الجمعة 5 ديسمبر 2025 الموافق لـ 14 جمادى الثانية 1447
Accueil Top Pub

أكاديميون وكتاب يجيبون: لمـاذا يتهافتـــون علــى كتابــــة الروايــــــة؟

يشهدُ المشهد الأدبي منذ سنوات تهافتًا كبيرًا ولافتًا لكتابة الرواية، إذ أضحت معظم الإصدارات التي تقدمها دور النشر في فئة الرواية، فهل هو تهافت صحي وطبيعي ويخدم الرواية؟، أم أنّ من بين الأعمال التي تصدر لا صلة ولا علاقة لها بالرواية بتاتًا غير ما يُعْلن على صفحة الغلاف، وبالتالي لا ينبغي أنْ ننخدع بِمَا نشهده من تهافت على الكتابة الروائية. ولماذا لا نجد في مقابل هذا التهافت، ما يُسمى بالتريث، أو محاولة الاِجتهاد أكثـر من أجل كتابة روائية ناضجة، لا تعاني من ضآلة المحتوي الفكري والأدبي واللغوي، ولا من غياب فنيات الكتابة الروائية التي يتميّز بهذا النوع من الكتابة الأدبية. وهل هذا التهافت نحو الرواية وكتابتها ورواجها الكبير، ساهمت فيه مؤسسات الجوائز الأدبية؟،

أعدت الملف: نوّارة لحرش

وبالموازاة هل -حقًا- هناك مؤسسات أخرى قدمت صورة وهمية أوحت للقُرّاء أنّ هذا زمن الرواية فقط فهب الخلق إلى كتابتها، كما يقول الدكتور العشي؟ أم سببه أي (التهافت) غياب لجان القراءة وسهولة النشر وسرعته دون ضوابط فنية وأدبية تحفظُ ماء (أغلب) النصوص الروائية؟ حول هذا الشأن، "واقع وحال الرواية الجزائرية. أو ظاهرة التهافت على كتابة الرواية"، كان ملف عدد اليوم من "كراس الثقافة"، مع مجموعة من الكُتّاب والنُقاد الأدبيين، وقد اِختلفت وتباينت الآراء، لكنها تلتقي وتتقارب في الكثير من النقاط والمحاور.

* الباحثة والناقدة آمنة بلعلى
الرواية ليست في أزمة والإقبال على كتابتها طبيعي
تتساءل الباحثة والناقدة الدكتورة آمنة بلعلى: "كيف يمكن أن يُنظر إلى واقع الرواية الجزائرية؟ وكيف يمكن تفسير ما يدعيه البعض من وجود أزمة في الرّواية، هل هي مشكلة هذا الكم الهائل من الروايات التي تصدر كلّ يوم، أم أنّ المشكلة مرتبطة بطبيعة تخصّصات من يكتبها، وهل هي مشكلة خاصّة بضرب قوانينها عرض الحائط، وبالحرية التي وفّرتها وسائل الإعلام والاِتصال الجديدة للاِنخراط في هذا الشكل الأدبي؟ أم هي كلّ ذلك مجموعًا في شكلٍ مُركّب مُتعدّد الأبعاد؟".

