
تُحاول هذه الورقة أن تنطلق من إشكالية ما يُقدمه المُنجز السردي للروائي الصدّيق حاج أحمد في روايتي (كاماراد) و(الطانفا) من حالات تخييل مُتعاكسة تُبين عن مُمكنات قراءة ثقافية لمضمرات ما تختزنه شخصيات الروايتين من حالات وجودية عبر اِنتقالها داخل المجال السردي للروايتين، مِمَا يُتيحُ للقارئ فهمًا أمثل للرؤيا التي تقدمها الروايتان عن العلاقة بين الرواية الجزائرية والفضاء الإفريقي. كما تُحاول أن تقرأ أبعاد التعاكس في ضوء ما يطرحه الواقع من محاولات هيمنة ثقافية كولونيالية على الثقافات الإفريقية الراهنة.

عبد القادر رابحي
1- أسبقية الموضوعة وأسبقية التخييل
بصدور رواية "الطانفا" الأخيرة للروائي الجزائري الحاج أحمد الصدّيق سنة 2025 تكون قد اِنقضت عشرية كاملة بينها وبين روايته "كاماراد، رفيق الحيف والضياع" التي أحدثت بصمة مُختلفة في مسيرة الرواية الجزائرية المُعاصرة وهي تحاول أن تخرج من المناطق المحروثة التي قتلتها التيمات المكرورة والموضوعات المُستهلكة التي أخذت منها ردحًا من الزمن وأمكنة شاسعة من التخييل الّذي لم يكن ليخرج عن تيمات الإيديولوجية السبعينية في فترة نشأة الرواية الجزائرية إلى مرحلة الثمانينيات، وعن تيمة ما طرحته العشرية السوداء بعد ذلك من اِنغلاق تخييليّ على موضوعات الإرهاب بِمَا اِقتضته ضرورة المرحلة وما عكسه المجتمع الجزائري في تلك الفترة المُظلمة من تغيير في بنياته الاِجتماعيّة والثّقافيّة. ولم تكن طبقات الروائيين الجزائريين الذين شَكَّلوا الجيل الأوّل والثّاني وحتّى بعض أسماء الجيل الثالث الّذين وُلدوا وتكوّنوا في خضم الأزمة، لتنتبه إلى مدى ما يمكن أن تحتضنه الأرض الجزائرية من مُمكنات تخييل بمقدار اِمتداد صحرائها الشاسعة وما يمكن أن تَكتنزهُ من دوافع كتابة روائية تُضيف الاِختلاف في الفضاء وفي المكان وفي الموضوع وفي النسج وفي النسغ، إلاّ بعد أن ظهرت أسماء روائية جديدة أنتجها المكان الصحراوي ميلادًا ونشأةً وتربيةً أعطت دفعًا جديدًا للرواية الجزائرية بِمَا حققته من اِبتعاد عن المواضيع التي اِشتغل عليها روائيو مُدن الشمال، واعتبروها تيمات راسخة في التخييل لا يمكن لغيرها من التيمات أن تُنافسها.
