
عرف المسرح الجهوي محمد الطاهر الفرقاني بقسنطينة، انتعاشا ملحوظا في السنتين الأخيرتين، حيث عاد الجمهور لملء الكراسي بقوة مدفوعا ببرمجة غنية ومتنوعة شملت عروضا للكبار والصغار، وحفلات فنية بأسماء وازنة، وهي حركية أنعشت ليل المدينة الذي صار ينبض فنا بفضل أبواب المسرح التي لا تكاد تغلق.
لينة دلول
وأشار فنانون ومخرجون بالمسرح الجهوي للنصر، إلى أن تغييرات حدثت مؤخرا ساهمت في هذا الحراك الديناميكي الذي عرفه المسرح سواء من ناحية الإنتاج والتوزيع أو البرمجة، ذلك لأنها سمحت بتوحيد الرؤى بين فريق شاب بذهنية إبداعية متجددة. كما ذكروا أن الحضور الرقمي لعب دورا محوريا في زيادة الاستقطاب، وتعزيز التواصل مع الجمهور، ورفع نسب التفاعل.
انتعاش صنعه فنانون» نجوم» و جمهور متعطش
عروض مختلفة عرفها المسرح في الفترة الأخيرة، تمكنت من تحقيق الاستقطاب بشكل كبير جدا، على غرار مسرحية « كرنفال روماني» لمخرجتها موني بوعلام، التي توجت مؤخرا بأكثر من جائزة خلال فعاليات الأيام المسرحية العربية بسطيف.
يعتبر العمل من أجدد إنتاجات مسرح قسنطينة، وقد عرض لأكثر من مرة على ركح المدينة، وفي كل مرة كان الجمهور يعود ليملأ المقاعد كليا، مثبتا أن الأعمال الجيدة تستحق وفاءه، وأنه جمهور متعطش للفن وذواق لكل جديد، بدليل التفاعل الكبير أيضا والحضور القوي الذي حققه المونولوج الأخير لابنة قسنطينة صبرينة قريشي، بعنوان «زهية».
جمهور كبير و متنوع حضر العرض الأول للمونولوج وصنع الحدث بتفاعله، ثم عاد مجددا بنفس القوة للاستمتاع بثاني العروض مؤكدا على تعطشه لكل جيد يقدمه الركح.
من جهة ثانية، فإن عروض الطفل باتت تتم بشبابيك مغلقة كليا، بالنظر إلى حجم الإقبال الكبير للصغار و العائلات، وهي حركية افتقدتها المدينة لسنوات، لكنها عادت مجددا بفضل مسرحيات ممتعة وهادفة، ناهيك عن الدفعة القوية التي قدمتها مدرسة المسرح التي يشرف عليها الفنان صلاح الدين ميلاط.
ولم تتوقف البرمجة القاطبة على العروض المسرحية وحدها، بل إن المسرح تبنى تقليدا مهما باحتضانه لعدد من المهرجانات الموسيقية الوطنية على مدار السنة منها الإنشاد و المالوف، ناهيك عن حفلات أندلسية وكلاسيكية عديدة، صارت محطة فنية قارة لعشاق الموسيقى بقسنطينة، وفرصة لخروج العائلات ليلا و الاستمتاع بالعروض وبعث الحياة الفنية في سيرتا. وكلها عوامل شكلت مجتمعة جرعة أكسجين أنعشت الركح وأعادت إليه جمهوره، كما سمحت لفنانيه بالبروز مجددا و التحليق في سماء النجومية بعدما صارت أسماؤهم وحدها علامة على جودة العروض وصك ضمانة للجمهور. 
* مدير مسرح قسنطينة شمس الدين غرناوط
نوعية البرنامج كانت عاملا حاسما في استرجاع ثقة الجمهور
أكد مدير المسرح الجهوي محمد الطاهر الفرقاني بقسنطينة، شمس الدين غرناوط، أن عودة الجمهور القوية إلى قاعة العروض خلال الأشهر الأخيرة لم تكن صدفة، بل جاءت نتيجة تغيير شامل مس هيكلة التسيير ما وفر آليات جديدة وفعالة لإيصال المعلومة إلى الجمهور.
