الجمعة 5 ديسمبر 2025 الموافق لـ 14 جمادى الثانية 1447
Accueil Top Pub

كيـف نقـرأ واقــع الفلسفــة في الجزائـــر اليـــوم؟

مر منذُ أيّام اليوم العالمي للفلسفة، وهو اِحتفالٌ عالمي أُعْلِنَ عنهُ من قِبل اليونسكو ويُحْتَفَلُ بهِ كلّ ثالث خميس من شهر نوفمبر. وتمَ الاِحتفال بهِ لأوّل مرّة في21 نوفمبر 2002. في حين تَمَ اعتماده رسميًا في عام 2005، من قِبل المُؤتمر العام لليونسكو.
ويهدفُ هذا اليوم إلى تعزيز ثقافة عالمية حول النقاش الفلسفي وتدريسه في المجتمعات. ومن خلاله تؤكد اليونسكو، مدى القيمة الدائمة للفلسفة لتطوّر الفكر البشري، لكلّ ثقافة ولكلّ فرد. كما يأتي اِعتماد اليونسكو لليوم العالمي للفلسفة على أمل تحقيق مجموعة من الغايات، من بينها: تجديد الاِلتزام الوطني ودون الإقليمي والإقليمي والعالمي بدعم الفلسفة. أيضًا تشجيع التحليلات والبحوث والدراسات الفلسفية لأهم القضايا المُعاصرة من أجل الاِستجابة على خير وجه للتحديات المطروحة اليوم على البشرية. توعية الرأي العام بأهمية الفلسفة وبأهمية اِستخدامها نقديًا لدى مُعالجة الخيارات التي تطرحها آثار العولمة أو دخول عصر الحداثة على العديد من المجتمعات. الوقوف على حالة تعليم الفلسفة في العالم، مع التركيز بوجهٍ خاص على عدم تكافؤ فرص الاِنتفاع بهذا التعليم. إلى جانب التأكيد على أهمية تعميم تعليم الفلسفة في صفوف الأجيال المُقبلة. ويُعتبر اليوم العالمي للفلسفة، مناسبة سنوية وفرصة لطرح الكثير من الأسئلة حول هذا الحقل الفكريّ والمعرفيّ المُتشعب. والسؤال الّذي يمكنُ طرحه في السيّاق الجزائري: كيف يرى الأساتذة والمشتغلون في حقل الفلسفة، واقع الفلسفة في الجزائر؟، وماذا عن حضورها ونسقها في مشهد الواقع والعلوم والأدب والسياسة والحياة والثقافة؟ وما دورها في كلّ هذا، وكيف هي علاقتها بكلّ هذه التيارات والروافد والمرتكزات؟
حول هذا الموضوع، يتحدثُ بعض الأساتذة والباحثين الأكاديميين المُشتغلين في حقل الفلسفة تدريسًا وبحثًا وتأليفًا.

