
اليوم العالمي للفلسفة، يوم قررته منظمة اليونسكو، مذكرة بالمكانة التي تحتلها الفلسفة في عالم المعرفة البشرية؛ يبدو السؤال عن طبيعة الفلسفة، التي يُحتفى بها من قبل منظمة الأمم المتحدة جوهريا، هل هي أنموذج موسع يستوعب التنوع الثقافي للإنسانية؟ أم هو مدرك من جهة واحدة، بمعنى أن البراديغم الفلسفي المفروض في الاحتفالية العالمية، ينظر إلى الصياغة النسقية والتاريخية لمفهوم واحد للفلسفة، يشكلها بحيث تستوفي في مفهوم العقلانية والإنسانية، كمرجعية كونية لمنظمة الأمم المتحدة، يجعل من الفلسفة أنموذجا غربيا؛ يكون فيه المركز سباقا للتأسيس، فما هو مضمون الفلسفة الذي تحتفي به منظمة الأمم المتحدة؟ هل يوسع أفق الحوار؟ أم يُفرض على العالم إذعانا ،كالفيتو المؤسس للإرغام من قبل مجلس الأمن؟
أد. نورة بوحناش
يكون أول انطلاق للحق في التفلسف كفعل للمقاومة، في عالم اكتسى فيه الأنموذج الغربي مقام الحقيقة المطلقة، هو السؤال عن مركب هذا الأنموذج، كيف تشكل وانطبع ، ليتكافأ فعل التفلسف مع العقلانية والإنسانية موصولين،بالثورة على الإله الإنسان؟ يستشرف السؤال توسيع الطاقة التفلسف، ويجعل للإنسانية الحق في التفكير خارج المحددات الكبرى، للقفص الغربي الذي كتب تاريخا محددا للفلسفة، وصاغ مفاهيم مؤسسة للتفلسف، وإشكاليات غربية التاريخ والمعنى، وبرمج السبيل إلى التفلسف أطرا غربية. فهل الفلسفة انضباطية، تعني أن هناك أسلوبا واحدا للفلسفة؟ أليست فلسفة مقاومة للتقليد؟ ألم يكن سقراط فيلسوفا مقاوما، مات في سبيل فكرة رائدة نقدت تقليد مجتمع بأكله؟
لنستدعي سؤالا محوريا خاصا بالثقافة الفلسفية العربية المعاصرة، ماذا قدمت هذه الثقافة للفلسفة بوصفها مشتركا إنسانيا؟ هل أمدت بأنموذج فكري يوسع أفق النقاش، ويمكن للإنسانية الاطلاع على أشكال أخرى من التفكير؟ هل الفلسفة التزام بأنموذج واحد متفرد؟ ماذا خسرت الإنسانية عندما شكلت الثقافة الفلسفية العربية، أنموذجا مقلدا وتابعا، يخدم فكرة الفلسفة المركزية والواحدة؟
بهذه المناسبة لنسأل عما هي الفلسفة؟ هل تكمن الفلسفة في مجرد استيعاب الذاكرة فلسفية لأنموذج محدد الأطر، يشير إلى بنية تاريخية وجغرافية واحدة؟ بدأت من اليونان ثم انتقلت إلى أوروبا الغربية، لماذا وُضِعَ خطًا كرونولوجيًا واحدً، يعتبر أن الفلسفة بدأت من اليونان؟ أليس جوهر الفلسفة مجاوز للعرق والثقافة؟فهي دهشة أولا، وحيرة تستوجب تفعيل النقد.
