الجمعة 5 ديسمبر 2025 الموافق لـ 14 جمادى الثانية 1447
Accueil Top Pub

الترويج للإصدارات في مواقع التّواصل: الكاتـــبُ يعــــوّض الحلقــــة المفقـــودة في سلسلـــة صناعـة الكتــــاب

 

في سنوات مضت، كثيرًا ما كان يشتكي الكُتّاب والأدباء من غياب التسويق والترويج لكُتبهم وإبداعاتهم وأسمائهم، وكثيرًا ما تُلقى اللائمة على الناشر الجزائري، وعلى الصحافة الثقافية.
لكن في السنوات الأخيرة، قليلاً ما نسمع مثل هذا التذمر أو الشكوى. إذ أصبح لكلّ كاتب وأديب صفحته على مواقع التواصل الاِجتماعي، ينشرُ فيها ويُعلنُ عن أخباره وجديد كُتبه وإصداراته ومواعيد نشاطاته الثقافية وندواته. صار يكتفي بواجهة ومنصّات التواصل الاِجتماعي للترويج لأعماله وحتّى لتسويقها أحيانًا. فهل يمكن القول أو الجزم أنّ مواقع التواصل الاِجتماعي أصبحت خيارًا فاعلاً في مسألة ترويج الكاتب لكُتبه وأعماله؟. وبالتالي يمكنُ الاِكتفاء بها والاِستغناء عن وسائل أخرى لتقديم أو ترويج الكُتُب والأدب؟ وهل ترويج الكُتّاب -كما تقول الدكتورة فيروز رشام- لإصداراتهم الفكريّة والإبداعيّة عبر منصّات التواصل الاِجتماعي قد أصبح أمرًا بديهيًا؟، وهو بكلّ تأكيد أمرٌ مقبول مبدئيًا لكن قد لا تكون تلك هي الطريقة المُثلى للترويج. وعليه، وكما يعتقد الروائي عبد الوهاب عيساوي، "لعلّنا نحتاج أكثر إلى مؤسسات إعلامية وثقافية مُتخصّصة تتولّى الترويج بشكلٍ اِحترافي، وتُعيد صياغة مفهوم التسويق الثقافي بمنهجية وتنظيم".حول هذا الشأن "مواقع التواصل والترويج للكُتب. وهل هي إستراتيجية بديلة للإستراتيجية التقليدية؟"، يتحدث بعض الكُتّاب والناشرين، في ملف "كراس الثقافة" لهذا العدد.

أعدت الملف: نوّارة لحرش

uالروائي والناشر الصدّيق حاج أحمد (الزيواني)
الترويج عبر الوسائط الرقمية من طرف الكُتاب حاجة دعا إليها تكاسل دور النشر

