الاثنين 19 جانفي 2026 الموافق لـ 30 رجب 1447
Accueil Top Pub

القاصة والروائية جميلة طلباوي للنصر: الاِنتباه إلى ثيمة الصحراء في الرواية الجزائرية جاء متأخرًا


ترى القاصة والروائية والإعلامية جميلة طلباوي، أنّ الصحراء أغرت الإنسان منذ البداية بفك شفراتها، فحاك حولها الأساطير وظلّت في مخياله المكان المسكون بالعجائب والغرائب. وعن حضور الصحراء في الروايات والقصص. وهل تكاد تكون فضاءً وثيمة. تعتقد أنّ بإمكان المُتابع للمشهد الأدبي أن يُلاحظ بأنّ الاِنتباه إلى ثيمة الصحراء في الرواية الجزائرية جاء متأخرًا. أو جاء بعد أن ظهرت أقلام من الجيل الجديد من أبناء الجنوب.

حوار: نوّارة لحرش

وبهذا الخصوص، تؤكد طلباوي، أنّه ربّما من الضروري المقارنة بين الرواية التي كُتبت بأقلام أبنائها، وبين الرواية التي كتبها الزائر لهذه الفيلسوفة المدهشة الصحراء. لكنها وفي ذات السّياق تشيرُ إلى أنّ الإبداع لا يتجزأ حين يتعلّق الأمر بثيمة مفتوحة على الأسئلة المُوغلة في الغموض، في الوجع كما في الجمال.
يُذكر أنّ للكاتبة والإعلامية، جميلة طلباوي مجموعة من الإصدارات، منها مجموعة شِعرية بعنوان  «شظايا» صدرت عن منشورات الجاحظية العام 2000. وفي القصة صدرت لها: «وردة الرمال» 2003، «شاء القدر» 2006 عن الجاحظية أيضًا، «كمنجات المنعطف البارد» 2013 عن منشورات فيسيرا. وفي الرّواية: «أوجاع الذاكرة» عن اِتحاد الكُتاب العرب بدمشق 2008، و»الخابية» التي صدرت عن منشورات المؤسسة الوطنية للنشر والإشهار 2014. «وادي الحنّاء»، 2017 عن منشورات ميم. «قلب الإسباني» 2018 عن دار الوطن اليوم. «الغار: تغريبة القندوسي» 2021 عن دار خيال للنشر والترجمة، و»كنزة» 2024 عن دار خيال أيضا. كما لها كِتاب حوارات بعنوان «تواشيح» في جزء أوّل من سلسلة حوارات متنوعة مع بعض الشخصيات الأدبية وستليها طبعة أخرى ثانية تضم حوارات أخرى مع أدباء جزائريين وعرب.
الصحراء ظلّت في المخيال المكان المسكون بالعجائب والغرائب
تحضر الصحراء في رواياتك وقصصك. وتكاد تكون فضاءً وثيمة. ما الّذي يمكنك قوله عن الصحراء هذا الفضاء أو هذه الثيمة؟
جميلة طلباوي: الصحراء هذا الفضاء المُمتد بمفازاته وبأسراره، يرعبك بالاِمتداد الرهيب لرمله وكأنّه المالا نهاية، ثمّ يسلّمك لدهشة المكان، للواحة المستترة خلف عرق الرمال والكثبان الشامخة الجبّارة بنخيلها الزاهي بسعفه الأخضر المُثقل بعراجين التمور الشهيّة، يشدّ سمعك خرير الماء في السواقي، ويتحسّس أنفك رائحة الطين في التربة الخصبة النّدية، وكأنّك لم تعش لحظة الخوف من صمت الرمال والقفار.
إنّها الصحراء التي أغرت الإنسان منذ البداية بفك شفراتها، فحاك حولها الأساطير وظلّت في مخياله المكان المسكون بالعجائب والغرائب، وبالجان والمخلوقات الغريبة. الصحراء مهبط الأنبياء وملهمة الشعراء العرب في الجزيرة العربية، وهي التي تحدث عنها الفيلسوف الكبير نيتشه في كتابه «هكذا تكلّم زرادشت»، فقال: «ذلك زمان عشقت في الصحراء غادتي الشرق.. فهناك سماء غير هذه السّماء، لا تتلبد فيها الغيوم، ولا تعكر أديمها