وتواصل في ذات السّياق: "لا شك أنّ الرواية الجزائرية اليوم، شأنها في ذلك شأن الرواية في الوطن العربي، ومع التسابق نحو الجوائز التي تُرصد لها، إلى جانب سقوط سياج الرقابة، تشهد رواجًا منقطع النظير، باِعتبارها نصًا مُنفتحًا، فهي تستجيب للحاجة الطبيعية إلى الحكي التي لازمت الإنسان عبر العصور، وستظل تُلازمه. وعليه، لم تكن الكُثرة في يومٍ ما دليلاً على وجود أزمة، بقدر ما كانت دليلاً على تشكّل ظواهر إبداعية جديدة، وحدوث تحوّلات في الظاهرة الثّقافيّة، اِستجابةً لحاجيات معرفية وجمالية تفرضها ظروف تاريخية واجتماعية معينة".
مُشيرةً إلى أنّ "التسليم بالقول إنّ الرواية في خطر أو ليست بحال جيدة، ليس سوى حنين مُضاعف لعصر الإيديولوجيات التي أنتجت الفن الروائي ذاته، يُنصِّبُ فيه الناقد نفسه كحارس للحدود في عصر سقطت فيه كلّ الأقنعة، والإيديولوجيات والسرديات الكُبرى، ذلك أنّ ما يبدو أزمة لدى البعض، قد يكون مُؤشرًا إيجابيًا لتجاوز السياجات التي تُؤمّن لكنّها تُقنّن عملية الإبداع والاِنخراط في صناعة الفعل الثقافي".
وهنا أردفت تقول: "صحيح أنّنا نشهدُ، وخاصّةً مع مطلع الألفية الثالثة، ظاهرة التهافت على نشر الرّواية، وعدم التريث، وضآلة المحتوى الفكري، والضُعف اللغوي، وغياب الرؤية، وبساطة البناء وعدم القدرة على إنتاج عوالم تخييلية جديدة، وشهدنا صعود المرأة الكاتبة بقوّة، باِسم تمثيل الوعي المُختلف بقضية المرأة، على الرغم من أنّ الكثيرات من الروائيات لم يُطوّرن الوعي بهذه القضية، ويتجسد ذلك في طبيعة الكتابة الرّوائية لديهن، وقد جعلن منها تمثيلاً واِستعادةً للنّسق الذكوري، والاِنزواء في المنطقة الضيّقة من الإبداع، هذا مع بعض الاِستثناءات المشرّفة".
وفي ذات السّياق تُضيف: "إنّ المظاهر السلبية المُذكورة آنفًا، تعكسُ واقعًا، وهي نتائج وأعراض لظاهرة، لن تزول إلاّ بتعديل الأسباب التي أنتجتها، ويبقى الحديث عن الأزمة حديثًا مكرورًا، يمكنُ سحبهُ على أشكال ثقافية وفنية أخرى، ومثلما نتحدث عن أزمة في الرّواية، يمكن أيضًا أن نتحدّث عن أزمة في الشّعر وفي النقد وفي السينما والمسرح وغيرها، فوراء هذا الظاهر، باطنٌ خفي، هو حالة الإحباط الثقافي، التي جعلت الروائيين يبدعون في المساحات الضيقة وبأقل قدر من التخييل".
ثم تستدركُ قائلةً: "لكن هذا لا يدفعنا إلى التعميم والتنكّر، فهناك روائيون جزائريون كِبار يحملون مشاريعهم كصخرة سيزيف، لهم من الاِستراتيجيات ما يجعلهم يعبّرون عن نزوع نحو إعادة صياغة نمط الوجود المُنمّط الّذي كان قبل العشرية السوداء، ومُساءلة الوجود الضائع الّذي أفرزته سياسة الإقصاء والتهميش والتدجين وآفة الإرهاب. وهم يستقون آلياتهم من المخيال الجديد الّذي بدأ يتشكّل في العالم المُعاصر وفي ظل ثقافة العولمة".
وفي الأخير خلصت إلى القول: "ليست مشكلة الرّواية الجزائرية، في الرواية، ولا في الروائيين الذين يدخلون الرّواية من خارج الأدب، فتلك مسألة أثبت التاريخ عكسها، فأغلب الروائيين العالميين، دخلوا الرواية من تخصّصات لا علاقة لها بالأدب، وأصبحوا روائيين بعد ما كتبوا الرواية، كما أنّ كتابة الرواية ليست وظيفة حكرًا على إنسان دون آخر، ولا يمكن أن تُقارن بوظيفة أخرى؛ لأنّها وسيلة في التعبير، تعكس تمثلّاً خاصًا للعالم والذات، هو الرؤية المجازية، فالرواية، ليست بحثًا أكاديميًا ولا تاريخًا ولا فلسفة، إنّها تستوعبُ كلّ هذا لتمنح صاحبها اِمتلاك هذه الرؤية المجازية التخييلية وقد صار مُثقفًا حقيقيًا".