05102525
يؤكد الروائي والناشر الصدّيق حاج أحمد (الزيواني)، أنه: "في عالمٍ مُتسارع، مُلتهم للمحليّات والخصوصيات الثقافية، أصبحت وسائط التواصل الاِجتماعي الإبزيم الّذي يربط الإنسان بالعالم الخارجي اللاّمحدود بحدود الدول أو فاصل المحيطات الكُبرى، إنّه الحاضر الغائب معنا دائمًا، ومع اِنفجار توظيف تقنيات الذكاء الاِصطناعي، عدنا نتوقّع مُناغاة تفكير الإنسان وهو نائم، بعد أن سلّمنا بجدوى ذلك في يقظته".
ثم أردف: "سوق الكِتاب وترويجه، ليس بمنأى عن هذا الزحف الرّقمي الرهيب، لكلّ ما هو تقليدي معهود، فقبل إتاحة هذه الوسائط، كان وصول خبر الإصدار أو تقديم الكِتاب في الملاحق الثقافية بالجرائد الوطنية، من حظوات كُتّاب المركز، لنكن عقلانيين، حتّى الطباعة والنشر خلال عقود الستينات والسبعينات والثمانينات، كانت بواسطة مؤسسة واحدة ووحيدة، وهي الشركة الوطنية للنشر والتوزيع (SNED) التي أُنشئت سنة 1966، تمّ تحويلها باِسم المؤسسة الوطنية للكِتاب (ENAL) سنة 1983".
مُضيفًا في ذات المعطى: "فمن الطبيعي أن يكون الطبع محدودًا، والنشر بالتقطير من طرف المؤسسة الأولى المعنية، وإن عرفت أختها الشقيقة مطالع الثمانينات، سيولة في النشر، عن طريق فروعها بالولايات، بينما كانت المكتبات الخاصة مع قلّتها خلال هذه الفترات، تقتصر على بيع الكُتب الدينية المُستوردة، بينما إنتاج الكِتاب الأدبي الوطني، ظلّ بيد المؤسسة الوحيدة للدولة، حتّى بدأت تهلّ علينا مطبوعات جزائرية متنوعة نهاية الثمانينات، عن دار عمار قرفي بباتنة؛ غير أنّ الكِتاب الأدبي بقيَ باهت الحضور كرذاذ المطر".
ومُستدركًا يقول: "ومع اِستخدام هذه الوسائط الرقمية، بات ترويج الأعمال الصادرة من طرف أصحابها، موضة وحاجة دعا إليها تكاسل دور النشر عن أداء دورها الترويجي للأعمال، حتى بتنا نرى الكاتب يُرافق إصداره من اللّحظة الأولى لتصميم الغلاف، مرورًا بالنسخة الأولى الرقمية من فرن المطبعة، وصولاً إلى النسخة الورقية بين يديه. ومهما قِيلَ ويُقال، عن ترويج الكُتّاب لأعمالهم، وتنكيف البعض عن فِعلهم، فإني أراه فِعلاً مشروعًا، لا سيّما من ينشر عمله لأوّل مرّة، كأننا ننسى شعورنا بتلك اللّحظة، يوم رأينا أوّل عمل يصدر لنا".
مُشيرًا هنا، إلى أنه "جيل يتقن صناعة المحتوى الرّقمي، له مجموعاته الفيسبوكية، التي تُروّج له أو يُروّج فيها، فيمكننا -مثلاً- المرور بإحدى دور النشر التي نشرت له بمعرض الكِتاب، ومشاهدة ذلك التزاحم على من يفوز بتوقيعه من جيله الشاب، وبالمُقابل قد نمرّ على كاتب مُكرّس يتوسّل نظرات المارين، عسى أن يقترب منه أحد، كأنه يقول بلمح العين وشبح الوجه: إني أنا الكاتب الفلاني المكرّس..".
واختتم مُؤكدًا: "بيد أنّ ذلك التزاحم والعرق المُتصبّب من أولئك الشباب، في الفوز بنسخة موقّعة من مجايليهم وأهل الأهواء منهم، في سوق عجائبية السحر وفنون لا يفهمها إلاّ هم، لا تُعتبر معيارًا لجودة ما يكتبون.. إنّها خواطرهم المُتشاركة وكفى..".