أعدت الملف: نوّارة لحرش

* الأستاذ والباحث بشير خليفي
لا يمكن إنكار الجهود الفلسفية المبذولة
يقول الدكتور بشير خليفي، (أستاذ وباحث في حقل الدراسات الفلسفية المعاصرة وفلسفة اللّغة والأدب): "ليس من المُمكن تجاوز الفلسفة كموقف أو خطاب فكري إزاء قضايا التاريخ والراهن، إنّنا بحاجة إلى منظومة مفاهيمية ونقدية أثناء تعاملنا مع مشكلات الحياة، هنا يجب أن نتوقف قليلاً للتأكيد على ما سماه ميشال فوكو الإبستيمي حينما تحدث عن جملة الظروف المُساندة لنشأة الخطاب المعرفي وترقيته، من منطلق أنّ الحضور الفلسفي يحتاج على الدوام إلى شروط مساندة لعل أبسطها الوعي والحرية، مِمَّا يجعل مساره ضمن مساق دالة جيبية صعوداً وهبوطاً في ظل اِزدهار للحراك والإنجاز أو تحت طائلة أزمات لعل أبرزها أزمة النهايات".وفي هذا السّياق يضيف: "يمكن القول ضمن فضائنا التداولي أنّ الحالة الفلسفية تعيش اِنتعاشًا دون أن يعني يقظة تامة، وللبرهنة على ذلك تكفي إطلالة بسيطة على إبداعات متفلسفة اليوم وعدد الأطاريح والكُتُب المؤلفة ضمن مساقات الفلسفة المُتعدّدة، زيادةً على النشاطات الحاصلة في مختبرات البحث وأقسام الفلسفة عبر ربوع جامعات الوطن. بيد أنّ ذلك لم يمنع من وجود نقائص".
صاحب "الفلسفة وقضايا اللّغة"، واصل مُستدركاً في ذات النقطة: "في الواقع لا يمكن إنكار الجهود الفلسفية المبذولة بغرض تأثيث مشهد فلسفي وإغنائه بنشاطات فكريّة ومؤلفات، هذا النمط من الحراك توّجَهُ المهتمون بيوم وطني يتمُ الاِحتفاء به في 26 من أبريل كلّ سنة، كما أوجد أيضًا الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية التي تأسست في 25 جوان 2012 بمشروع يتمحوّر أساسًا على نشر وتجذير الفكر الفلسفي النقدي في الحياة الثقافية الجزائرية".
ثم أردف مُستطردًا: "ويبقى الرهان الأكبر قدرة المتفلسفة على الإقناع بجدوى خطاباتهم، وذلك بفتح الخطاب الفلسفي وتحينيه بِمَا يتماشى والوقائع المُتجدّدة، مع الحفاظ على خصوصياته العامة، إذ لا يعقل أن يبقى التفلسف مقترنًا بالاِستدلالات النظرية الحالمة بلغة كارل ياسبرس والتي لا نجد فيها أثراً للمُمارسة، بِمَا يفرض إخراج الفلسفة من قُمقمها الإبستمولوجي والأنطولوجي والإكسيولوجي الّذي طالما ثوت فيه إلى محايثة واقع النّاس، بأن تنخرط في مجالات الحياة، فيحضر الخطاب الفلسفي بمنطق التخاصص والمُعالجة البينية المُشتركة بين الذوات ليُبرِز خصوصيته وفرادته التحليلية أثناء مُعالجة المُعضلات".
وأضاف مُوضحًا: "إنّ لكلّ معرفة فلسفتها الخاصة، فالمعرفة الأصيلة بالأدب على سبيل المثال تشترط دراية فلسفية، فالرواية بوصفها عملاً أدبيًا هي نتاج معرفي يُمتَح من التراث الفكري والحياتي المجتبى من لدن الكاتب نفسه، كما لا يمكن لأي رواية أن تخلو من موقف فكري، بل أنّ بعض الفلاسفة يرون أنّ الرواية كحالة سرد وبسط للمعرفة قادرة على اِستيعاب عديد الفلسفات ومُختلف صنوف المعرفة، عبر الشخوص المهيكلة للمدونة الروائية، حيثُ أنّ لكلّ شخصية فلسفتها وقناعتها التي يقوم الروائي المُحترف عبر واسطة الحجاج وسمت التخييل والتخليق والتعريض والمجاز إلى الإقناع، إقناع القارئ بعفوية شخوصه ومن ثمّة بجدوى كتابته". كما ينسحب الأمر -حسب رأيه- على مختلف صنوف المعرفة، لتكون الدعوة قائمة لتجاوز حالات التثبيط المؤدية للإفلاس الفلسفي لصالح فلسفات جديدة تتجاوز منطق النهايات بإيغالها الوظيفي في تاريخ المعرفة وحاضرها بغية اِستشراف المستقبل.
ولن يكون ذلك -حسب الدكتور خليفي- دون (ميتا فلسفة) أو فلسفة واصفة يكون هدفها الأساس مُعالجة أعراض المرض والأزمة ومن ثمّة البحث في تجاوز المعرفة المحنطة لصالح صور جديدة للفلسفة والفيلسوف، وذلك بخلخلة الأنماط الجاهزة، وهتك الحُجُب والاِستفادة من الأخطاء التاريخية للاِنطلاق في حياة جديدة.