* الناقد والكاتب مخلوف عامر
من الرواية ما يمكث في الأرض ومنها فقاقيع لا تلبث أن تنطفئ
يقول الناقد والكاتب الدكتور مخلوف عامر، من جهته: "إنَّ الرواية وقد نالت هذه الشهرة الواسعة، فإنَّه من الطبيعي أن تتَّجه صوْبها الأنظار أكثر من سواها، وتنال الحظ الأوْفر من النقد والاِنتقاد، فإذا قِيل إنَّها ليست في الطريق الصحيح، فهو اِنطباعٌ تعميمي قد لا يكون مصدره –فيما أقدِّر- أكثر من مجرّد اِحتمالات: فإمَّا، أنَّ هناك فنّاً أو فنوناً أخرى في الكتابة صارت تُزاحمها وهو الأمر الّذي لم يحصل إذا ما اِستثنيْنا وسائل التواصل".

وإمَّا، أنَّ حظَّها من المقروئية -كما يُضيف- يسير إلى تراجع -وهذا يحتاج إلى سبْر دقيق- فضلاً عن أنَّ التراجع في الإقبال على الكِتاب ظاهرة عامة لا تخصُّ الرواية وحْدها، وإمَّا، أنَّ حظَّ الكتابة الروائية من الإبداع قليل، مِمَّا يستوْجب الاِطلاع على أكبر قدْرٍ من النصوص قبل إصدار أيِّ حكم.ثم يستطردُ قائلاً: "إذا ما اِستحضرنا تجربتنا في الكتابة الروائية بالعربية، فإنَّها قصيرة بالقياس إلى غيرها، بحيثُ تُقارب خمسة عقود بدءًا من سبعينيات القرن الماضي. وإنَّ الذين أقْدموا على خوْض هذه التجربة يكادُ معظمهم أنْ يكونوا عصاميين، لأنَّهم -وإنْ تعلَّموا في منظومة تربوية- إلاّ أنَّ القائمين على هذه المنظومة لم يْهْتدوا إلى طرائق بيداغوجية تُحَبِّب الأدب للمُتعلِّمين ناهيكم عن أنْ تُمرِّنهم على الكتابة الإبداعية".
وهنا يستدركُ مُوضحًا: "لقد اِستطاع الكُتَّاب أن يتخلَّصوا من التوجُّه المضموني الصارخ الّذي فرضته مرحلة تاريخية ساد فيها التقاطب بين معسكريْن، وشاع فيها مفهوم الاِلتزام، لينتقلوا منذ ثمانينيات القرن الماضي إلى مراجعة الإرث السابق والعناية بأدبية النص، وإن كانت الفترة السابقة نفسها لا تخلو من ومضات فنية لدى هذا الكاتب أو ذاك".