إن تحميل ذاكرة فلسفية بعينها، يحيلنا إلى طبيعة العلاقة بين الذاكرة الفلسفية، والشمولية الكليانية لظاهرة الثقافة المفروضة من المركز، مما يستوجب التفكر في طبيعة اليوم العالمي للفلسفة، وفي مضمون الفلسفة التي يقرها كأنموذج للاحتفاء، وفي المؤسسة التي فرضته على الإنسانية. هل وسعت المنظمة الأممية بهذا الخيار أفق التفكير، بحيث تمكن من نقد السياق التاريخي الذي أنشئت فيه؟ ونعني به إنشاء قوة جديدة للهيمنة بعد الحرب العلمية الثانية. هل ينفتح في أفق هذه المنظمة سؤال توسيع التداول على مجلس الأمن، بحيث لن ينحصر في الخمسة الذين هيمنوا على القرار الإنساني كصيغة أبدية تتحكم في العالم؟ هل يمكن القيام بنقاش عالمي حول الفيتو، الذي تتقدم به الولايات المتحدة الأمريكية، ضد كل المشاريع الإنسانية التي لا تتفق مع المنطق البراغماتي الأمريكي؟ماذا تعني العقلانية والإنسانية كمرجعية كونية مؤسسة لمنظمة الأمم المتحدة؟ هل تُجلي طاقة للتحكم والسيطرة، ومنطقا استعماريا يمكن من الهيمنة العالمية. لعل مشهد الحرب على غزة، يعد أتم بيان عن التشكل الكوني للقيم الإنسانية؛ التي يحملها دستور المنظمة الأممية، يحقق مناط هذه القيم، فمع غزة سقطت السردية الغربية سقوطا كاملا، والفكرة تحي الفراغ والفلسفة التي يُحتفى بها تحطمت كليا، ذلك أن الفلسفة لا يمكن أن تكون أيديولوجيا، فقدتحولت في عصور الحداثة إلى عقيدة مُلزمة، لكل من يريد التفلسف وفقا للمساحة التي يتيحها البراديغم الغربي.
لقد كشف النقاش العالمي للوضع الإنساني في مناطق الانتهاك المسلح، أن الوثائق التي تتبناها الأمم المتحدة هي كناية عن عملية صياغة أيديولوجية لدولة كونية، وبديلاً استعماريًاتابعًا لمنظومة عقدية تفرض سردية حقوق الإنسان، بصيغتها الأنوارية التي تعتبر كل حق هو حق طبيعي. فما هي طبيعة ميثاق حقوق الإنسان، ألا يُجلي سردية خاصة بتاريخ أوروبي تخلص من وصاية المؤسسة الدينية، وتطلع إلى عالم إنساني مفصول. فهل بقيت من قيمة أخلاقية لميثاق حقوق الإنسان؟
في مفهومه للأخلاق قدم البراديغم الغربي،القانون الحيوي على القانون الأخلاقي، بل اعتبر أن تحقيق الغاية الحيوية تنبني على إحالة القانون الأخلاقي نحو التأويل الحيوي، وهو ما بدى جليا في الصياغة الداروينية، وفلسفة الانسان الأعلى عند نتشه. فكيف يمكن تفسير ميثاق حقوق الإنسان، في سياق الفكرة التي تعتبر أن الأخلاق صيرورة حتمية للحياة بصيغتها البيولوجية؟
هكذا يقودنا السؤال عن اليوم العالمي للفلسفة، إلى تفعيل التفلسف باعتباره مقاومة، وإلى إثارة أسئلة أكثر قوة، فيما يخص طبيعة المؤسسة العالمية، التي جعلت في السنة يوما عالميا للفلسفة، ولتسأل عن مدى فعاليتها الإنسانية، وقبولها للتنوع والاختلاف، واستيعاب المنجز الإنساني كقيمة وثقها ميثاق حقوق الإنسان.يدفعنا هذا اليوم في التفكير في المرجعية الفكرية للأمم المتحدة، وإذا ما كان الفكر الفلسفي الأنواري، الذي رأى فيه أقطاب مدرسة فرانكفورت، سببا في الانهيار الحضاري الغربي، هو عينه المؤسس المرجعي للمنظمة الأممية. هل يمكن أن يكون الفكر الذي سبب القتل والدمار، هو من يمد بالحل للإنسانية ويعمل على استتباب السلام والأمن في العالم؟ ألم تؤدي الخلاصات الإنسانية للفكرة المؤسسة لمنظمة الأمم المتحدة اليوم، المهمة نفسها التي أدتها في الحرب العالمية الثانية؟ ألم يوقف الفيتو الأمريكي دائما السلام العالمي؟ ألم يوافق على الإبادة في غزة؟ ماذا يعني وجود هذه المنظمة على أرض الإمبراطورية الأمريكية؟ ألا تغدو وسيلة للسلطة الامبريالية؟
إذا ما تابعنا نحن أبناء الهامش، ساكني جغرافيا الاستعمار مسار الفكرة الغربية، يكون العقل الأنواري الداعي إلى الحرية ومركزية الإنسان؛ عاملا فاعلا في دخولنا إلى الاستعباد الكولونيالي، وقد فتحه هذا العقل ضد أبناء القارات الثلاث، ألم تُسْتعمر الجزائر وفقا للفكرة الأنوارية، التي تعتقد بعلو الجنس الأوروبي الأبيض، وبدونية الإنسان الملون.
