش الملتقى الوطني الأول حول اللسانيات العرفانية بجامعة الإخوة منتوري قسنطينة 1، إلى أن الفصاحة لم تعد مجرد مهارة لغوية تقليدية، بل غدت كفاءة معرفية وذهنية ترتبط بكيفية إدراك اللغة ومعالجتها في الدماغ، وبالبيئة الثقافية والاجتماعية التي ينشأ فيها الطالب.
uنبيلة قدور أستاذة اللغة العربية بجامعة قسنطينة1
اللسانيات العرفانية أعادت الاعتبار للعربية الفصحى

أوضحت الأستاذة المحاضرة بقسم اللغة العربية وآدابها بجامعة الإخوة منتوري، الدكتورة نبيلة قدور، أن اللسانيات العرفانية تعد من أبرز الاتجاهات اللسانية المعاصرة، فرغم حداثة ظهورها كمجال مستقل، إلا أن امتدادها يعود لتاريخ طويل من التفكير اللغوي، لأنها ترد الاعتبار لفكرة أن اللغة ليست مجرد أصوات نلفظها، ولا بنية مغلقة كما كان ينظر إلى اللسانيات البنيوية القديمة، بل هي ظاهرة مرتبطة بعمق بالتفكير والفلسفة، وثقافة الإنسان، وحضارته، ومختلف عناصر محيطه الخارجي.
وأضافت قدور، أن اللسانيات العرفانية أعادت للغة العربية مكانتها من خلال إبراز علاقاتها المتشابكة مع مجالات واسعة مثل النظام البيئي البيولوجيا، علم الأعصاب، الطب، والجينات الوراثية، حيث ينظر إلى اللغة بوصفها منظومة تتفاعل مع هذه العلوم وتتأثر بها. وفي حديثها عن التطور الذي أحدثته اللسانيات العرفانية، ذكرت أن النظرة التقليدية للغة باعتبارها فعل سلوك أضحى اليوم مفهوما غير كاف، إذ أثبتت الأبحاث أن اللغة في جوهرها آليات ذهنية معقدة ينجزها الدماغ، وتشترك فيها مراحل متعددة تتداخل فيها مكونات بيولوجية دقيقة مثل الخلايا العصبية النيورونات التي تخزن المعلومات اللغوية في شكل «شفرات» أو «أكواد»، ثم تنتقل عبر الألياف العصبية إلى مراكز متخصصة يستخدمها الإنسان أثناء إنتاج اللغة. وأشارت المتحدثة، إلى أن هذه الآليات مشتركة بين جميع البشر، وهو ما يجعل اللسانيات العرفانية إطارا موحدا لفهم كيفية اكتساب اللغة وإنتاجها، كما ترتكز على مستوى عال من التجريد يقوم على فكرة أن اللغة تمثيلات ذهنية وصور معرفية نبني من خلالها المعنى في أدمغتنا قبل التعبير عنه لفظي.
أما الفصاحة من منظور عرفاني، فتعتبرها قدور، إنتاجا لغويا سليما ينسجم مع الآليات والقواعد الذهنية التي تتشكل في العقل ضمن نماذج معرفية تسمى التمثلات، المقولات، المنوالات، الأطر.
وهذه النماذج موجودة لدى جميع البشر، لكن تطويرها يحتاج إلى ممارسة مستمرة، واكتساب متجدد، ومطالعة، وتفاعل ثقافي وحضاري يجعل اللغة حية في الاستعمال اليومي. وأكدت الدكتورة قدور، أنه يمكن اعتماد مبادئ اللسانيات العرفانية في تدريس التعبير الشفهي والكتابي في التعليم الجامعي، لأنها تقدم مجموعة من الاستراتيجيات المعرفية، مثل التصورات الذهنية ،التجسيد، التجربة الحسية،و آلية الإسقاط بين مجالات المصدر ومجالات الهدف، وكلها أدوات تساعد المتعلم على بناء المعنى في ذهنه ثم إنتاجه لغويا بشكل سليم. وتشدد المتحدثة، على أن الفصاحة في الوسط الجامعي باتت اليوم ضرورة معرفية أكثر منها مجرد مهارة لغوية تقليدية، فهي تعكس مستوى الطالب في التفكير، والتحليل، وتمثل المعرفة. غير أن الجامعة بحسبها، تعاني ضعفا واضحا في هذه المهارة لدى الطلبة، ويرجع ذلك أساسا إلى عزوفهم عن المطالعة، وضعف ممارستهم للغة العربية، وقلة استعمالها في تواصلهم اليومي، مما يجعل تطوير الفصاحة تحديا يتطلب وعيا ومثابرة، بالإضافة إلى الجهد الفردي والجماعي.