* أستاذ التعليم العالي وكاتب في الفلسفة عبد القادر بوعرفة
لا مكان للفلسفة في المجتمعات العربية والإسلامية وستظل دومًا نخبوية
يؤكد الباحث وأستاذ التعليم العالي وكاتب في فلسفة الحضارة والتاريخ، الدكتور عبد القادر بوعرفة من جامعة وهران2، أن "الحديث عن واقع الفلسفة في الجزائر من الأمور التي لا يمكن الجزم فيها جزمًا قاطعًا، فكلمة واقع لها جملة من الدّلالات قد نختلف في تأويلها، فالفلسفة في الجزائر لها كيان مؤسساتي فقط، فهي بنت المؤسسة فقط، أي ليس لها أي وجود في الواقع الاِجتماعي أو السّياسي أو الاِقتصادي، بمعنى أدق للكلمة أنّ الفلسفة لا تُمارس في الجزائر كفكر وكفعل، بل هي تُمارس فقط كوظيفة تؤطرها الدولة".
ذات المُتحدث واصلَ قائلاً: "لا يعترف الشارع الجزائري بالفيلسوف، لأنّ المُشتغل بالفلسفة هو ذاته لم يستطع أن ينتزع لذاته مكانًا مثلما هو الحال في الأدب، وخاصةً الكتابة الروائية. نعترف بأنّ الفلسفة لا تجد لنفسها مكانًا في المجتمعات العربية والإسلامية، لأنّ المخيال الجمعي يربطها دومًا بفكرة الخروج عن الملة، ولعل سلوك المُشتغل بالفلسفة اليوم يزيدُ في اِتساع تلك الهوة، فنحن نقر أنّ الفلسفة ستظل دومًا نخبوية، ونخبويتها تجعلها لا تُواكب الواقع كما يأمله الإنسان العادي".
مُضيفًا في السيّاق نفسه: "إنّ أكبر عائق أمام الفلسفة في الجزائر هو المُفارقة بين الفعل والعقل، ونقصد أنّ الفلاسفة الكبار اِستطاعوا أن يُؤثروا في الرأي العام نظرًا لعدم تناقض الفعل مع الفكرة، بيد أنّنا في الجزائر نُلاحظ أنّ ما يطرحه المُشتغل بالفلسفة يُخالف سلوكه تمامًا. لقد كان اِبن رشد يُجسد النظر الفلسفي في سلوكه، كما كان ديكارت وكانط. ليست الفلسفة تلك النزعة الإباحية والحداثوية الضّيقة التي يرسمها بعض المنتسبين للفلسفة، بل إنّ الفلسفة هي اِنتماء وولاء، اِنتماء للقيم الإنسانية، وولاء للذات العارفة التي تصبو إلى الحكمة".
صاحب كِتاب "الحضارة ومكر التاريخ" يرى أنّ مُستقبل الكتابة الفلسفية في الجزائر يمكن أن يرتبط نجاحه ببعض العوامل المهمة، من بينها: (تفعيل مختبرات البحث)، إذ يمكن للمخابر الخاصة بالفلسفة، ومن خلال الإمكانات المادية المُتوفرة إنجاز بعض الأعمال الفلسفية الكُبرى.
إلى جانب: (العمل الجماعي)، إذ لا ينمو الحراك الفلسفي -حسب رأيه- إلاّ ضمن فضاء فلسفي جماعي. فالفلسفة على مر التاريخ ترعرعت في أحضان الأنتلجنسيا، فمحاورات أفلاطون تعكس العمل الجماعي أكثر من العمل الفردي، والفلسفة الجوالية الأرسطية ذاتها كانت ضمن نطاق عمل الجماعة.
مُضيفًا في ذات الشأن "إنّ ما ينقص المُنتسب إلى الفلسفة في الجزائر هو غياب العمل الجماعي، فكلّ مُشتغل إلاّ ويعمل لنفسه بنفسه، بينما نُلاحظ في دول الجوار مدى تلاحم المشتغلين بالفلسفة".
وخلص في الأخير إلى أنّ الدّول المُتقدمة تسعى إلى إنتاج النّخب نظرًا لأنّ الصّراع اليوم هو صراع فكري قبل أن يكون صراعًا ماديًا أو تكنولوجيًا. فلا يمكن للفلسفة أن تنهض خارج مجال السلطة، ولا يمكن للسلطة أن تُشجع الفلسفة وهي تُمارس ضمن فضاء الشعبوية.