وأوضح المتحدث، أنه تم اعتماد مقاربة اتصال حديثة تعتمد على مختلف وسائط التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى إرسال رسائل نصية وتنبيهات عبر تطبيق «الواتساب»، بهدف دعوة الجمهور بصفة منتظمة واحترافية لحضور العروض الفنية والمسرحية.
وأشار المدير، إلى أن نوعية البرنامج كانت عاملا حاسما في استرجاع ثقة الجمهور، إذ لم تعد العروض تقدم ما لم تحمل لمسة فنية مختلفة وقيمة مضافة.
وقال في هذا السياق، بأن جمهور قسنطينة ذواق، لا يتقبل العروض الفضفاضة أو الخالية من الجودة، ولذلك تم الاعتماد على استراتيجية دقيقة في انتقاء الأعمال التي تنسجم مع ذوق المتلقي القسنطيني.
وبين غرناوط، أنه في مجال العروض المسرحية تم التركيز على مسارح جهوية معروفة بأعمالها الجادة، إضافة إلى العروض المتوجة وطنيا، مما ساعد على رفع مستوى الانتاجات المقدمة.
كما أصبح المسرح الجهوي حسبه، وجهة مفضلة لمختلف الجمعيات الثقافية والمسارح الجهوية القريبة التي تفتقر أحيانا للعتاد أو الإضاءة، حيث يقدم لها فضاء لتنظيم عروضها الشرفية، تجسيدا لمبدأ المسرح للجميع.
وفيما يتعلق بالبرمجة الفنية، كشف المتحدث أن استقطاب جميع فئات المجتمع كان من بين أهم أهداف الإدارة الجديدة، حيث خص الأطفال ببرنامج قار كل يوم ثلاثاء، وبعروض تقدم غالبا بشباك مغلق، نظرا للإقبال الكبير عليها.
كما تنظم كل خمسة عشر يوما، حفلات فنية راقية بأسماء معروفة وذات وزن على الساحة الفنية محليا ووطنيا، مثل عباس ريغي، عدلان فرقاني، أنيس بن شفرة، رضا بو دباغ وغيرهم، بهدف تقديم تظاهرات تليق بالجمهور القسنطيني.
وأضاف المدير، أن معايير اختيار العروض المسرحية تعتمد على الصدى الوطني، وتقييمات الصحافة، إضافة إلى البطاقة التقنية للعمل، إذ تلعب أسماء بعض الممثلين والمخرجين دورا في عملية الانتقاء نظرا لحكم جماهيريتها.
وتطرق المدير كذلك، إلى الوضع الداخلي للمسرح، مشيرا إلى حالة عدم الاستقرار الإداري التي عرفها في سنوات سابقة، موضحا أن الاستقرار الأخير وتوافق الرؤى بين الفريق العامل ساهم بشكل كبير في تحقيق النجاح. وقال إن فريق المسرح الذي يضم إداريين وفنانين وتقنيين أغلبهم من الشباب، يعمل اليوم بروح إبداعية وبأريحية من دون قيود تعرقل الإنتاج.
كما يتم إشراك الجميع في اتخاذ القرارات، بل وفي بعض الأحيان تؤخذ اقتراحات الجمهور بعين الاعتبار لتحسين البرامج.
العروض الفنية وعروض الأطفال ما تزال الأكثر استقطابا للجمهور
وبخصوص الإقبال الكبير على عروض الأطفال، أوضح غرناوط أن ذلك يعود إلى وعي الأولياء المتزايد بأهمية المسرح في تنمية قدرات الطفل الفكرية والسلوكية والتثقيفية، ودوره في توعية الصغير وإبعاده عن الإدمان على الهاتف أو قضاء الوقت في الشارع.
كما أن الترويج الرقمي عبر منصات التواصل لعب دورا في التعريف ببرنامج المسرح وتوسيع دائرة المتابعين. وأكد أن العروض الفنية وعروض الأطفال ما تزال الأكثر استقطابا للجمهور، بينما يبقى الإقبال على مسرح الكبار مختلفا من عرض إلى آخر، وهو بحسبه ما تعمل إدارة المسرح على تحسينه تدريجيا من خلال تجديد المضامين والرفع من جودة الأعمال المقدمة.
