الاثنين 19 جانفي 2026 الموافق لـ 30 رجب 1447
Accueil Top Pub

اِنتظار يتجول في المحطة

شعر: عبد الرحمن بوزربة
يَمرُّ القطارُ
وتبقى المحطةُ
ينصرفُ الناسُ - كُلٌّ إلى جهةٍ-
وغداً يتكرّرُ ما كانَ
تأتي التفاصيلُ مُغايرةً ربّما
ربّما يلتقي عاشقانِ
فينصرفانِ معاً ويَعودانِ مُنفردَينِ..
سيكتبُ نصفَ قصيدَتهِ شاعرٌ في الرصيفْ
وقد تمطر الآنَ
يسقطُ ثلجٌ كثيفْ
كثيفٌ كثيفْ
إلى أنْ تتوقّفَ بعض الخطوطِ
وتنقطعَ الكهرباءُ
ولكنها ستعودُ إلى حالها
مثلما ستعودُ جميع النقاطِ إلى أوّل السطرِ والشمسُ قد لا نراها
ولكنْ ستُشرقُ من نفسِ أعلى البنايةِ
ثمُّ -وقدْ لا نراها-
ستغربُ في الموعد الساحليِّ
كما ألفَ المائلون على غصنِ أغنيةٍ
في المقاهي العتيقةِ
لا شيء يخطرُ في بال بائعة الورد ِ
-إذ يَعبرُ الناسُ-
غير تواريخِ أعيادِهم
علَّ ما ماتَ من وردِها في يديها
سيُزهرُ في وحشةِ البيت يومًا
ويُطعم من حولها قُبّراتٍ ثلاثًا
وبُلبلَ قلبٍ وحيدًا
على عَجلٍ يتعلّم كيفَ يطير وكيف يحطُّ
وكيف يخبِّئً في ريشهِ شجرًا وهزارْ..
ولا شيءَ أيضًا سيفتحُ عين «أبي شنَبٍ»
إذ يبيع التذاكرَ في نصفِ إغفاءةٍ
غير وصولِ القطارِ الأخيرِ الأخيرِ
ليرجع للبيتِ ليلاً
ويمنح غفوتَهُ نصفَها المُتبقِّي..
سَيغرقُ في نوبةٍ من سُعال مُقيمٍ
ويلعنُ ريح الصباحِ وبرْدَ الزقاقِ
وصاحبَ «كشْكِ» المحطّةِ
وهو يبيع السجائرَ للعابرينَ إلى حتفِهم
ويُشيّعُهم للمتاهةِ
من أوّلِ الليلِ حتى فُلولِ النهارِ..
***

يمرُّ القطار..
وتبقى المحطّةُ ما بقي المتشرِّدُ في رُكنهِ
لا يرى أحدًا ويرى كلَّ شيءٍ
ويعرفُ أفضلَ من ساعةِ الحائطِ الوقتَ
والذكريات..
سيشهدُ أنّ اِنتظارًا مُمِلاًّ تثاءبَ
من كثرة الاِنتظارِ
وعادَ إلى الظلِ خالي الوفاضِ
وأنَّ رجالاً كثيرين خانوا نساءً
وخان الرجالَ النساءُ الكثيراتُ أيضًا
وكان يُعدِّل جلستهُ لليمينِ
وحينًا يُغيّرُها للشمالِ
بحسْبِ اِتجاه القطارِ
وكم عبثًا يفعلُ الأن
فالنازلونَ كما الصاعِدين اِختفوا مُسرعينَ
وما التفتوا لا لليمينِ ولا للشمالِ..
سيأكلُ هذا المساء كما اعتادَ
من خُبز خيبتِهِ وينامْ ..
هو الآن ليسَ وحيدًا تماماً هنا
مثله مثل كشكِ الجرائدِ
ما عاد يقصدُهُ أحدٌ
فالحوادثُ كلُّ الحوادثِ مألوفةٌ غيرُ مُدهشةٍ
يستوي أن كلبًا بها عَضَّ أو عُضَّ
فالخبَرُ الخبرُ الآن
أنَّ قطارَ الظهيرةِ قد يتأخَّرُ
مثل قطار الصباحِ
ومثل قطار المساءِ
فيَخلِفُ موعدَهُ رجلٌ غامرٌ صوبَ سيدةٍ
ليقول لها :
اتكئيٍ يا صباحي الجميلَ على مدْرج القلبِ
كي يَعبُرَ الوقتُ أسرع مِمَا نُريدُ
دعي الأرضَ تخطيءُ في الدورانِ
لنقفِزَ من سورِ مدرسةِ الحيِّ
نحو البراري الفسيحةِ
واستمعي لصهيلِ المياهِ معي
لنموتَ ونحيا معاً مرّتينِ..
دمي صوتُ ما في عُروقِكِ
فانتبهي ليديكِ
وأنت تُريدينَ نثْرَ البلابلِ في غابةِ الصمتِ
سوفَ نسيلُ إذا ما جَرحتِ الأصابعَ
سوف نسيلُ إلى آخر القطراتِ
وتكتبُ عنّا جرائدُ صفراءُ مُهمَلةٌ
داخلَ الكشكِ.. كشكِ المحطةِ:
كاناَ غَبَيَّين جدًّا
حبيبيْن أكثرَ مِمَا تحبُّ المدينةُ
لعلّهُما أسرفَا في الحياةِ
لعلّهُما أتقنا الاِنتحار..