uسميرة رجم أستاذة لسانيات
بجامعة منتوري
مواقع التواصل أثرت على مستوى الفصاحة لدى الطلبة الجامعيين

أكدت الأستاذة المحاضرة قسم «أ» والمختصة في اللسانيات وتطبيقاتها بكلية الآداب واللغات بجامعة قسنطينة 1 الإخوة منتوري سميرة رجم، أن الفصاحة ليست مجرد قدرة على نطق الكلمات نطقا سليما، بل مهارة ذهنية قبل أن تكون لسانية، فالفصاحة تقوم على تنظيم الأفكار، وحسن وزن الكلام، ومعرفة الموضع الملائم لقول كل فكرة. وأوضحت، أن الفصاحة تكمن في الذهن أولا، لأنه هو الذي يزن الخطاب ويحدد مستوياته، ويختار البنى الذهنية المناسبة لكل موقف تواصلي.كما ترى رجم، أن مستوى الفصاحة لدى الطلبة الجامعيين اليوم يشهد تراجعا ملحوظا، مرجعة ذلك إلى جملة من العوامل أبرزها العولمة التي دفعت العديد منهم إلى الاعتقاد بأن التحدث باللغات الأجنبية علامة على الثقافة والتحضر على حساب العربية الفصيحة. كما كرست الرقمنة ومواقع التواصل الاجتماعي هذا التراجع حسبها، لأنها تشجع على استعمال اللغات واللهجات الأخرى، على غرار العامية والفرنسية، بل وحتى لغة الفيسبوك الجديدة التي تختلف عن العربية المعيارية.وأضافت الأستاذة، أن التطور العلمي والتكنولوجي كان له أثر واضح أيضا، لأن أغلب العلوم الحديثة تعتمد الإنجليزية كلغة للتدريس والنشر، مما جعل العربية أقل حضورا في السياقات الأكاديمية والعلمية.وعن أبرز مظاهر ضعف العربية لدى الطلبة، تشير المتحدثة إلى أن التعبير الشفهي يعد الحلقة الأضعف، إذ يعجز كثير منهم عن صياغة جملة عربية فصيحة متكاملة، ويميلون بدلا من ذلك إلى استعمال لغة هجينة تجمع بين العامية وبعض المفردات الأجنبية. وأكدت رجم، وجود فئة من الطلبة تتحدث العربية بفصاحة تامة، وهو ما يثبت حسبها، أن البيئة الجامعية قادرة على إنتاج نماذج لغوية واعدة حين تتوفر الرغبة وكذلك الجهد.كما أشارت في ذات السياق، إلى أن الجامعة توفر برامج فعلية تعنى بالفصاحة وترقية اللغة العربية، لافتة إلى أن جميع وحدات وبرامج قسم اللغة العربية تصب في النهاية في خدمة الارتقاء بالكفاءة اللغوية للطالب.أما عن الأساليب البيداغوجية المتبعة لتحسين مستوى الفصاحة، فتوضح أن النظام «أل. أم. دي» يقوم على جعل الطالب مسؤولا عن تعلمه، بحيث يبحث، ويحلل ويطور مهاراته اللغوية بنفسه. وشددت المتحدثة، على ضرورة أن يقوم الطالب بتعلم أساليب التعلم الذاتي داخل الحرم الجامعي، وأن يعتز بلغته ويشارك في الملتقيات العلمية، ويتابع برامج اللغة العربية بانتظام.كما دعت، الطلبة إلى استثمار مواقع التواصل الاجتماعي بشكل إيجابي إذ توجد حسبها، منصات ومنتديات وبوابات رقمية تعلم العربية الجزلة ويمكن أن تسهم بفاعلية في تحسين الفصاحة وتطوير الحس اللغوي لديهم إذا أحسنوا استخدامها.