مُضيفًا في ذات الفكرة: "إنّها فترة العودة إلى الذات الكاتبة، وإنّها -وإن هي جنحت في كثير من النماذج نحو الضبابية والتهويم الّذي لا ينمُّ عن فكرٍ عميق- إلاّ أنّ نصوصًا عديدة تميَّزت باِصطناع أرقى التقنيات بدءًا بالاِشتغال على اللّغة وخلخلة التسلسل الزمني والأسلوب الساخر وتوظيف التراث بوعي تاريخي لافت وانتهاءً بالتحليق في عوالم من التخييل -بِمَا فيها الخيال العلمي- لتنتشل النص الروائي من التقريرية والتسطيح. وهي مظاهر تلتقي فيها مع أرقى الكتابات العربية".
وأردفَ مُوضحًا أكثر: "لقد مضى حينٌ من الدهر ظلَّت فيه الأسماء المُكرَّسة تُهيْمن على المشهد الأدبي، غير أنّنا إذا ما اِقتصرنا على مطلع الألفية الجديدة، سنكتشف مجموعة من الكُتَّاب -ذكورًا وإناثًا- يُثْبتون تميُّزهم بجدارة. إذْ يمكن أنْ نتبيَّن من خلال نماذج كثيرة، كيف أنَّ بعض الكُتَّاب يتميَّزون بلغة أدبية راقية ويختارون عناوين مُثيرة ويُطعِّمون نصوصهم بدرجات مُتفاوتة من التخييل ويُوظِّفون أدوات مُستحْدَثة تُكْسِبُ النص عناصر من التشويق وتُؤكِّدُ قدْرًا من الموهبة لا تُخطئه العيْن. لذلك يلتقي في النماذج المقصودة كُتَّاب من أعمار مُختلفة، ومن فترات مُتباعدة، لكنَّ كُلاًّ منهم قد شَقَّ لنفسه طريقًا مُغايرًا".
وفي الوقت ذاته، -يُؤكد الدكتور عامر- لا ينبغي أنْ ننخدع بِمَا نشهده من تهافت على الكتابة الروائية، إذْ ما أكثر الأعمال التي لا صلة لها بالرواية غير ما أُعْلن على صفحة الغلاف.
وإذا كان هذا التهافت -كما يقول- قد أدَّى إلى تراكم في الإنتاج الروائي، فإنَّ التراكم –لا محالة- يفرز عناوين مضيئة. فيوم كان الشِّعر يتصدَّر المشهد الأدبي، عاش إلى جانب المتنبِّي عشرات من الشعراء، اِختفى أغلبهم في كهوف التاريخ كالخفافيش، بينما ظلّ المتنبي يُطالعنا على صهوة جواد لا يكل.
صاحب "ألوانٌ من الحَكْي" اِختتم بقوله: "والرواية -بدورها- وإن كانت تجتذب الموْهوبين والمدَّعين معاً فمنها ما يمكث في الأرض، ومنها فقاقيع لا تلبث أن تنطفئ، كما هي طبيعة الأدب في سائر العصور، وتبقى حاجتنا مُلِحَّة إلى مُمارسة نقدية مهما تكن قيمتها، لننتقي من بيْن هذا الركام نصوصًا تُبشِّر بمستقبل واعد وهي موْجودة بالفعل لا بالقوة، ما يدفعنا إلى الاِطمئنان لحال الرواية".