الأفكار... إنّ الصحراء تتسعُ وتمتدُ فويلٌ لمن يطمع إلى الاِستيلاء عليها.... يا للمهابة!! يا لبداية تليق بمهابة الصحراء، تليق بأسد أو بنذير يهيب بالنّاس إلى مكارم الأخلاق، إنّها لروعة. يا للعجب، أراني راكعا أمام الصحراء، ولكنّي عنها جد بعيد، لم تبتلعني الواحات الصغيرة، بل اِنفرجت أمامي، كأطيب الثغور نكهة، فارتميتُ فيها. أنّني أمجد تلك اللوحة، فأنا قادمٌ من أوروبا، أشدُّ العرائس جحودًا».
الاِنتباه إلى ثيمة الصحراء في الرواية الجزائرية جاء متأخرًا
هذه الصحراء في نظر الفيلسوف نيتشه. فكيف هي في نظر الكاتب الجزائري؟
 تمامًا هذه هي الصحراء في نظر الفيلسوف الكبير نيشه، إنّها فضاء ممتدّ ملتف بالغموض والأسرار إلاّ أنّها كفيلة بمنح الإنسان الطمأنينة المنشودة، هي مرتبطة أيضًا في نظره بالجانب الروحي، بالصلاة، بالركوع للقوّة الخارقة التي أوجدت هذا الوجود أو على الأقل هي أنبل في نظره من قارّته الأمّ أوروبا. أمّا كيف نظر الكاتب أو الروائي الجزائري للصحراء التي تُشكل نسبة كبيرة من مساحة الجزائر؟
فأعتقد أنّ بإمكان المُتابع للمشهد الأدبي أن يُلاحظ بأنّ الاِنتباه إلى ثيمة الصحراء في الرواية الجزائرية جاء متأخرًا، أو لنقل جاء بعد أن ظهرت أقلام من الجيل الجديد من أبناء الجنوب تُسافر بكتاباتها خارج حدود الجغرافيا التي كثيرًا ما تخنق ابن الجنوب وتجعله مكتويًا بجمر الرمل أو تجعله نسيًا منسيًا.
ثمّ ماذا لو فكرنا في المقارنة بين الرواية التي كُتبت بأقلام أبنائها، وبين الرواية التي كتبها الزائر لهذه الفيلسوفة المدهشة الصحراء، أم أنّ الإبداع لا يتجزأ حين يتعلّق الأمر بثيمة مفتوحة على الأسئلة المُوغلة في الغموض، في الوجع كما في الجمال؟
هناك من كَتَبَ عن الصحراء من منطلق الزائر لها أو المُقيم المُؤقت أو من سمع عنها وعن خوارقها
هل يمكنك ذكر كُتّاب حاولوا تناول الصحراء في كتاباتهم وأبدعوا في هذا التناول؟
جميلة طلباوي: يعدّ الروائي الحبيب السايح من أهمّ الروائيين الجزائريين الذين تناولوا ثيمة الصحراء خاصةً في روايته «تلك المحبة»، وهو لا ينأى كثيرًا عن نظرة نيتشه للصحراء، هو أيضا يجد فيها الفضاء الخارق للعادة المكتنز لأسرار الوجود، يعدك بالخوارق، ويكبّلك بما هو غير مرئي وفوق قدرة الإنسان. وكلاهما، (أي نيتشه والحبيب السايح) كَتَبَ عن الصحراء من منطلق الزائر لها أو المُقيم المُؤقت أو من سمع عنها وعن خوارقها.
أيضًا الروائي رشيد بوجدرة تناول الصحراء في روايته «تميمون» على أنّها المكان الّذي يُحقّق لنا متعة السّياحة، متعة أن يكون ملاذًا نَعبره ولا نستقرّ فيه، هي نظرة الكاتب الزائر للصحراء التي كانت في فترة دموية مرّت بها الجزائر ملاذًا للعديد من الجزائريين الذين كانوا مُهدّدين بالموت على يد آلة الإرهاب الأعمى، ليستكشف فيما بعد ما تتوفر عليه من جمال أخّاذ وأكثر من ذلك أنّها «جزيرة سلام» وهذا ما يقوله الروائي على لسان بطله في رواية «تميمون».