uخديجة محفوظي أستاذة بقسم اللغة
العربية وآدابها
الجامعة تسجل حضور نماذج واعدة من الطلبة الفصحاء

أكدت الأستاذة المساعدة في اللغة العربية بقسم اللغة العربية وآدابها بجامعة الإخوة منتوري قسنطينة1 خديجة محفوظي، أن اكتساب اللغة الفصيحة مرتبط بالتجارب الأولى للطالب، إذ يتشكل أساس الفصاحة في المراحل المبكرة من حياة الفرد من خلال عوامل متعددة أبرزها حفظ القرآن الكريم، المطالعة المنتظمة، والبيئة اللغوية داخل المنزل، حيث تلعب العائلة الدور الأساسي في التشجيع على استعمال العربية الفصيحة وترسيخها.وأكدت المتحدثة، أن الجامعة تسجل حضور نماذج من الطلبة الفصحاء الذين تمكنوا من صقل مهاراتهم اللغوية عبر القراءة المتواصلة والاهتمام بالشعر، وحفظ القرآن، ما جعلهم قادرين على التعبير بلغة سليمة ورشيقة داخل الحرم الجامعي.
غير أن اكتساب الفصاحة داخل الجامعة كما توضح يمثل إشكالا معقدا خاصة عندما يميل بعض الطلبة إلى استخدام اللغات الأجنبية على حساب العربية، وهو ما يؤدي إلى ضعف في الممارسة وبالتالي تراجع الكفاءة اللغوية لديهم.وتابعت محفوظي، أن البحث العرفاني أسهم بفعالية في تجديد طرائق تعليم اللغة العربية وفي رفع مستوى الفصاحة الجامعية، لأن الاتجاه العرفاني على حد تعبيرها، يجمع بين اللغة والذهن والتجربة، ويراعي كيفية استقبال المتعلم للخطاب بوصفه سامعا مثالي يمتلك قدرات معرفية تتفاعل مع اللغة. وترى الأستاذة، أن مستقبل اللسانيات العرفانية في خدمة التعليم الجامعي واعد للغاية، لأن اللغة هي الوسيط الوحيد الذي يكون بمثابة الجسر بين الطالب وبين كل معرفة جديدة يكتسبها، وبالتالي فإن فهم اللغة بوصفها عملية ذهنية وتجريبية يساعد على الارتقاء بمهارات الطالب في مختلف التخصصات.
كما دعت المتحدثة، إلى الاهتمام باللغة العربية وفهم علاقاتها بالجوانب النفسية، المعرفية، والاجتماعية. مؤكدة أن الفصاحة من منظور التكوين الجامعي تتطلب جملة من الممارسات المتراكمة، مثل القراءة المستمرة وممارسة اللغة في النقاشات اليومية،و تلاوة القرآن الكريم بوصفه رافدا صوتيا وبلاغيا، ناهيك عن دراسة مخارج الحروف وأساليب النطق السليم، والانخراط في الأنشطة المسرحية التي تساعد على الجرأة، والأداء الصوتي، والتحكم في اللغة.
uعبد الصمد لميش أستاذ بكلية الآداب واللغات بجامعة المسيلة
العامية أفقدتنا مقومات العربية الفصحى
يرى الدكتور عبد الصمد لميش، أستاذ اللغة العربية بكلية الآداب واللغات بجامعة محمد بوضياف المسيلة، أن مسألة الاكتساب الشفوي للعربية الفصحى خاصة في مؤسساتنا التعليمية الجامعية، تتميز بكونها مسألة تتجاوز الحدود اللغوية، وأنها ذات علاقات مع مجموعة من العمليات الذهنية والمعرفية والنفسية والاجتماعية التي ترافقها، والتي تفرض على الدارس التطرق إليها. وتأتي على رأسها مشكلة «العامية»، التي هي سليل العربية الفصحى التاريخي، وهي لهجة تقع في مركز عملية الاكتساب في المراحل الأولى من الطفولة.كما أوضح أستاذة اللغة العربية، أن العامية تتميز بفقدها لجوانب من المقومات الصوتية، والصرفية، والنحوية، والمعجمية للعربية الفصحى وذلك بفعل عوامل لغوية لهجية جغرافية، أو بسبب عوامل خارجية كاحتكاك العجم بالعرب، حيث يستبعد أن يكون أول من تكلم بالعامية أول أعجمي نطق بالعربية.وأضاف الأستاذ، أن العامية لغة كأي لغة، لها نظام يرتكز على قواعد ذهنية مشتركة عند مستعمليها، تمس المستويات الصوتية، والتركيبية والصرفية، والمعجمية، لكنه نظام غير ملقن بشكل رسمي مدروس وبطابع لهجي محلي. إذ تتمظهر العامية في شكل «لهجات» محلية تشترك في بعض الخصائص، وتختلف في أخرى أغلبها معجمي صوتي، وهي مؤطرة جغرافيا بسمات في السلوك اللغوي.