* الباحث وأستاذ الفلسفة عمر بوساحة
لم ننتبه بعدُإلى أهميّة الفلسفة
يرى أستاذ الفلسفة في جامعة الجزائر ورئيس الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية، الدكتور عمر بوساحة من جهته أن الفلسفة في الجزائر: "لا تزال لم تفعل فعلها في الحياة الثّقافيّة وفي الغالب لا نزال نحن الجزائريون لم ننتبه لأهميتها في شأن الحراك الثقافي المُبدع، سواء بجهلنا لحقيقتها وهو الغالب الأعم، أو بسبب المواقف العدائية منها من طرف جمهور واسع من النخبة المُتاجرة بالدين الوارثة لفكر العصور الوسطى وثقافة عصر الاِنحطاط والتي لا تزال تحتفظ بموضوعات ومواقف الجدال التي حدثت في تلك الأزمان. حول قضايا الدين عمومًا".
ولم تنتبه -يُضيف المُتحدّث- إلى أنّ موضوعات الفلسفة ليست ثابتة مثلها مثل كلّ موضوعات المعرفة الإنسانية الأخرى.
وفي ذات الفكرة، يقول: "كانت موضوعات الدين بدون منازع هي موضوعات الجدل الفلسفي في القرون الوسطى في الإسلام والمسيحية واليهودية، كان هو المحور الثقافي المُسيطر في تلك العصور، فكان بديهيًا أن تشتغل الفلسفة على تلك الموضوعات نقاشًا وتدقيقًا وتعميقًا لتصوراتها ومعانيها، ومن الطبيعي أن يحدث هناك اِختلاف في وجهات النظر بين المتجادلين، كالّذي حدث بين الغزالي وابن رشد مثلاً والذي يجب النظر إليه على أنّه كان أحد مصادر الاِغتناء في الثقافة الإسلامية لا مصدرًا للتحييد والإبعاد أو التكفير".
ثم أردف مواصلاً: "لم تعد تلك الموضوعات هي التي تشغل بال الفلاسفة في هذا العصر على الرغم من أهمية تلك الموضوعات وعلى الرغم من أهمية التناول الفلسفي لها. فالفلسفة متطورة بتطور الحياة وموضوعاتها كذلك، وهي منفتحة دوماً على الجديد، تُجدّد موضوعاتها وتجدّد نفسها باِستمرار، وذلك حينما تجد نفسها ومناهجها عاجزة عن ملاحقة مستجدات الحياة وأسئلتها. ولنا في التاريخ لحظات حاسمة اِستوقفت الفلاسفة والفلسفة لتعيد النظر في نفسها وفي مناهجها لأنّ هاته المناهج لم تعد في مستوى مسايرة المستجدات، ولحظة (ديكارت) مثلاً و(كانط) وكذلك (هوسرل) شواهد بارزة عن هذه المسيرة المُتجدّدة في حياة الفلسفة الحديثة والمُعاصرة".
فلا يزال الطريق -حسب الدكتور بوساحة دائمًا- طويلاً أمام الفكر الفلسفي في الجزائر ليُجذر نفسه في الحياة الثّقافية للمناعة التي تبديها هذه الثقافة بسبب التراكم الطويل لتقاليد التخلف والجمود التي أفرزتها عصور الاِنحطاط وبسبب الإيديولوجيات الإسلاموية التي تُعيد إنتاج هذه العادات وهذه التقاليد.