uالشاعر خالد بن صالح
الأضواء تخرج الكاتب من دائرة الكتابة

05102521
من جهته الشاعر والناشر خالد بن صالح، يقول: "أنا كما الكاتب الإسباني مانويل بيلاس، كلّ يومٍ حين أستيقظ، أقول لنفسي: (تذكّر أن ثيرفانتس كَتَبَ 'دون كيخوته' بدون كمبيوتر، بدون لوحة مفاتيح، بدون طابعة، بدون آلة كاتبة، بدون قلم، بدون مصباح كهربائي، بدون ثلاجة، بدون قهوة مع الحليب، وبدون عصير برتقال!)".
مُضيفًا: "كتبتُ يومًا في سؤالٍ مُشابه أنّ الشاعر اِبن عزلته، رفيق العتمة والظلال العالية. أمّا كثرة الأضواء، ببهرجها وزيفها، فتُخرِج الكاتبَ من دائرة الكتابة. بحكمِ عملي كناشر، أعتقد أنّ وسائل التواصل الاِجتماعي تُساهم بلا شكٍّ في إيصالِ الكِتاب إلى القارئ، بشرطِ ألا يكون ذلك من خلال الكاتبِ نفسِه، خاصّةً مِمّن تستهويهم اللعبةُ وينخرطون في سيلٍ من العروض البهلوانية، تَصِلُ إلى حدِّ الاِبتذال وبشكلٍ يوميٍّ مُقرف".
ذات المُتحدّث واصلَ مُستطردًا: "هُناك فرقٌ شاسعٌ بين كاتبٍ مقروء وآخر مشهور، الشهرة اِبنةُ لحظتها، عابرة. في حين أنّ القراءة لا زمن لها، ولا تحدّها مساحةٌ أو صورة أو فيديو. أنا مع قيامِ الناشر بالترويجِ للكاتب، وهناك طرقٌ اِحترافية تبدأُ أساسًا بالإعلان عن الغلاف عَبْرَ مُختلف المنصّات، بنشر كلمة الغلاف، وصولاً إلى الخبر الصحافي المُفصّل المُرافق لصدور الكِتاب. يتبع ذلك مقاطع تشويقية من الكِتاب، وملصقات حفلات التوقيع أثناء إطلاقه وغيرها من التفاصيل المعمولِ بها عالميًّا. والكاتبُ يحقُ له مُتابعة العملية بمشاركة هذه الأشياء على صفحاته بلا مُبالغة".مُضيفًا: "في المُقابل، هناك ربّما وسائل أكثر نجاعةً، إذا ما نحن ثبّتنا خطواتنا في رمال الكتابة المُتحركة، فالحواراتُ والتصريحات واللقاءات سواء كانت مرئية، مسموعة، أو مكتوبة؛ هي ما يمنحُ القارئ المُتطلّب مفاتيح الدخول إلى النصّ، ومن ثمّ السعي لاِقتناء الكِتاب. تناغم هذه العناصر مع وسائل التواصل الاِجتماعي يُوسّع دائرة التلقي، إذا ما كانت البنية التي تأسّست عليها صحيحة".ذلك أنّ غياب النقاش الجاد، -كما يُؤكد بن صالح- سواء المُباشر أو من خلال خاصية التعليقات يُحجِّم مساحة تبادل الأفكار وتقبّل النقد والحوار الّذي يفتحُ أفقًا أوسع بين الكاتب وقُرّائه. كما أنّ المُجاملات هي التي تطغى عادةً في هكذا مواقف، فتظلُّ التبريكات والتهاني على غِلاف كتابٍ اِفتراضية محضة دون أن تُترجَمَ إلى مبيعات حين يصدُر. صاحب "مرثية الأبطال الخارقين" أردف قائلاً: "في ظلِّ تحجيم المسألة الثقافية برمّتها، وغياب الفضاءات الجادة والعملية وِفْقَ رؤى ومعاييرَ حداثية للترويج للكِتاب وتقريبه من مُختلف فئات المجتمع، وفي ظلّ العزلة التي نعيشها بعيداً عن العالم العربي والغربي، (جلّ دور النشر الجزائرية لا تُشارك في معارض الكِتاب الدولية ولا تُواكب التطوّرات في المجال) يبقى هذا الهامشُ نافذة مفتوحة يطلّ من خلالها الكاتب، غير المُكرّس والمُتبنّى من المؤسسة الرسمية، على قُرّائه وأصدقائه ليُطلعهم على جديده، وهو عرضة كما قلتُ سابقاً إمّا إلى مبالغات تضخم من أناه أو سخرية خفيّة تُحَقِّرها".
ثم أضاف مُوضحًا فكرته: "هناك صورة نمطية مُكرَّسة حول الكاتب وكِتابهِ في مواقع التواصل الاِجتماعي، تتطلّبُ تساؤلات جارحة في الكثير من الأحيان، وأن يقف الكاتبُ أمامها كما يقف أمام مرآةٍ لا تخفي من ملامحه شيئًا ويتساءل أوّلاً هل هذا أنا فعلاً؟ شخصيًا أحبّ أن أُشارك ما يكتبهُ الآخرون عن كُتبي، أن أنشر مواعيد لقاءات أو صور نشاطات حولها، ولستُ بحاجةٍ إلى أكثر من ذلك، كنوعٍ من الأرشفة البصرية أو تخليدًا للحظاتٍ نادرة أو مُفاجآت لم تخطر في بالي يوماً".
وخَلُصَ في الأخير إلى القول: "أختمُ بمقطعٍ من مقالٍ لـغابرييل غارسيا ماركيز بعنوان (مصائب الكاتب) يقول فيه وأنا معه: (النجاح مشجّع، وتفضيل القارئ أمرٌ محفّز، لكن هذه جميعها مكاسب هامشية، لأنَّ الكاتبَ الجيّدَ سيُواصلُ الكتابة على أية حال، وإن كان مُعدَماً، وإن لم تُبع كُتبه)".
uالكاتب والناشر رفيق طيبي
مواقع التواصل الاِجتماعي لا تلغي ولا تكون بديلًا للترويج الواقعي