* الكاتب والناقد محمّد الأمين بحري
حكواتيون استباحوا الرواية
يُؤكد الكاتب والناقد الدكتور محمّد الأمين بحري، أنّه لم يحدث أن اِنهارت الكتابة الإبداعية شعريّة أو نثريّة في أي بلدٍ كان، ولن يحدث ذلك إن كُنا واعين بطبيعة الكتابة في كلّ جنس. لأنّ الإشاعات التي صارت رجراجة على كلّ لسان بأنّ الكتابة الروائية هزلت وتميعت لَمَا كَثُر كُتابها لا تدل على خلل في الرواية بل على خلل على مستوى الوعي بطبيعة الكتابة الأدبية في الحياة الثّقافيّة.

وبشيء من التفصيل يضيف قائلاً: "إنّ عدم الوعي إشكالٌ مزدوج وموزع بين بعض الفئات من الكُتّاب والقُراء: فلدى بعض الكُتّاب هناك من ركب القطار الخطأ فوصل إلى الوجهة الخطأ، حينما ظن بعض راكبي الموجة بأنّ تقليد الأسماء المكرّسة إعلاميًا سيوصلهم إلى ما وصل إليه هؤلاء من اِحتفاء وجوائز وامتيازات، وهذه الفئة الاِنتهازية جعلت من الكتابة وسيلة وليست غاية في حد ذاتها، الشيء الّذي توّلد عنه وهمٌ آخر، حينما ساد الظن بأنّ السوق كاسدة، فاستخفوا بالكتابة وظنوها أمرًا سهلاً في متناول كلّ من له القدرة على التعبير، وحسبوا أنّ الأمر مجرّد بوح شاعري بالعواطف والأشجان، ولعب على شاعرية اللّغة واختلاق قصص عاطفية وشحنها بالمأساة، دون أن يمتلك هؤلاء آلة الكتابة، وفنون التجنيس، نتيجة غياب القراءة التي ستغيب بسببها ثقافة الكتابة والتخييل. ومع ذلك تراهم يُسارعون إلى النشر بكلّ اِستخفاف، دون التفكير أو اِحترام لقيمة ما يكتبون".والمُحصلة هنا -يُضيف المتحدّث- هو دخول جماهير غفيرة من الحكواتيين وجدوا أنفسهم غرباء في نوع أدبي لا يتقنون لغته، ثم أصبحوا يتصايحون بأنّ أعمالهم لم تُقرأ ولم تأخذ حظها من النقد، وهذا ما سميناه ركوب القطار الخطأ وبلوغ المحطة الخطأ.
وهذا الأمر -يُؤكد بحري- لا يُسيء أبدًا للرواية لأنّ ما يُكتب باِسمها لا ينتمي إلى جنسها من الأساس حتى ولو كُتِبَ على صفحة غلافها مائة كلمة رواية، فإنّ النص سيكشف أصالة العمل من زوره..