***
خبرٌ بارزٌ آخرٌ سيظلُّ شريدًا وحيدًا
على عتبةِ الحانِ..
دون اِنتباهٍ من الخارجين سُكارى
من الدّاخلين سُكارى
ولا شيء يُغري المدينةَ بالصحوِ
تخسر نافذةً كلَّ يومٍ
وتربحُ خلفَ الجدارِ جدارًا جديدًا..
ولا شيءَ خلف الجدارِ الجديدِ
سوى شارعٍ ضاعَ
ضيَّع أسماءَ من عبَروهُ
ولم يشربوا قهوةً في زواياهُ
لم ينظروا خِلسةً لحبيباتهم في شقوقِ السطوحِ
لم يستريحوا على مقعدٍ مرّةً
يرصدون الفراش الحثيثَ إلى الضوء
ما التَفتُوا للعصافيرِ تنهضُ من نومها باكرًا
تنقُر الشمسَ ..
ما تركوا خلفَهم غير رنينٍ بعيدٍ بعيدٍ
ومرّوا سراعَا
تنادوا إلى غيمةٍ في السّماءِ
ومرّوا تِباعَا
ولم ندرِ من خجلٍ أَنَقول لهم مرحبًا
أم نقولُ لهم
يا طيور بلادي وداعًا وداعَا..

***
سَيمرُّ القطارُ..
وقد يتوقّفُ أو يكملُ السّيرَ في عَنَتٍ
غيرَ مُكترِثٍ بالمحطةِ
حيثُ ينام المسافرُ أو يتأفّفُ
أو يتحسّسُ جِلدَ حقيبتهِ
أين خبّأَ في فرحٍ بدْلةَ الحفلِ
أو حفلةَ الحلمِ
أو ورقًا لثُبوت الهُويّةِ
فُستانَ عرسٍ لزوجتهِ
إذ تُزغردُ في دمهِ الآنَ
أو خيبةً لفّها ربُّ شِرْكتهِ بقرارِ الإقالةِ
أو ضَحكاتٍ لأطفاله الخمسِ
قايَضَها بثلاثِ سنينٍ مُعفّرةٍ بالغبارْ ..