05102524
في حين يقول الكاتب والناشر رفيق طيبي: "لنتّفق أوّلًا على شكل الترويج وطُرقه على مواقع التواصل الاِجتماعي، وهل هو ترويجٌ مُحترف يخدم صورة الكاتب والكِتاب أم قد يُخرّب؟ أمّا مسألة أن يكون بديلًا لترويج آخر يرتبطُ بوسائل الإعلام التقليدية، فذلك من وجهة نظري غير مُمكن؛ فأغلب وسائط التواصل الاِجتماعي ناقلةٌ لِمَا حَدَثَ خارجها: للمرور على الشاشات، وللأحداث والندوات وغيرها من الأنشطة الواقعية. أمّا كونها هي وسيلةً للترويج فيعتمد على نشر مقاطع من الكِتاب أو فيديوهات قصيرة أو صور وأغلفة لا تُلغي ولا تكون بديلًا للترويج الواقعي".
مُضيفًا في ذات السّياق: "عودةً إلى الإشارة التي قدّمتُها في البداية، يمكنُ الحديث عن كون بعض الكُتّاب قد أجادوا اِستخدام وسائل التواصل، خاصّةً الشباب الذين جذبوا القُرّاء، ولا سيّما القُرّاء غير المُكوّنين قرائيًّا في مراحل عمرية مُبكرة، والذين يسهل اِقتياد ذائقتهم نحو ما لا يكون نافعًا دومًا، بل وأحيانًا يكون رديئًا ومحدودًا".
هذا من جهة، ومن جهة أخرى -يقول طيبي-: فإنّ "كثيرًا من الكُتّاب خرّبوا صورتهم وصورة أعمالهم في ذهن المُتلقّي، وذلك من خلال سلوكات غير واعية غالبًا تُسهم في الحطّ من قيمة مُنجزاتهم بتقديم أنفسهم وأعمالهم بشكل غير جيّد، دون الأخذ بعين الاِعتبار أنّ شخصية الكاتب هي علامة تجارية أيضًا، وليس ما يكتبه فقط، وأنّ الكاتب وكتاباته يجب أن يكونا مَحلّ عناية من طرف صاحبهما، وأن تكون الأناقة السلوكية والفكرية والإبداعية ركيزة أساسية في مسار الكاتب. فلا يمكن لمن يفقد جاذبيته الشخصية من خلال منشورات ساذجة أو غير ناضجة أن يكون كاتبًا جذّابًا من حيث النصّ في أعين القُرّاء".
كما أنّ العتبة الأولى -حسب رأيه- لاِكتشاف الكاتب والتفكير في محاورة نصوصه في هذا العصر غالبًا ما تكون صفحته على الفايسبوك أو الأنستغرام أو أيّ وسيط تواصل آخر؛ وعلى الكاتب أن يدرس شكل حضوره فيه، فلا يكون مُبتذلًا أو مُكتئبًا أو غير نافع.
ومُستطردًا يُواصل قائلاً: "وهنا نُشيرُ إلى معطىً شبه غائب في حياتنا الثّقافيّة العربيّة، وهو الوكيل الأدبي الّذي يتخصّص في تسيير صفحات المُبدعين والكُتّاب الذين كوّنوا قاعدة قرائية من خلال الجهد المُستمرّ لسنوات، ولا يملكون الأدوات والرؤية الكافية لتسيير شأن الترويج، فيوكلون من يُسيّر صفحاتهم باِحترافية، وأيضًا مُرافقتهم في الأعمال الإشهارية كي لا يقَعوا في فخاخ الميديا، سواء ما تعلّق بالمواقع أو بالإعلام التقليدي".
مُضيفًا في ذات المحور: "لذلك، كي تكون الوسائطُ بديلًا مُحتملًا، فلابدّ من الوصول إلى الاِحترافية الكاملة داخلها، فتكون منافعها أكثر ومثالبها أقل؛ فهي مقارنةً بوسائط أخرى يمكن اِعتبارها خطرة ما دامت تقوم على التفاعل وحتى الاِنفعال، فقد يتعرّض الكاتب للأخطاء أو نشر النصوص المُستعجلة والسريعة، أو الاِستجابة لضغطٍ ما يفضي إلى خيارات غير محسوبة جماليًا، عكس الوسائط التقليدية التي يحضر فيها الكاتب مُحضَّرًا ومُدركًا لمخاطر التاريخ والأرشيف الّذي يدوّن مروره، وأنّ ما سجّله التلفزيون مثلًا أو الإذاعة أو أرشيف جريدة ثقافية غير قابل للمحو. عكسَ الفايسبوك والأنستغرام وتويتر وغيرها، التي جعلت منشورات كثير من الكُتّاب لا تختلف عن منشورات العامة، بل وأحيانًا أقلّ جودة منها بسبب التهافت والركض غير الواعي من أجل القبض على الإعجاب".
كما -يُؤكد طيبي، في الأخير- أنّ: "هناك كُتّابًا يحضرون بشكلٍ مُفيد وعميق ومُشجّع للقُرّاء على الاِقتراب والنهل من رؤاهم والاِنخراط معهم في الوعي الجمالي والحضاري، وهؤلاء بلا شكّ اِستفادوا من وسائط التواصل الاِجتماعي، وحاولوا جعلها بديلًا للوسائط التقليدية، لكن تبقى التقليديةُ بسلطتها القوية وقدرتها على الترويج والتبنّي هي التي تعطي اِنطباعًا أقوى لدى ملايين النّاس عن الكاتب وكتاباته؛ اِنطباعا في مخيال الجماهير يكون أصدق وأكثر تغلغلًا في نفسياتهم من اِنطباعات مواقع التواصل الاِجتماعي".
uالروائي والكاتب المسرحي محمّد الأمين بن ربيع
المبدع مطالب بمواكبـة مستجدات العصــر