والنوع الثاني -حسب الدكتور بحري- "من غياب الوعي خاص ببعض الفئات القارئة، التي تحسب كلّ حكاية هي رواية، وقد ساهمت فيه بعض المطابع التي تسحب شهريًا كناشات بحجم الكف بــــ60 و70 صفحة من القطع الصغيرة، وأخرى مجموعة خواطر يتم الترويج لها عبر دور نشر تبيعها بالحزمة، التي لا تكلفها ثمن رواية حقيقية، ثم تُعلن للقُرّاء بأنّها الرواية الأكثر مبيعًا على الإطلاق. وتُروجها في مواقع التواصل الاِجتماعي، فتحسب الجماهير حديثة التجربة بالقراءة بأنّ ذلك صحيح، لكن سيسقط كلّ ذلك البهرج مع أوّل قارئ واعٍ بأصول الرّواية مع وضع سطرين تحت كلمة قارئ".مُشيرًا في هذا السّياق، إلى أنه "ما كان لهذا الوهم أن يروج لدى المثقفين وحتى لدى الأكاديميين لو كان كلّ من يكتب في جنس محترماً له ولنفسه، ولو كانت هناك سياسة نشر تفرض لجانا رقابية متعدّدة الاِختصاصات في كلّ دار نشر (لجان قراءة مُتخصّصة ومُدققون لغويون). لو كان هذان العاملان متوفران، لاندثر نصف ما يُروج اليوم في السوق التي كلّما اِتسعت، كلّما راجت بها البضاعة المغشوشة".
واستطرد مُوضحًا: "الحقيقة أنّ الفرق بين الأصيل والزائف جلي لدى القُرّاء إلاّ في حالة غياب الوعي بأصول الكتابة الأدبية. وهُنا لا بدّ من توضيح أمر جوهري هو أنّ كلّ الحكايات مُمتعة، حتى وإن لم تُحْسِن اللّغة. لأنّ الحكواتي لا يلتزم بضوابط المعايير الصارمة للغة والتعبير، بل عليه فقط إبلاغ متعة الحكاية للسامع. وهذا ما عَزّزَ سوء الفهم". ففي العادة -كما يعتقد المتحدّث- "كلّ متلقِ سيعجب حتمًا بجانب من جوانب الحكاية أو بالحكاية برمتها، لكن هل يسمح هذا الإعجاب بالحكاية أن نصنفها في جنس الرواية؟ هذا ما لا تسمح به حدود الجنس وآليات بنائه التي لولاها لَمَا تميز عن سائر الأجناس".
وفي الأخير خلص إلى القول: "يجدر بنا توضيح نقطة مفصلية بين السرد والرواية، وهي أنّ السرد إطار عام يملكه الجميع متعلمون وأميون وعوام، باِعتبار أنّ كلّ من نَطَقَ بحكاية فقد سردها، لكن الرواية هي تمفصل نوعي وخاص داخل فضاء السرد، أي هو نوع من التركيب الأجناسي المُتعدّد الاِستراتيجيات والبُنى بحسب كلّ نوع روائي على حِده، فمثلاً السرد الواقعي لا يشترك في آلياته مع السرد العجائبي، ولا يُقاسم السرد الذهني ولا التاريخي ولا الأسطوري.. وبالمُقابل نجد لكلّ من تلك الروايات تقنياتها وحدودها داخل مجرة السرد التي يملكها كلّ حي ناطق مبين".