***
على مقعدٍ آخرٍ تجلسُ امرأةٌ
في اِنتظارِ قطارِ الجنوبِ
قُبالةَ سِربِ بناتٍ يُرِدنَ قطارَ الشمالِ
تَحدّثنَ في صخبٍ
وضحكنَ بلا سببٍ
فنمَا في يديها خريفٌ صغيرٌ
وشاركَها السنديانُ البكاءَ..
وكان قطارٌ سريعٌ يمرُّ إلى جهة الغربِ
من جهة الشرقِ هبّتْ رياحٌ ورملٌ
مضى رجلٌ في طريق الغبارِ
إلى المقعدِ الخشبيِّ
ولم يجدِ امرأةَ الأربعينَ ولا السّنديانَ
وسِرب البناتِ اِختفى
فاكتفى بالضياعِ إلى آخرِ اللانهاياتِ
كان وحيدًا
قريبًا من الاِنتماءِ إلى عدمٍ
- لا أريدُ الإقامةَ في الخوفِ قالَ ..
أريد الرحيلَ إلى جهةٍ لا تشيخُ بها الذكرياتُ
وأجلسُ في أيِّ ركن أريدُ
وأشربُ حتى الثّمالةِ مِمَا أريدُ
وأبكي كأني خسرتُ يديَّ
وأضحكُ حتى يُقال لهم جُنَّ
أو أنَّ قردًا تمرّغَ فيَّ
وأمشي إليَّ كأنّيَ أمشي إلى الآخرينَ
وأسْخرُ من شكلِ ظلّي كما شئتُ
أكتبُ شِعرًا إذا ما استطعتُ
وأختارُ ما يشبه القلبَ من مُفرداتٍ
لأكسِرَ إيقاعَ ما تدَعيه الرياحُ
وأفتحَ آخرَ زرٍّ بقُمصانِ ليلي البهيمِ
فتكشِفُ عن ساقِها لُغتي
كي نفُكًّ طلاسمَ هذي الخريطةِ
نسرقُ ضوءًا من الضوءِ
نقتسِمُ الظلَّ في الظلِّ
ثم نسيرُ معا واضحيْنِ
ونفضحَ هذي المرايا الصقيلة
قالَ..
وانطفأتْ كلُّ أضواءِ بهوِ المحطّةِ
هَرولةٌ وصُراخٌ
زجاجٍ تكسّرَ
نارٌ تريد الوصولَ إلى طابقٍ
جسدٌ يتسلّلَ من جسدٍ
وجرادٌ بعيَنينِ جاحِظَتيْنِ..
خرابٌ خرابْ..
في قطار الذهابْ
خرابٌ خرابْ..
في قطارِ الأيابِ.

***
كانَ يعرفُ بائعُ كشكِ التذاكرِ
بائعُ كشكِ السّجائرِ
بائعةُ الوردِ والمُتشرِّدُ
وامرأةُ المقعدِ الخشبيِّ قُبيْلَ العزاءِ
وما أخطأَ الموتُ من ذكرياتِ الجهاتِ
وسِربُ البناتِ
بأنَّ قطارًا سيعبُرُ بعدَ قليلٍ إلى جهةٍ ما
ويعرفُ أنَّ الجرائدَ بعدَ مرور القطارِ
ستكتبُ: كان قطارًا قديمًا
وتكتبُ :كان قطارًا جديدًا
وتكتبُ: كان قطارًا قديمًا جديدًا
وتكتبُ: كان قطارًا قديمًا جديدًا بلا عرباتٍ..
وأنَّ الجرائدَ في الكشكِ كالأمسِ
صفراءُ مُهملةٌ..
والمحطّةُ تلكَ الجديدةُ مثلَ القديمةِ:
يجتمعُ النّاس فيها ويفترقونَ
ثم يَنصرفونَ إلى كسلٍ في الظهيرةِ
أو يتبعونَ الفراشَ الحثيثَ إلى الضوءِ
مُنهزِمين أمام القصائدِ
مُنتصِرينِ كما الشعراءِ
وفي الحالتينِ تقيمُ السّماءُ الولائمَ للأرضِ
والأرضُ سيّدةٌ في الحالتينْ.

آخر الأخبار

Articles Side Pub-new
Articles Bottom Pub
جريدة النصر الإلكترونية

تأسست جريدة "النصر" في 27 نوفمبر 1908م ، وأممت في 18 سبتمبر 1963م. 
عربت جزئيا في 5 يوليو 1971م (صفحتان)، ثم تعربت كليًا في 1 يناير 1972م. كانت النصر تمتلك مطبعة منذ 1928م حتى 1990م. أصبحت جريدة يومية توزع وتطبع في جميع أنحاء الوطن، من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب.

عن النصر  اتصل بنا 

 

اتصل بنا

المنطقة الصناعية "بالما" 24 فيفري 1956
قسنطينة - الجزائر
قسم التحرير
قسم الإشهار
(+213) (0) 31 60 70 78 (+213) (0) 31 60 70 82
(+213) (0) 31 60 70 77 (+213) (0) 6 60 37 60 00
annasr.journal@gmail.com pub@annasronline.com