* المدير الفني للمسرح الفنان والمخرج كريم بودشيش
تبنينا برمجة واسعة وشاملة
من جهته، أكد المدير الفني للمسرح الجهوي بقسنطينة، الفنان والمخرج المسرحي كريم بودشيش، أن العودة القوية لجمهور المدينة إلى مسرح محمد الطاهر الفرقاني لم تأت من فراغ، بل هي نتيجة عوامل متراكبة بدأت بالتغيير الإداري الأخير وتنصيب مدير جديد اعتمد رؤية حديثة لتطوير هذا الصرح الثقافي وترقيته إلى مستوى عال من الاحترافية.
وأوضح، أن هذه الرؤية قامت على استراتيجية عمل واضحة تخص مسرح قسنطينة تحديدا، وتستند إلى توفير مفاتيح أساسية في مجال الإنتاج والتوزيع، ما سمح بإعادة بعث العمل الفني بطريقة أكثر تنظيما وجودة.
وأشار بودشييش، إلى أن الإنتاج المسرحي عرف تطورا لافتا، بدليل نجاح مسرحية كرنفال روماني، التي حصدت جائزة أحسن عرض في سطيف خلال فعاليات المسرح العربي، قبل أن تنتقل لتمثيل الجزائر في أيام قرطاج المسرحية بتونس.
وفي المقابل، تبنى المسرح الجهوي بقسنطينة برمجة واسعة وشاملة تقوم على انتقاء العروض التي تقدم على خشبته بعناية، لتكون نوعية وذات مستوى، سواء كانت موجهة للأطفال أو للكبار.
وأضاف المتحدث، أن العديد من الفرق المسرحية والفنية باتت تختار مسرح قسنطينة لعرض أعمالها الشرفية، وهو ما عزز إشعاع المؤسسة ورفع مستوى حضورها على الصعيدين الوطني والإعلامي، كما ساهم ذلك في ضمان تقديم عروض فنية ذات مستوى راق واحترافي.
وأكد بودشيش، أن هذه الحركة المتجددة خلقت ديناميكية داخل المسرح حيث أصبح الجمهور يجد مع كل زيارة برنامجا متنوعا يتضمن عروضا مسرحية، حفلات فنية، وفعاليات ومهرجانات دولية، وهذا الزخم الثقافي حسبه، ساهم في تكوين جمهور واسع بتعدد مستوياته ومرجعياته الثقافية مما أعاد الحياة إلى المسرح بشكل لافت.
وأشار المتحدث، إلى أن الجمهور اليوم أصبح يطالب بنوعية العروض وينتظر جديد البرمجة بفارغ الصبر، مضيفا:» كمخرج أشعر بفرح كبير عندما أرى التذاكر تباع بالكامل قبل العرض، وهذا يسعد الفنانين أيضا خاصة وأننا عرفنا في سنوات ماضية عروضا قدمت أمام مقاعد فارغة.
جمهور قسنطينة نوعي وذواق
ووصف المخرج، جمهور قسنطينة بأنه نوعي وذو ذوق رفيع، ما يفرض على المخرجين مسؤولية تقديم عروض بمستوى عال من حيث الإخراج النص، الأداء، والاشتغال الجمالي.
وعن الأساليب الإخراجية التي يعتمدها، قال بودشيش إنه يستلهم أعماله من التراث والتاريخ والواقع الاجتماعي القسنطيني، إضافة إلى الكوميديا القريبة من يوميات المواطن. كما يبني علاقة إبداعية مع الممثلين خلال البروفات، بهدف إنتاج محتوى يرقى لتطلعات الجمهور المتعطش للفن الراقي، سواء من حيث الإلقاء أو الحركة أو الصوت أو تقنيات الأداء. وكشف، أنه انتهى مؤخرا من إعداد مسرحية جديدة بعنوان «قطبة الباي»، تتناول سيرة الباي أحمد وأحداث سقوط قسنطينة سنة 1837، وستعرض لأول مرة يوم 11 ديسمبر بقسنطينة.
وبين أنه يفكر في إعادة بعض الأعمال القديمة التي حظيت بنجاح كبير لدى الجمهور القسنطيني، وأنه في اتصالات مع الفنان علاوة زرماني لبرمجة عروض قديمة بروح شبابية جديدة.
كما أشار، إلى أن المخرجين بالمسرح الجهوي مطالبون بإنجاز ما لا يقل عن ثلاثة عروض سنويا، مضيفا أن مسك ختام هذه السنة كان عرض «كرنفال روماني».