وأشار المتحدث، إلى أنه في الجزائر، تتغلب السمات اللهجية على السمات العامة «للعامية» المشتركة، فلهجة الشرق مثلا تختلف عن لهجة الغرب، والوسط الشمالي، وكذا الجنوب و الطفل الجزائري وحتى العربي، يكتسب اللغة العامية في مرحلة أولى بطريقة عفوية، وحينما يذهب إلى المدرسة يلتقي بالعربية الفصحى، فيأتي اكتسابها اصطناعيا وتاليا للاكتساب الأول.
وأوضح، أن هذا هو الترتيب الذي درجت عليه المنظومة المجتمعية التعليمية والمعرفية، حيث يرتبط اكتساب العربية الفصحى بأطوار التعليم المختلفة، ويبدأ عادة منذ السنوات الأولى للدراسة أي من 5 إلى 6 سنوات في مؤسسات التعليم.كما قد يبدأ قبل ذلك مع ما يتوفر في محيط الطفل من مصادر لخطابات ومحاورات فصيحة إن وجدت طبعا، سواء في المحيط العائلي أو عبر وسائط التواصل السمعية البصرية كالتلفاز مثال أو في المحيط الخارجي وغير ذلك. وأضاف المتحدث، أن هذا التلاقي الواضح بين نسق «الفصحى» ونسق «العامية»، يجد في عملية الاكتساب طريقه إلى التشريح اللساني تحت موضوع «الازدواج اللغوي» و»الثنائية اللغوية»، حيث يشكل اكتساب الفصحى إلى جانب العامية تعددا لغويا.
وتابع بالقول، إن اكتساب العربية الفصحى في الجامعة، وفي أقسام اللغة العربية وآدابها، يختلف عن أنماط الاكتساب الأخرى في غيرها من السياقات، حيث تتوفر في هذا السياق مجموعة من العوامل تجعل العربية مخصوصة وتخرجها من مستويات الاستعمال العادية التي تشابه اللغة التي يكتسبها الطفل في سنواته الأولى، وبصفة خاصة «العامية» من حيث أنها أداة التواصل في الحياة اليومية.
وحسبه، تعتبر هذه العوامل تابعة للسياق العام الذي يحكم طريقة اكتساب المعارف والمفاهيم في مستويات عليا من التعلم. لذلك أكد لميش، أن استحضار الجوانب العرفانية التداولية في هذا الصدد يدفع بهم كأساتذة إلى التركيز على العربية من حيث هي لغة تخصص. وقال، إنه أمر يتوافق مع البنية العرفانية للعملية التعليمية برمتها، وإن هناك اكتسابا يرجى تحصيله بالضرورة يتعلق بجملة المعارف اللسانية والعلمية المكونة لمسار التخصص في اللغة العربية وآدابها، والتي يطلق عليها المقاييس أو المواد التعليمية، والمحددة بجملة من الدروس التي يتم تقديمها للطالب في المدرجات وقاعات التدريس.
كما أوضح، بأن البنيات المعرفية التي تطبع تفكير الطالب المتخصص في اللغة العربية وآدابها، تحتاج إلى تجريد مواز للتجريد الذي يحققه التمثل للمعلومات الأكاديمية التي يتلقاها في الجامعة، وهذا بالضرورة سيعدل من طريقته في الاسترجاع، ويحرك العربية لديه لكي تسمو إلى مستوى التلقائية التي تجسد المبدأ الذي تقوم علية اللسانيات العرفانية التداولية في موضوع الاكتساب اللغوي، و الذي ينزع إلى بذل أقل جهد معرفي مع تحقيق أكبر قدر من الملائمة.
لينة دلول