* الشاعر والناقد عبد الله العشي
الرواية ليست بخير ومؤسسات الجوائز وراء التهافت عليها
يرى الشاعر والناقد الدكتور عبد الله العشي، أنّ ثمّةَ أوهامٌ تصنعها حول الأدب مؤسسات إعلامية أو مالية أو سياسية، أو خليطٌ يجمعها جميعًا، وتُشكلُ عنه صورة هي أقرب ما تكون إلى سلعة من السِلع، والغريب أنّ هذه الأوهام تجد صدى قد لا تجده مُنجزات المؤسسات الأكاديمية المُختصّة.

ومُواصلاً في ذات السّياق، يقول: "انظر مثلاً مؤسسات الجوائز كيف فرضت على القُرّاء أدباء معينين وموضوعات وكتابات معينة، دون أن تكون تلك بالضرورة مؤهلة لتحتل ذلك المقام وتنال تلك القيمة، وانظر كيف اِستطاعت مؤسسات إعلامية أن تُعدل توجهات الكُتّاب والباحثين وتقلبهم ذات اليمين وذات الشمال، وأن تصنع أساطير وتصوّرات خيالية حول الأدب. ومن هذه الأوهام وتلك الأساطير ما صنعته حول الرواية، فمقولة (زمن الرّواية) واحدة من تلك الأساطير، فالرّواية لها حدودها التي تتحرك في فضائها ولها وظيفتها ضمن سياق المعرفة البشرية ولا يمكن أن تكون بديلاً لأي شكل أدبي".
ومُستدركًا يُضيف: "لكن هذه المؤسسات قدمت صورة وهمية أوحت للقُرّاء أنّ هذا زمن الرواية فقط، فهب الخلق إلى كتابتها، يكتبها الروائي المُحترف، ولكن يكتبها أيضًا الإعلامي والمُعلم والمُؤرخ والسياسي وأستاذ النحو ورجل الدين والفيلسوف وعالم الاِجتماع وعالم النفس ومن لا ينتمي إلى أي عِلم وغيرهم من الذين ليسوا أدباء أصلاً، لكن جلال الرواية المُصطنع اِستهواهم وجرهم إليها جرًا".
مُؤكدًا هنا، إلى أنّ "العيب ليس في الرواية لكن في هذا الوعي الشقي الّذي تَشَكَلَ حول الرواية، وفي هذه الاِنتفاضة التي حركتها موجهات لا صلة لها بالأدب، والأغرب أن يتخلى بعض الشعراء والقصاصين عن شِعرهم وقصصهم ويلتحقوا بــ(مجتمع الرواية) الّذي تحكمه سلطة ذات طابع ديكتاتوري".
ذات المُتحدّث أردفَ ببعض الاِستطراد: "ونظرا لهذه الأوهام، ولهذه الهبة الروائية، فإنّنا نجد أنفسنا أمام روايات هي إمّا قصص قصيرة اِستعجلت الأمر وأرادت أن تُحلق في عالم الرواية، وإمّا أنّها حكايات لم تبلغ الرشد بعد، وإمّا أنّها سير شخصية وتخييلات ذاتية لا تكفي موضوعاتها ورؤيتها لأن تكون رواية، وإمّا أنّها سرد تاريخي لم يتمكن بعد من أن ينتشل شخصياته وأحداثه من ثقل التاريخ، وإمّا أنّها حكايات محدودة الرؤية هي أقرب إلى الخواطر منها إلى العمل الروائي. وحتى الأعمال الروائية التي أثبتت شخصيتها وحضورها غالبًا ما تُراهن إمّا على الكم القائم على إسهاب سردي لا ضرورة له، وإمّا على السير وراء خطى روايات شهيرة، وإمّا على موضوعات هي من اِنشغالات تلك المؤسسات الكُبرى المُوجهة للأساطير الأدبية، موضوعات مثل التسامح والحرية الدينية والحوار الثقافي والعولمة الثقافية وغيرها".
واختتم قائلاً: "لم يعد الروائيون، إلاّ قلة، لا يُضيفون إلى الرواية إلاّ عبئًا يُثقل كاهلها وقصورًا أسلوبيًا يُشكلُ خطرًا عليها، الرّواية ليست مُجرّد سرد لأحداث فقط، بل هي مشروع فكري وفلسفي واجتماعي يتخذ من الأحداث والشخصيات وسيلة له يتجسد من خلالها، وهذا ما ينقص أغلب الروايات الآن فهي تكتفي بالبنية السطحية وبنظام السرد وتتجاهل الرؤية الفلسفية والجمالية التي تُؤسس لها، لذا فالرواية ليست بخير ولا يمكن أن تكون شعبيتها الحالية دليلاً على صحتها بل هي دليل على أزمتها، كما أنّ ما يُكتب عنها لم يُقدم إلاّ القليل بسبب نمطيته وتكراره".

الرواية بين الجوائز والعالمية
بقلم: عبد الحميد بورايو
للجوائز دورٌ في تشجيع الكتابة الروائيّة، وفي نشرها على نطاقٍ واسع وترجمتها للغات الأجنبية، ولفت اِنتباه النُقاد لها. يتوقّف هذا الدور عند هذه الحدود. أمّا عالميّتها فهي شأنٌ آخر، يتعلّق بمدى قدرتها على فرض نفسها في سوق صناعة الكِتاب وفي الوسائط الثّقافيّة المختلفة، وكذلك في مدى مقروئيّتها في مختلف اللُغات. وهو أمرٌ يعود إلى مدى اِستجابتها للذوق العامّ العالميّ وتحقيقها لشروط الكتابة الروائيّة المطلوبة في هذا النوع من الإبداع الأدبي. وهي شروطٌ يصعبُ اِكتشافها إذا لم تتوفّر الإحصائيات الصحيحة المُتعلّقة بالمقروئية وبردود فِعل النقد الأدبيّ في مُختلف اللُغات.