أمّا الأديب عز الدين ميهوبي فكانت نظرته للصحراء اِستشرافية من خلال روايته «اِعترافات أسكرام» التي اِختار لها فضاءً مكانيًا مدينة «تامنغاست» اِنطلاقًا من فندق أسكرام الّذي يُشيّده رجل أعمال ألماني تخليدًا للراهب الفرنسي شارل دوفوكو ويُقيم فيه حفل اِعتراف، أمّا الفضاء الزماني فأراده في المستقبل وبالضبط في العام 2040م، وكأنّي بالكاتب يودّ أن يرسخ فكرة أنّ الصحراء هي الملاذ وسط هذا الخراب الّذي يعيشه العالم من حروب وأزمات بين الدول والأمم، تمامًا مثلما رأى فيها شارل دوفوكو ملاذًا فاختارها مكانًا للاِعتكاف وانكبّ على تعلّم لغة الطوارق وعاداتهم وتقاليدهم، وأكثر من ذلك قام بتأليف قاموس للمفردات وقواعد اللّغة الأمازيغية طُبع بعد وفاته في أربع مجلّدات.
هناك روايات تناولت الصحراء وحاولت فيها الاِنتصار للهوية الجزائرية
هذا عن الصحراء في روايات زائريها من الروائيين. فكيف تناولها برأيك أبناؤها الذين ولدوا وعاشوا فيها؟
جميلة طلباوي: لنرجع إذن إلى أوّل رواية كُتبت في الجنوب الجزائري إن لم نقل في الجزائر نُشرت في العام 1936 باللّغة الفرنسية تحت عنوان «مريم بين النخيل» للروائي الجزائري اِبن الصحراء الجزائرية محمّد أغا المعروف بمحمّد ولد الشيخ، والّذي وُلِدَ بمدينة بشار بالجنوب الغربي الجزائري في 23 فبراير 1906، كَتَبَ روايته إبّان الاِحتلال الفرنسي وبلغة المُحتل. محمّد ولد الشيخ لم يكن معنيًا كثيرًا بخوارق الصحراء وأساطيرها وهو اِبنها الّذي سَمَعَ من الخوارق والحكايا من جدّته ومن كِبار السن، لكنّه كان معنيًا بواقع الصحراء دون فانتازيا، دون خيال لا يُغني ولا يُسمن من جوع الجنوبي الّذي يُعاني المرض والفقر والجهل في ظلّ مُستعمرٍ غاصب، والّذي اِنتبهَ مُبكرًا لهذا الآخر الّذي اِستوطن رمله وكَدَّرَ صَفْوَ مياه سواقي الجنان، هذا الآخر الّذي يَختلفُ عنه دينيًا. يُحاول محمّد آغا في هذه الرواية الاِنتصار للهوية الجزائرية بخلق ذلك الصراع في إطار الزواج المشترك بين جزائرية مسلمة وفرنسي مسيحي وتكون ثمرة هذا الزواج أنثى التي هي «مريم» بطلة الرواية بكلّ ما يحمله اِسم «مريم» من رمزية مُشتركة بين المسيحيين والمسلمين، وذَكَر هو أخوها «جان حفيظ».
ميلاد «مريم» وأخيها «جان حفيظ» يُشعل فتيل الصراع بين الزوجين الأمّ المسلمة والأب المسيحي حول نمط التربية، فكلّ منهما يودّ أن يغرس تعاليم دينه في نفس أبنائه، اِنتصر الوالد الفرنسي ورضخت الأمّ الجزائرية، لكن تتطوّر أحداث الرواية ليختار الروائي قتل الأب الفرنسي، وفي هذا الاِختيار إشارة إلى رغبة الروائي ككلّ الجزائريين في التخلص من الاِستعمار الفرنسي الّذي جاء ليطمس هوية الشعب الجزائري. ويختم محمد آغا روايته باِنتصار اِختيار الأمّ للتربية على قيم الدين الإسلامي بعد وفاة الزوج الفرنسي المسيحي فتتزوج مريم من رجل مسلم ويتزوج أخوها جان حفيظ من امرأة مسلمة. وفي اِختيار هذه النهاية تعبيٌر عن وجهة نظر الروائي محمّد آغا الّذي تلقى تعليمه في مدارس المُعمّر الفرنسي، لكن ظلّت راسخة فيه التنشئة الأولى في الكتاتيب والزوايا التي هي المُلقن الأوّل للهوية الجزائرية آنذاك والتي ناضل الشعب الجزائري للحفاظ عليها، وهي التي تخرّج منها قادة الثورة التحريرية الجزائرية الكُبرى التي اِندلعت في غرّة نوفمبر. من هنا بدأ إخفاق المُستعمر الفرنسي في الصحراء الجزائرية حسب رواية «مريم بين النخيل». إنّها نبوءة الروائي الجزائري اِبن الصحراء في ثلاثينيات القرن الماضي محمّد آغا.