05102528
من جهته، يُؤكد الروائي والكاتب المسرحي محمّد الأمين بن ربيع، أنّ المُبدع الحاذق هو الّذي يستطيع اِستثمار كلّ الوسائل للترويج لعمله الإبداعي، ويتمكن بحكمة من مُواكبة مُستجدات العصر.
فلم يعد القارئ -حسب رأيه- يقف أمام واجهات المكتبات أو أجنحة المعرض ليقتني رواية أو ديوانًا شعريًا، ونادرًا ما يقتني جريدة تُطلعه على جديد المبدعين، إنّما صار يجلس وأمامه هاتفه يظهر أمامه في كلّ حين ما يرغب فيه وما لا يرغبه، ويستعرض له منشورات ومرئيات تُرَوِجُ للكُتب والروايات بأسلوب مُشوق ويبدو عليه الاِشتغال البصري، فيطلع علينا المُبدع سواء أكان كاتبًا أو كاتبةً في بث حي أو مُسجل، يرينا أو يسرد علينا كيف كانت مراحل الكتابة والتحضير، والمصاعب التي رافقت العمل، ثم اِختيار الغلاف وتصميمه، ودهشة اللقاء الأوّل بالكِتاب.وبعد ذلك -يُضيف بن ربيع- تبدأ مرحلة التسويق الجاد الّذي يُركز من خلاله الكاتب على قراءة مقاطع من نصه أو إظهار تفاعلات القُرّاء مع ما كَتَبَهُ من خلال التعليق أو من خلال منشورات مُستقلة، وقد يُبالغ إذ لا يهمل أي تفصيل من شأنه أن يظهر تميّز عمله وجدارته بأن يكون من بين مُقتنيات القارئ.
مُواصلاً في ذات السّياق: "لا عجب أن يلجأ المبدعون إلى وسائل التواصل الاِجتماعي ليروجوا لأعمالهم، وهي التي صارت مُتاحة للجميع دون اِستثناء من المهتمين وغير المهتمين، فقد وفرت عليهم جهدًا ووقتًا كانا فيما مضى يبذلان من أجل البلوغ بالنص إلى حدود المهتمين، من خلال وسائل الإعلام المكتوبة أو السمعية أو البصرية، وهي التي لم تكن مُتاحة للجميع، بل لعلها كانت مقتصرة على فئة أوتيت حظًا وافرًا، فالمبدع الّذي كان يظهر على إحدى تلك الوسائل ليتحدث عن عمله كان حديث دائرة المثقفين التي تحيطه، وكان يحتفى به".
ومستدركًا يُضيف: "أمّا اليوم فالمبدع صار يملك دائرة أوسع تضم حسابات إلكترونية بالمئات وربّما بالآلاف تعود لقُرّاء حقيقيين أو مفترضين لعمله الإبداعي، فيتفاعل معهم ويضرب لهم المواعيد من أجل التوقيع، وقد نجد من الكُتّاب المكرسين أو حتى الجُدد الذين كَثُر مُتابعوهم من يُسند إدارة صفحته لمختص يُسَهِل عليه عملية الاِنتشار وبلوغ هدفه من الترويج لعمله".
لكن حتى الوسائل التقليدية -حسب بن ربيع- مازال لديها مريدوها مِمَن ينتظرون الملاحق الثقافية في الجرائد ليطالعوها، ويحرصون على مُتابعة الحصص الثقافية على الإذاعة والتلفزيون من أجل التوصل بجديد المُبدعين الذين يهتمون لهم ويُطالعون أعمالهم، ويتجشمون عناء التنقل من مكانٍ إلى آخر للقاء المبدع أنّى تواجد من أجل الحصول على توقيعه أو الاستماع إليه.
مِمَّا يعني -حسبَ اِعتقاده- أنّ لكلّ وسيلة ترويجية أهلها ولا يمكن أن نُقلل من شأن وسيلة دون أخرى. وخلص إلى القول: "لعلّي أرى في المُتشبثين بالوسائل التقليدية وفاءً للمُبدع ونصه، وكفاءة في التعامل مع العمل الإبداعي من منطلق كونهم قُرّاءً مخضرمين، وعلى العموم فإنّ القارئ يكون غالبًا أشبه بالكاتب في توجهه ورؤيته لذا كما يكون الكاتب يكون القارئ ولكلّ زمن آيته ولكلّ آية مريدوها".
uالروائي عبد الوهاب عيساوي
الترويج يفقد قيمته في غياب سلسلة صناعة كتاب حقيقية