ولعل من ضمن هذه الأسماء التي صارت تُسجل حضورها الدائم في ترسيخ البيئة الصحراوية بثقافاتها وتقاليدها وتاريخها في المتن الروائي الجزائري المُعاصر، نذكر الروائي عبد الله كروم والروائية جميلة طلباوي والروائي الحاج أحمد الصدّيق والروائي عبد القادر ضيف الله بالإضافة إلى أسماء أخرى شابة بدأت تشقُ طريقها في عالم الكتابة الروائية، مِمَا أضاف بُعدًا تخييليًّا جديدًا كانت الرواية الجزائرية تفتقدهُ اِفتقادًا كبيرًا طيلة سنوات الميلاد والنشأة مع عبد الحميد بن هدوقة والطاهر وطار، وسنوات التوكيد والترسيخ مع واسيني لعرج والزاوي أمين، وسنوات الاِنفلات السردي مع الأجيال الجديدة التي لا يمكن إحصاء كلّ أسمائها البارزة. لقد اِهتمت كلّ هذه الأجيال المُتعاقبة بالموضوعة بوصفها رؤية اِستعجالية تحاول أن تُؤرخ للحظة سواء كانت هذه اللحظة مُكابدة إيديولوجية كما هو الحال مع الروايات المؤسِّسة، أو مكابدات ثقافية مُنفتحة على التغييرات الجذرية الناشئة في العالم كما هو الحال مع روايات الجيل الثاني على الرغم من اِحتفاظها بالخلفية الإيديولوجية، أو مكابدات وجودية ذات التصوّر المصلحي التي أملتها ضرورات التسيّد السردي على الأجناس الأدبية الأخرى مِمَا أدى إلى محاولات اِصطناع التخييل من خلال الوقوع في دكتاتورية التيمة المفروضة بمنطق "الجوائزية" التي كان يَهُمُهَا توجيه التخييل إلى مآلات إبداعية مُحدّدة سلفًا. ولعل هذا ما جعل جيلاً من الروائيين يسعى إلى الاِهتمام بالرواية التّاريخية من خلال الرجوع إلى اِستنطاق الحادثة التاريخية في كلّ ما تحمله من غموض وتعقّد لأجل إعادة قراءة التاريخ المنسي أو التاريخ المُغيب أو التاريخ اللامفكر فيه وِفْقَ سرديّة ثقافيّة تُحاول أن تستحوذ على التصوّر الكامن في المعطى الإيديولوجي وتسخيره لخدمة أغراض ثقافيّة أو سياسيّة بعيدة المدى.
غير أنّ هذا لا يعني أنّ هذه الأجيال لم تهتم بتيمة الصحراء أو لم تكتب عنها تمامًا، فلقد كَتَبَ رشيد بوجدرة والحبيب السائح وغيرهما ما يمكن أن نُسميه بالتخييل المُهاجر إلى الجنوب، والّذي أدى بروائيي الشمال إلى الكتابة عن الصحراء بعد مُعايشة واقعية للمكان الصحراوي والحياة الصحراوية بثقافتها وتقاليدها. "وهُنا يجب التمييز بين المخيال العابر للصّحراء والمخيال بالميلاد أو الصّحراوي، فالأوّل منفصل عن الموضوع ولذلك مهما بلغت كتابته عن الصّحراء مدى أعمق إلاّ أنّها تُعاني من فقدان شيء من التماسك، أما الثاني فهو اِبن نسيج الصّحراء، لذلك يعرف تفاصيل مفاصلها الغابرة في الدقّة" . ولعل هذا ما جعل الفرق بين التصورين يبدو بيّنًا في لغة السرد وفي مستويات طرحه وفي كيفيات التعامل مع التمثلات الثقافية التي يحملها الروائيون عن الصحراء.