كما -يعتقد- أنّ الدرس الفلسفي في الجزائر لا يزال هو الآخر يحتاج إلى مجهودات كبيرة معرفية وديداكتيكية تجعله يرقى إلى مستوى تطلعات المُثقف المُهتم بالشأن الفلسفي في بلادنا.
ومن جهةٍ أخرى يؤكد أنّ "مادة الفلسفة لم تعد في برامج التعليم الثانوي تمتلك تلك الأهمية التي كانت عليها فترة السبعينات والثمانينات من القرن الماضي. وقد يكون السبب الرئيس يكمن في الضعف الحاصل في تكوين المكونين وكذا طبيعة الكثير من الموضوعات التي تحتويها البرامج، والحال نفسه يمتد ليشمل الدراسات الجامعية فلا تزال مواد الفكر القديم ومواد التراث تنال حصة الأسد في وضع البرامج الدراسية. أضف إلى هذا وذاك ما أفرزته السنون العجاف التي مر بها البلد طيلة سنوات الإرهاب الأعمى".
أمّا عن الكتابة الفلسفية في بلادنا فيبدو أنّ وضعها -حسب ذات المُتحدث- "صار أفضل قياسًا بوضع الفلسفة درسًا أو في الحياة الثّقافيّة، فقد ساعدت بعض دور النشر الجزائرية (أهمها دار الاِختلاف) على نشر كثير من الأعمال الجادة لأساتذة الفلسفة في الجزائر، وهي وإن اِبتدأت بطبع رسائل جامعية في الأوّل إلاّ أنّ اِهتماماتها اِمتدت لتشمل أعمالاً أخرى ألفها جيلٌ من الأساتذة الشباب وبدأت هذه الأعمال ترسم صورة محترمة للإبداع الفلسفي في الجزائر، وأصبحنا لا نُفاجأ بوجود عناوين لنصوص مُتعدّدة في رفوف مكتبات أهم المُدن العربية كالقاهرة وبيروت مثلاً لمؤلفين جزائريين وهي تُحظى بكثير من التقدير والثناء من طرف القُرّاء العرب".
ثم واصل مُستدركًا: "لا ننسى هنا أن نُشير أيضًا إلى ما تقوم به مخابر البحث الجامعية على قلتها في هذا المجال فقد شجعت هذه المخابر اللقاءات الفكرية والندوات مِمَّا أعطى مادة بحثية جيدة طُبعت أغلبها سواء في دور نشر جزائرية أو عربية في شكل كُتُب جماعية أصبحت تمثل مراجع لا غِنى عنها للطلبة والباحثين".
واختتم بقوله: "بالتأكيد لا نزال بعيدين كلّ البُعد عن مستوى البعض من أشقائنا الذين سبقونا في هذا الميدان ولكنّنا بتصوري في الطريق لتأسيس كتابة فلسفية جزائرية مُتعدّدة الرُؤى والأطياف، كتابة علمية رصينة يمتلك أصحابها قدرات علمية متميزة بسبب تعدّد مراجعهم وتعدّد اللغات التي يقرؤون بها، وكذلك بسبب الإشكالات الفلسفية المعاصرة التي يشتغلون عليها".