05102527
يقول الروائي والكاتب عبد الوهاب عيساوي: "في السنوات الأخيرة تراجعت حِدّة الشكوى التقليدية التي كان يُعبّر عنها الكُتّاب بخصوص غياب الترويج والتسويق لكُتبهم وأسمائهم، ولم يعد الهجوم مُوجّهًا بالدرجة نفسها نحو الناشر الجزائري أو الصحافة الثّقافيّة كما كان في السابق. غير أنّ هذا التراجع في الأصوات الناقدة لا يعني بالضرورة تحسّنًا فعليًا في واقع النشر والتسويق، بل يرتبط في جزء كبير منه بصعود مواقع التواصل الاِجتماعي بوصفها بديلاً سريعًا ومرنًا عن آليات الترويج التقليدية. فَمِن جهة، منحت هذه المنصّات فضاءً واسعًا للظهور، لكنها في الوقت نفسه خلقت شعورًا زائفًا بـ(الاِنتشار) و(النجاح)، يبدأ عادةً بفضول المُتابع وينتهي عند قراءة ملخص سريع للكِتاب".مُضيفًا في ذات السّياق: "وغالبًا ما لا تتحوّل التفاعلات الرقمية (من إعجابات وتعليقات ومشاركات) إلى اِقتناء حقيقي للكِتاب أو قراءته، كما أنّ سرعة الاِستهلاك الرقمي تجعل المنشور الأدبي يُزاحَم خلال ثوانٍ بمحتوى آخر أكثر إثارة للفضول أو ينتمي إلى عالم (التريندات) والفيديوهات القصيرة، مِمَا يحدّ من أثره الثّقافي".لقد أصبحَ التعامل مع وسائل التواصل -حسبَ رأيه- ضرورة لا يمكن تجاهلها في السّياق الراهن، بل إنّ من يعمل خارجها يبدو وكأنه خارج الزمن الثقافي. ولم يعد الأمر مقتصرًا على الكُتّاب أو دور النشر بل شَمَلَ الوزارات والمؤسّسات الإدارية والاِقتصادية والثقافية، التي صارت تعتمد الفيسبوك كفضاء أوّل للإعلان عن أنشطتها بدل المواقع الرسمية. وهذا التحوّل مفهوم لأنه اِستجابة لاِنتقال الجمهور نفسه إلى هذه المنصّات.
صاحب "الديوان الإسبرطي"، واصل قائلاً: "شهدنا في الفترة الأخيرة ظاهرة نشر كُتب من طرف أشخاص يملكون جماهير واسعة على فيسبوك، تصل أحيانًا إلى مئات الآلاف من المُتابعين، وانعكس ذلك مُباشرةً على حجم المبيعات والإقبال من طرف المُراهقين والشباب. غَيْرَ أنّ أغلب هذه الكُتُب لا تستند إلى معايير كتابة محترفة، ويغلب عليها البقاء الآني مثل منشورات المنصّات: لحظات من الحماس ثم اِختفاء سريع، لأنّها غير قائمة على رؤية فكرية أو جمالية حقيقية".
ومعظمها -كما يقول- لا يُسهم في بناء معنى ثقافي عميق، ولا يرتبط برهانات الثقافة الوطنية أو بُعدها الإنساني، بقدر ما يُلبّي حاجات عمرية ظرفية، أو ينتمي إلى موجة "التنمية الذاتية" السطحية أو الكتابة الفانتازية.وأردفَ مُوضحًا: "كان يمكن لمواقع التواصل أن تكون أكثر فاعلية في صناعة الوعي بالكِتاب، لو أنّ سلسلة صناعة الكِتاب في الجزائر تعملُ بشكلٍ سليم. فالترويج ليسَ سوى حلقة ضمن منظومة تبدأ بالكاتب وتشمل المُحرّر والمطبعة والتوزيع والصحافة الثقافية وتنتهي بالقارئ. غير أنّ الواقع اليوم يُظهر فوضى واضحة، خصوصًا بعد أن أصبح الكاتب يُؤدي أدوارًا ليست من مهامه: الترويج، التوزيع، البيع". ومُستدركًا يواصل: "وهذا ناتج عن ظهور دور نشر تخلّت عن جوهر النشر، واكتفت بدور الوسيط بين الكاتب والمطبعي مقابل هامش ربحي من دون مُتابعة للأسئلة الجوهرية: هل وُزّع الكِتاب؟ هل وصل للمكتبات؟ هل قُرِئ فعلاً؟ ثم ماذا بعد أن قُرِئ؟".
مُؤكدًا بهذا الخصوص، أنّ الترويج عبر مواقع التواصل ضروري، لكنه يفقد قيمته في غياب سلسلة صناعة كِتاب حقيقية، لأنّ الهدف ليس فقط "إشهار الكِتاب"، بل ضمان وجوده وقراءته ثم الاِستفادة منه في بناء الوعي الثقافي. وخلص إلى القول: "لعلّنا نحتاج أكثر إلى مؤسسات إعلامية وثقافية مُتخصّصة تتولّى الترويج بشكلٍ اِحترافي، وتحتضن الأصوات المتفرقة، وتُعيد صياغة مفهوم التسويق الثقافي بمنهجية وتنظيم".
uالروائية والباحثة الأكاديمية فيروز رشام
مهمة الكاتب هي الكتابة والترويج لا يمنح القيمة