الروائي الجزائري الجنوبي شديد الاِلتصاق بالصحراء
لكن الأسماء الحالية أو المعاصرة، خاصةً من كُتّاب الجنوب، -ربّما- هي أكثـر اِلتصاقًا بفضاء وثيمة الصحراء؟
 هذا صحيح. مثلاً، هناك روائي من نفس المدينة الجنوبية والتي هي مدينة بشار يُؤكّد هذا الاِلتصاق للروائي الجزائري الجنوبي برمله وصحرائه إنّه «عبد الحفيظ بن جلولي»، من خلال روايته «وعلى الرمل تبكي الرياح». أيضًا هناك روائي آخر يطل علينا من مدينة أخرى في الصحراء الجزائرية وهي مدينة أدرار، إنّه البروفيسور حاج أحمد الصدّيق المعروف بــ»الزيواني» من خلال روايته «مملكة الزيوان» ليحمّلها أسرار مدينته الجنوبية بسرد مشوّق لعادات أهلها، وقدرة الرجل التواتي العجيبة في الاِنسجام مع الطبيعة القاسية بفضل عقله المُفكر وسواعد أبناء المنطقة التي لا تكلّ عن العمل، الزيواني اِبن البيئة الصحراوية التي ربطها القدر بكلّ ما هو عجائبي وغيبي يرتكز في سرد روايته على مخطوط عتيق من زاوية سيد البكري بمنطقة تمنطيط بأدرار عثر عليه الراوي وقام بتحقيقه ونشره.
لعلّ مدينة أدرار كانت الفضاء الأكثر حظّا عندما يتعلّق الأمر بالرواية
يبدو أنّ «أدرار» أكثـر مدينة جنوبية حاضرة في الرواية الجزائرية؟
ربّماـ أو لعلّ مدينة أدرار كانت الفضاء الأكثر حظّا عندما يتعلّق الأمر بالرواية، فهذا روائي آخر يكتب روايته ويختار لها كعنوان «تنزروفت» وهو اِسم أحد أقاليم ولاية أدرار، إنّه الروائي عبد القادر ضيف الله، الّذي يكتب في هذه الرواية عن بُؤس الجنوبي الّذي ظلمته الجغرافيا فعانى التهميش والبطالة والتصحر ليس في الطبيعة القفار في تنزروفت فقط وإنّما التصحر في المشاريع التي تُعطي فرصة العمل للشباب وآفاق للحلم، وفضاءات للترفيه في مدينة تتوفر على كلّ المؤهلات لتصير جنّة فوق الأرض. عبد القادر ضيف الله كأيّ إنسان لا يمكنه الهروب من قدر الصحراء المرتبطة بالعجائبية. وتبقى الصحراء تُمارس غوايتها على كُتّاب الرواية مثلما مارستها على الشعراء والقصّاصين لأنّها الفضاء الّذي يبتلعك ليلفظك حكاية من حبرٍ ووجع.

آخر الأخبار

Articles Side Pub-new
Articles Bottom Pub
جريدة النصر الإلكترونية

تأسست جريدة "النصر" في 27 نوفمبر 1908م ، وأممت في 18 سبتمبر 1963م. 
عربت جزئيا في 5 يوليو 1971م (صفحتان)، ثم تعربت كليًا في 1 يناير 1972م. كانت النصر تمتلك مطبعة منذ 1928م حتى 1990م. أصبحت جريدة يومية توزع وتطبع في جميع أنحاء الوطن، من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب.

عن النصر  اتصل بنا 

 

اتصل بنا

المنطقة الصناعية "بالما" 24 فيفري 1956
قسنطينة - الجزائر
قسم التحرير
قسم الإشهار
(+213) (0) 31 60 70 78 (+213) (0) 31 60 70 82
(+213) (0) 31 60 70 77 (+213) (0) 6 60 37 60 00
annasr.journal@gmail.com pub@annasronline.com