إن الفوضى التي أصابت الإنسانية منذ قرون الحداثة، هي صيرورة لمنطق «أنا أفكر إذن أنا موجود»، حيث أُثبتتفي عالم الصمت الرهيب،الآخر غائبا صامتا مبعدا، أما الإله فقد حضر عقب الدليل، إنه من مخرجات تجربة الشك ونتيجة للوجود الإنساني، فكيف يمكن له بعد ذلك أن يكون حاملا للقيمة الأخلاقية؟ فهو كالعالم والبشر الآخرين صيرورة ذاتية، لا قيمة لها إلا بقدر خدمتها للإنسان سيد الطبيعة والمالك لها.
نعود إلى العالم العربي، لنستدعي سؤالا مركزيا يفتح أفق التحرر، ويكرس فعل التفلسف، ماذا قدمت الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة للفلسفة كمشترك إنساني؟ هل تمكنتهذه الثقافة، من تأسيس تقليد فلسفي يثري الحق في الاختلاف الفلسفي؟ يتيح للفضاء الإنساني العام الاطلاع على فكرة فلسفية أخرى. أم هي ثقافة مُسْتَعْمَرة روجت للأنموذج الفلسفي الذي يحفز مفاصيل العقلي الأنواري؟ هل أسست الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة فضاء يمد بأنموذج مفارق للأنموذج الغربي؛ لم يسأل المتفلسف العربي البتة، عن وضعه كمثقف مُسْتَعْمَر،عمل بعد الاستعمار على ترويج الفكرة الغربية، انطلاقا من شرط أول؛ اقصاء الثقافة الذاتية وتعويضها بفكرة الآخر، فكان وصف فرانس فانون، جلد أسود أقنعة بيضاء رمزية فائقة في الوصف المجازي، عن حال المثقف ما بعد الكولونيالي.