05102523
تقول الروائية والباحثة الأكاديمية الدكتورة فيروز رشام، من جهتها: "لقد أصبح اِستخدام مواقع التواصل الاِجتماعي جزءًا من يوميات الإنسان المُعاصر بغض النظر عن سنه ومهنته أو أية اِعتبارات أخرى، سواء من أجل ربط العلاقات وبناء الصداقات، أو من أجل الترويج للأفكار والمُنتجات بمختلف أنواعها بِمَا في ذلك الكُتُب".
وفي ذات المعطى تواصل: "ولعل ترويج الكُتّاب لإصداراتهم الفكريّة والإبداعيّة عبر منصّات التواصل الاِجتماعي قد أصبح أمرًا بديهيًا فالكُتّاب أيضًا يتواجدون في هذه المنصّات بشكلٍ مُنتظم وربّما اِستخدموها أساسًا للترويج والدعاية، وهو أمرٌ مقبول مبدئيًا لكن قد لا تكون تلك هي الطريقة المُثلى للترويج، فالكِتاب يختلفُ في آليات تسويقه عن المُنتجات الاِستهلاكية، وترويج الكاتب لنفسه لا يُعَوِض الترويج الّذي يكون من النُّقاد والمجلات المُتخصّصة والإعلام الثّقافيّ بأشكاله".
ومن جهةٍ أخرى، ترى الدكتورة رشام، أنّ "مهمة الكاتب أوّلاً وأخيرًا هي الكتابة، وقد يكون الكاتب نفسه سيئًا في الترويج أو غير مُهتم به، ثم إنّ الترويج عبر مواقع التواصل الاِجتماعي يتطلبُ وقتًا طويلاً وجُهدًا غَيْرَ هيّن من أجل فهم الخوارزميات وإتباعها بهدف تحقيق المزيد من المشاهدات والقراءات".
كما أنّ الإصرار على الترويج عبر منصّات التواصل -تُضيف المتحدّثة- قد يُسقط الكاتب في فخ الاِستهلاك السريع والرغبة المُلحة في الظهور مِمَّا قد يُسيء إليه، فجمهور السوشل ميديا فضولي لكنه سريع الملل أيضًا، وقد ينقلب على الكاتب ويجعل منه مادة سخرية فقط لأنّه بالغ في الظهور والترويج لنفسه وكُتبه.
وهنا تستدركُ وهي تقول: "العديد من الكُتّاب ليست لديهم حسابات في مواقع التواصل، ولا يُروجون لأنفسهم بأي شكلٍ كان، ومع ذلك يُحقِّقون أعلى المبيعات، تاركين تلك المهمة لأصحابها مثل الناشرين والنُّقاد والإعلاميين والقُرّاء الفعليين، وهو خيارٌ إستراتيجي أيضًا لمن يمتلك الصبر والثقة بأنّ كِتابه سيجد مكانه بين آلاف الإصدارات اليوميّة التي تصل إلى سوق الكِتاب".وتُواصل مُوضحةً: "من المُؤكد أنّ النص الجيد يُروجُ لنفسه دون تدخل من الكاتب، سواء من خلال تزكيته نقديًا وإعلاميًا أو من خلال جائزة مرموقة، لكن ذلك ما يفتقده الكتّاب في بيئتنا الثّقافيّة حيثُ يغيب دور الناشر والإعلام فيتكفل الكاتب بكلّ شيء وتلك ليست بالمهمة السهلة".