في المقابل تخضعُ الجوائز الأدبية لوجهات نظر قوميّة وقطريّة، قد تعكس الرأي العام الأدبي في قطرٍ معيّن أو في لغة قوميّة معيّنة، وهي وجهات نظر لا تكون بالضرورة عالميّة، وبالتالي يكون الوصول إلى العالميّة مرهونًا بشروط أخرى غير الشروط القطرية والقوميّة. يتولّى الإشراف على الجوائز عادةً أفراد من النخبة القوميّة أو النخبة القطريّة تختارهم المؤسسة الثّقافيّة الرسميّة يكونون عادةً من النُقاد والمبدعين في مجال الكتابة الروائية، يكون للمؤسسة الرسميّة دورٌ في اِختيار هؤلاء الأفراد، وبالتالي هم لا يمثّلون أفضل العارفين بشروط الكتابة الروائيّة وكثيرًا ما يكونون غير مطلعين على الكتابات الروائيّة ذات القيمة العالميّة، وبالتالي قد لا تكون اِختياراتهم متطابقة مع شروط عالمية الرواية. بالإضافة إلى أنّ عوامل اِختيارهم قد لا تكون لها علاقة بعمق معرفتهم في مجال الكتابة الروائيّة أو باِطلاعهم على الرواية العالميّة، وهو ما يُقلّل من حظوظ تطابق خياراتهم مع ما يطلبه القارئ في مُختلف لُغات العالم.
تخضعُ الجوائز عادةً للتوجيه السياسي والثقافي الّذي تفرضه المؤسسة الرسمية عادةً، ويكون أعضاء لجنة التحكيم خاضعين لنوع من الرقابة، إن لم تكن صادرة عن الجهة الوصية، تكون ذاتيّة، ولاءً للجهة التي اِختارت الشخص الْمُحَكِّم. في نفس الوقت تتحكم في اِختياراتهم ميولاتهم الشخصية وإيديولوجياتهم ومواقفهم ومدى جدّيتهم في القراءة والحكم، وكذلك المدة الزمنية المُخصصة للقراءة الجادة وللفرز، وخاصةً في المراحل الأولى.
بناءً على ما سبق، لا يمكن أن تكون الجوائز عاملاً أساسيًا في جعل الرواية ذات قيمة عالمية، بالنظر لِمَا ذكرتُه سابقًا، وبالتالي يصبحُ من باب الوهم القول بذلك. تتوقّف عالميّة الرواية على مدى إدراك كاتب الرواية المتمرّس للبُعد الإنساني في العمل الأدبي، ولِمَا تتوفّر له من فُرص الكتابة في لغة منتشرة بين شعوب معروف عنها أنها تقرأ ما يُكتب في لغتها، وفي ما يُتَاحُ له من ترجمة لروايته في لغات أخرى، إلى جانب تمثّله لفنّ الكتابة الروائيّة في تراكماتها عبر العصور، ومن خلال أبرز نماذجها في مُختلف الآداب واللُغات، إلى جانب تعبيره عَمَّا هو مشترك مع الإنسانيّة في مجتمعه المحلّي. وهي شروطٌ قد لا تُراعى عادةً في الجوائز الأدبيّة ذات الطابع القومي أو القطري.
هكذا تكونُ الجوائز عاملاً مساعدًا للتشجيع على الكتابة وعلى تراكم الإنتاج القطري والقومي. أمّا الطموح إلى عالميّة الرواية فيتطلّبُ شروطًا أخرى، قد تتجاوز ذلك، وقد يتمّ تحقيقها قبل نيل الجوائز.

آخر الأخبار

Articles Side Pub-new
Articles Bottom Pub
جريدة النصر الإلكترونية

تأسست جريدة "النصر" في 27 نوفمبر 1908م ، وأممت في 18 سبتمبر 1963م. 
عربت جزئيا في 5 يوليو 1971م (صفحتان)، ثم تعربت كليًا في 1 يناير 1972م. كانت النصر تمتلك مطبعة منذ 1928م حتى 1990م. أصبحت جريدة يومية توزع وتطبع في جميع أنحاء الوطن، من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب.

عن النصر  اتصل بنا 

 

اتصل بنا

المنطقة الصناعية "بالما" 24 فيفري 1956
قسنطينة - الجزائر
قسم التحرير
قسم الإشهار
(+213) (0) 31 60 70 78 (+213) (0) 31 60 70 82
(+213) (0) 31 60 70 77 (+213) (0) 6 60 37 60 00
annasr.journal@gmail.com pub@annasronline.com