وأكد بودشييش، أنه يتمنى أن تكون ميزانية المسرح أكبر لفتح المجال لإنتاجات أوسع وأقوى، موضحا أن مستقبل المسرح الجهوي واعد جدا في ظل التطور الرقمي، الذي لعب دورا في تعزيز جماهيرية الركح والترويج لبرامجه.
كما أشار، إلى أن البيئة الفنية داخل مسرح قسنطينة في أحسن حال، وأن المرحلة الذهبية التي عرفها المسرح في سنوات سابقة ستعود بقوة في ظل الديناميكية الحالية.
* الممثل رمزي لبيوض
ملامح نهضة مسرحية جديدة
وحسب الفنان رمزي لبيوض صاحبة صفحة « ذوزا فن» التي تجمع المبدعين و تتبع أصداء المسارح و نشاطاتها وطنيا، فإن مسرح قسنطينة شهد خلال الأشهر الأخيرة حركية استثنائية أعادت له مكانته كأحد أهم الفضاءات الثقافية في الجزائر. فالحضور الجماهيري المتزايد، والبرمجة الثرية، والعمل التنظيمي المحكم عوامل تدفع لطرح سؤال حول ما إذا كانت قسنطينة تعيش بداية نهضة مسرحية جديدة؟
وأوضح المتحدث، أن العروض الأخيرة بالمسرح شهدت حضورا لافتا للجمهور بمختلف فئاته، وهو ما يعكس رغبة حقيقية لدى القسنطينيين في العودة إلى الخشبة ومتابعة الأعمال الفنية الحية. وقال المتحدث، إن الممثلين بدورهم عبروا عن ارتياح كبير لهذا التفاعل مؤكدين أن القاعة الممتلئة تمنحهم طاقة إضافية وتدفعهم لتقديم أداء احترافي ومسؤول.
وحسبه، فإن من بين أهم عوامل هذا الانتعاش، الإدارة الجديدة للمسرح بقيادة السيد شمس الدين غرناوط، ابن المسرح والعليم بتفاصيله كما قال إذ تم تبني منهجية عمل واضحة تقوم على إعادة تنظيم الفريق الداخلي وتفعيل التواصل مع الجمهور، وتقديم برمجة شهرية منتظمة وغنية ودعم الفرق الفنية والمواهب الشابة.
مشيرا في ذات السياق، إلى أن هذه الخطوات أعادت للمسرح روحا جديدة، ووضعت المؤسسة على سكة تليق بتاريخ هذا الفضاء العريق.
وذكر الممثل، أنه وراء الكواليس يعمل فريق تقني وفني محترف، يضم أسماء متمرسة تشكل القوة الهادئة التي تضمن نجاح كل عرض بفضل خبرة هؤلاء العالية وانضباطهم واحترافيتهم في إدارة الخشبة والصورة النهائية لأي عمل.
وحسب ما أوضحه المتحدث، فإن إطلاق الصفحة الرسمية على منصة التيك توك تحت اسم «مسرح قسنطينة TRC» كانت خطوة مفصلية في انتشار أخبار المسرح، لكون الصفحة ساهمت في إيصال البرنامج للجمهور بسرعة، خصوصا فئة الشباب، ما خلق علاقة مباشرة وحديثة بين المؤسسة والمتابعين.
برمجة ما يقارب 40 عرضا خلال شهر ديسمبر
وقال المتحدث، بأنه في سابقة من نوعها أعلن المسرح عن برمجة ما يقارب 40 عرضا خلال شهر ديسمبر، تجمع بين عروض مسرح الطفل وعروض مسرح الكبار، وفقرات فنية وتنشيطية، وهي خطوة تعكس طموحا كبيرا في تنشيط الحياة الثقافية بالمدينة وجعل المسرح فضاء يوميا للعائلات.
ولكي تستمر هذه النهضة بالمسرح قال المتحدث، بأن الطريق يبنى علىالمحافظة على جودة التنظيم، ومواصلة الترويج الاحترافي، واحتضان الفنانين والفرق، والاستماع إلى الجمهور، وتجديد المحتوى باستمرار
موضحا أن مسرح قسنطينة اليوم، لا يعيش مجرد نشاط ظرفي، بل بداية حقيقية لحركة مسرحية جديدة.