ثم أردفت: "بالتأكيد من المشروع اِستغلال مواقع التواصل الاِجتماعي للإعلان عن إصدار جديد، أو مُشاركة مقالات وحوارات حوله، وحتّى الإعلان عن الفوز بجائزة ما، لكن يجب ألا يتحوّل الأمر إلى هوس يبتلع وقت الكاتب وجهده على حساب الكتابة، فالكِتاب الجيد حتّى وإن لم يجد الترويج الكافي من صاحبه سيروجُ له الآخرون".
مُشيرةً في هذا السّياق، إلى أنّ "الشهرة في حد ذاتها ليست هدفًا يُرتجى، وعلى الكاتب ترك مسافة أمان كافية بينه وبين مواقع التواصل لأنّ الحضور المُستمر فيها يجعل صورته مُستهلكة، ويعطي الاِنطباع بأنّه يُحاول فرض نصه وبلوغ الشهرة بأية طريقة، والترويج بشكلٍ مُكثف ويومي على طريقة المؤثرين قد يجلب بعض الشهرة لدى فئة معينة، لكن سيُنَفِر فئةً أخرى، فالقارئ الأصعب هو ذاك الّذي يُوجد خارج المواقع والّذي يقتني الكِتاب فعلاً ويقرأه ويُحدِّث الآخرين عنه وقد يكتبُ عنه اِنطباعًا أو مقالاً".
صاحبة كِتاب "تاريخ النساء الّذي لم يُكتب بعد"، ترى أنّ "السوشل ميديا أداة ذات حدين، فكما تجلب الشهرة السريعة قد تُسيء لصورة الكاتب الّذي يجدُ نفسه مُضطرًا في غالب الأحيان للترويج بنفسه في غياب الدعاية الفعلية. لذا ليس عليه سوى التركيز على جودة نصوصه وجدّة كتاباته لأنّ الترويج الحقيقي لاحق ويأخذُ وقتًا أطول مِمَّا تفعله المنصّات الرقميّة".
واختتمت بقولها: "من السهل جدًا الترويج لغلاف الكِتاب كصورة، لكن لا يمكن فِعل ذلك للمحتوى في حد ذاته لأنّه يتطلبُ القراءة التفصيلية وهو ما لا تُتِيحُهُ مواقع التواصل الاِجتماعي التي قد تصنعُ من الكاتب نجمًا مشهورًا بسرعة فائقة، لكنها تعجزُ عن منحه القيمة الفنية والمعرفيّة على المدى الطويل".

آخر الأخبار

Articles Side Pub-new
Articles Bottom Pub
جريدة النصر الإلكترونية

تأسست جريدة "النصر" في 27 نوفمبر 1908م ، وأممت في 18 سبتمبر 1963م. 
عربت جزئيا في 5 يوليو 1971م (صفحتان)، ثم تعربت كليًا في 1 يناير 1972م. كانت النصر تمتلك مطبعة منذ 1928م حتى 1990م. أصبحت جريدة يومية توزع وتطبع في جميع أنحاء الوطن، من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب.

عن النصر  اتصل بنا 

 

اتصل بنا

المنطقة الصناعية "بالما" 24 فيفري 1956
قسنطينة - الجزائر
قسم التحرير
قسم الإشهار
(+213) (0) 31 60 70 78 (+213) (0) 31 60 70 82
(+213) (0) 31 60 70 77 (+213) (0) 6 60 37 60 00
annasr.journal@gmail.com pub@annasronline.com