* الباحث وأستاذ الفلسفة عبد القادر بودومة
يجب أن تسائل الفلسفة الراهن وتخرج من أسوار الجامعة
يتساءل الباحث وأستاذ الفلسفة في جامعة تلمسان، الدكتور عبد القادر بودومة: "كيف يمكننا أن نكون فلاسفة خارج المؤسسة التعليمية؟، من هنا يبدأ بدء التفلسف. وما يوم الفلسفة إلاّ يوم للمُتفلسفة، أي لكلّ محب للتفلسف. إنّ اليوم الفلسفي هو بدء للاِبتداء. قد يضعنا من جديد عند بدء معاودة تفكير ذواتنا، تاريخنا، هويتنا وتراثنا على العموم. إذ من غير المعقول ألا ينعطف الفيلسوف وينثني على ذاته مرّة واحدة في حياته الفكرية. ذلك لأنّ التفلسف بصر وبصيرة، دراية صارمة بالفلاسفة وبمواقفهم بكيفية كلاسيكية. هنا يكمن اِقتضاء رفض السذاجة والسطحية في التعامل مع القضايا الأساسية".
والأمر إذاً -حسب قوله- "يتطلب نوعا من الشجاعة في التفكير اليومي، الحضاري والسياسي بطريقة مفهومية. إذ وحده التفلسف قادر على حملنا إلى حيثُ الأقاصي فالتفلسف تمرينٌ وتدريب على شق الطُرق بمفردنا. فقد نفتح أقسامًا للفلسفة نُنشئُ مختبرات بحثية تضطلع على قضايا مجتمعنا الأولية، وقد نرسم خُططًا لمشاريع تعليمية. لكن وحدهُ الإيمان بالتفلسف وبأهميته التنويرية قادر على أن يُخلصنا من ظلام وظُلم الأصوليات. إذ لا تنوير، ولا إمكان لتدبير الشأن الحضاري من دون إضاءة الفوانيس لأنّ الفيلسوف هو في نهاية المطاف ليسَ من يفر من أشباحه، وإنّما من يتمسك بإنارة الأمكنة المُتواجد فيها".
مُشيرًا في هذا المعطى، إلى أنّ الهدف العام لكلّ تفلسف هو تمرين النظر على الاِنتظار قصد التمكن من فتح أُفق الأمل والاِعتبار.
مُؤكدًا أنّ الفلسفة بدأت تعرف بدء توغلها داخل المجتمع، ومؤسساته بفضل المخابر الموزعة على جامعات الوطن.
وهنا أردف قائلاً: "لقد صرنا نسمع اليوم عن مخابر تبحث وتدرس قضايا الفن، الدين، التصوّف، التنمية، التاريخ، الهوية والسياحة.. إلخ. هذا ما يعجل القول باِقتضاء السير نحو جعل الفلسفة مجالاً للمُمارسة والتمرين على التفكير في راهنية ويوميات الإنسان الجزائري. بحيثُ نتمكن مستقبلاً –أعتقد أنّه بدأ في التشكل– التخلص من التقليد الّذي حاصر ولمدة طويلة الفلسفة داخل أسوار الجامعة فمنع عنها الإبداع والإنتاج المعرفي الأصيل. جاعلة منها مجرّد درس تلقيني لطلبة يأتون إلى الفلسفة كرهًا –ضروري الاِلتفات إلى حقيقة الطلبة الذين يتم توجيههم إلى الفلسفة-".وخلص في الأخير إلى هذا التساؤل: "ما الكيفية التي تجعلنا نحيا ونعيش فلسفيًا؟ وكيف بإمكاننا جعل الفلسفة مَطلبًا عمليًا؟ إذ لا يعقل ألا يكون للفيلسوف مكانته داخل ما يطرحه الراهن واليومي الجزائري وذلك في قضايا البيئة والعمران والتناقضات الاِجتماعية المُميزة لمجتمعنا".

آخر الأخبار

Articles Side Pub-new
Articles Bottom Pub
جريدة النصر الإلكترونية

تأسست جريدة "النصر" في 27 نوفمبر 1908م ، وأممت في 18 سبتمبر 1963م. 
عربت جزئيا في 5 يوليو 1971م (صفحتان)، ثم تعربت كليًا في 1 يناير 1972م. كانت النصر تمتلك مطبعة منذ 1928م حتى 1990م. أصبحت جريدة يومية توزع وتطبع في جميع أنحاء الوطن، من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب.

عن النصر  اتصل بنا 

 

اتصل بنا

المنطقة الصناعية "بالما" 24 فيفري 1956
قسنطينة - الجزائر
قسم التحرير
قسم الإشهار
(+213) (0) 31 60 70 78 (+213) (0) 31 60 70 82
(+213) (0) 31 60 70 77 (+213) (0) 6 60 37 60 00
annasr.journal@gmail.com pub@annasronline.com