يدعونا اليوم العالمي للفلسفة لاستذكار تعريف الفلسفة، هل الفلسفة استيعاب لذاكرة فلسفية خاصة بثقافة أخرى؟ أم تحيل الفلسفة إلى تفكيك سلطة الذاكرة الفلسفية، التي تسكن الأنموذج المفروض، ذلك أن تحميل ذاكرة فلسفية بعينها يدعو إلى اختبار العلاقة بين الذاكرة الفلسفية المثبتة والاستعمار، فمن أجل الإجادة الفلسفية في فضاء عربي، يتميز بالقصور الإبداعي يجب تحرير الذاكرة من سلطة الأنموذج الواحد، المفروض عنوة عبر التحديث القسري، الذي يعني أن تكون تابعا للفكرة المركزية.إذا كان يثير اليوم العالمي للفلسفة كنه الفلسفة كممارسة، تستثني التبني الأيديولوجي، وتحيل على التجربة الفطرية للتفلسف، فعلينا السؤال عن طبيعة الأنموذج الذي تحتفي به الأمم المتحدة، ما هي علاقة هذا الأنموذج بالاستعمار، وسرقة التاريخ والثقافة؟ ماذا يعني إعادة إنتاج النماذج الإنسانية الأخرى، وفقا للأنموذج الغربي المهيمن.لنسأل عن الأنموذج الذي تبناه العقل العربي، عندما قرأ الفلسفة وبدأ بسؤال؛هل هناك فلسفة عربية إسلامية؟ فلم يجد سؤال الهوية إجابة، فقد تم تناوله في فضاء الوعي المصدوم، ومن ثم تتحرك الفكرة الفلسفية تحت توجيه الصياغة الكونية للفكرة الغربية، لقد وقع التحليل في سياق الأنموذج الفريد للفلسفة وهو الأنموذج اليوناني. كيف نصنف علماء التخلق في التاريخ الإسلامي؟ وقد أخرجوا نمطا آخر من التفكير الأخلاقي، لقد فكروا في السياقات الإسلامية، بمنطق أخلاقي يعتمد على قواعد معرفية ومنطقية ذات خصوصية وتميز يقبلها العقل، فهل يمكن تصنيف هذا الفكر في مدار الحق في الاختلاف الفلسفي، الذي يعني( يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوالْأَلْبَابِ ) البقرة الآية 269
ولعل ما يشهده حقل البحث الفلسفي العربي من فراغ، ليعد دليلا ناجزا عن حالة الابتلاع الذي مكن منها الأنموذج الغربي، ممدا بالمفاهيم والدلالات والبناء المضموني، لقد تحولت الفلسفة في الفضاء العربي إلى تبني أيديولوجي للفكرة الغربية وخوف من النقد، وخنوع تبجيلي لكل بضاعة غربية، هو ما بدى في تحيين العقل العربي للحلول السياسية، الاقتصادية، والمجتمعية الثقافية في كل منظومته التأسيسية، بهذا قضى التقليد الأصم والأعمى؛على كل الرهانات الحضارية، فبدى التراجع السمة البارزة، لنأخذ الحلول المتبناة، بخصوص فكرة حقوق الإنسان، حقوق المرأة، الدولة الوطنية وهلم جرا من المفاهيم ذات التأثير، على مسار الواقع التأسيسي في الفضاء العربي، لقد تعرى العقل من النقد وسار في مسارات التقليد، يجهز الإجابات فإذا بها حلا وهميا، حسب معتقدات تبناها من العسير تمثلها على أرض الواقع.
والحق أن حال الفراغ الذي يحياه العقل العربي فيما يخص طاقة التفلسف، يثير فينا فضول السؤال عن الصلة بين الاستعمار والثقافة، بين المُسْتَعْمَر والمُسْتَعْمِر، عن العلاقة بين الجلد الملون والأقنعة البيضاء؟ تُجلي الإجابة عن هذه الأسئلة الطموح لبناء مشروع نقدي بعيد عن القراءة الوظيفية، التي أنيط بها المشروع الفلسفي، في عالم عربياحتكم إلى التقليد.
تفتقد النخب المثقفة في العالم العربي الوعي الكافي بمحيطها، فلا تهمها الأسئلة الفكرية الأصيلة حيث يروج المتفلسف العربي لفيلسوف بعينه، فلا يمد بأكثر مما مد به مقلدون، يرافق المتفلسف العربي تقليد المبادرات القادمة من المركز،فما يهم المنظومة الفلسفية هو الخطاب المركزي،وهو خطاب فلسفي يتناول الوضع البشري،في وعاء كوني لتجربة التخمة، كما يتجاهل المنظور الحقيقي لظهور هذه الأزمة، التي تنبؤ بالنهاية الوشيكة للحياة ومن بينها موت الإنسان؛ الذي تعمل مخابر البيوتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لتغييره، وإحلال الآلة مكانه.