2- التخييل المُتعاكس واكتشاف الآخر
لقد كانت عشر سنوات كافية، بل ضرورية للروائي الحاج أحمد الصدّيق ليُعيدَ تشكيل عالم تخييليّ جديد في رواية "الطانفا" يستمد ضرورات حياته داخل الفضاء السردي من التيمة نفسها التي بنى عليها نسجه في رواية "كاماراد". ولعل ما يشدُ القارئ للروايتين هو هذه الصورة المعكوسة التي أراد الروائي أن يجعل منها المُحرك الرئيسي للأحداث في رواية "الطانفا" كما لو أنّ ثمّة قلْبًا متعمّدًا للشخصيات وللأدوار ولحركية تطوّر الأحداث في الرواية. ففي حين تبدو رواية (كاماراد) مُفعمة بزخم التيمة الجديدة على الرواية الجزائرية بِمَا يقدمه بطل نيجيري إفريقي (مامادو) غيرَ معروف تمامًا وليست له مكانة في الوعي التخييلي للرواية الجزائرية يُحاول أن يعبر الفضاء الشاسع للصحراء الجزائرية في رحلة حيف وضياع للوصول إلى الحُلم الّذي هو أوروبا وفرنسا خاصة، نجد أنّ رواية "الطانفا" تطرح أنموذجًا مُعاكسًا تمامًا لبطل رواية "كاماراد" من خلال هجرة معاكسة لبطل جزائري (بوغرارة) إلى عُمق الصحراء الإفريقية في مُعاكسة لرحلة (مامادو) يُحاول من خلالها (بوغرارة) أن يكتشف ما كان يسمعه من مثَلٍ تواتي راسخ يحمل دلالات عميقة عن كيفية تعامل الإنسان الجزائري في توات مع البُعد الإفريقي بِمَا يحمله من مُغامرات اِستكشافية لعلها أيقظت ذهن الروائي الحاج الصدّيق قبل البطل (بوغرارة) إلى أنّ "دْوَا الجْرب القطران ودْوا الزلط السودان" وكأنّها المفتاح الّذي يحمل ما يحمل من رمزية تنفتح على الأبعاد التاريخية والاِجتماعية والثقافية التي تربط الإنسان الجزائري في صحراء توات بالعُمق الإفريقي فيما يحمله من علاقات مبنية على الرحلات التجارية التي تحمل معها ثقافة المعرفة والمغامرة والاِستكشاف الّذي سيكون الدافع الأساسي للبطل (بوغرارة) لشدّ أحزمته لرحلة البحث الإفريقية، بحيث "تتأسّس هذه الرّواية على ركيزة البحث، إذ الشّخصية الرّئيسة “بوغرارة” تقوده مغامرة إلى إفريقيا، في ظاهرها تبدو تجارية؛ لكنّها في حقيقتها اِستكشافية، فهو يسأل ويرتحل في المكان وخارجه، ويستكشف العلاقات ومكوّنات المجتمع، ولعل أهمّها السّحر" . وتبدو هذه الصورة المُتعاكسة وكأنّها عملية إبدال مُتعمّد لوجهة رحلة البطلين، ومن ثمّة لوجهة الأغراض الخفية للروايتين، مع الاِحتفاظ بالتصور العام الّذي يُحاول الحاج أحمد الصدّيق أن يُؤسس له في مشروعه الروائي الّذي يجعل من المُتخيل الصحراوي أساسًا له إنْ من حيثُ الشخصيات أو التيمة أو المكان أو الفضاء. ويُعبّر التعاكس في الطرح عن محاولة حفر في عُمق ما تحمله الصحراء الجزائرية من مُمكنات تخييلية من المُؤكد أنّ الروائي الحاج أحمد الصدّيق يعرفها جيدًا، ولكنه اِزداد وعيًا بأهميتها منذ أن كَتَبَ روايته "كاماراد" وقبلها رواية "مملكة الزيوان"، ولعله اِزداد وعيًا كذلك بأهمية ما يمكن أن يُضيفه الفضاء الصحراوي للسرد الجزائري من عُمق ثقافي وتاريخي لم يكن مُستغلاً من طرف الروائيين الجزائريين من قبل. ولذلك، نجده يفتح آفاقًا جديدة لهذا الفضاء بمحاولته توسيع رقعته المكانية في الرواية إلى أقصى حدّ، والذهاب به بعيدًا إلى الأقاصي في رواية "الطانفا"، حيثُ يتعمّد الروائي الزج بشخصيات روايته في العوالم الإفريقية البعيدة لتقديم صورة أكثر تطوّرًا من الصورة النمطية المعروفة، وذلك من خلال ترسيخ الوصف الدقيق للأمكنة التي وصلها الراوي (الطالب) من خلال وصفه لحالة الشعور الأوّل وهو يلج عوالم جامعة (كيب تاون) بجنوب إفريقيا بعد وداع مشحون بالعواطف الجياشة وهو يتأهب لمغادرة أرض توات في رحلة طويلة ومعقدة قادته إلى المرور بعديد الأمكنة والمُدن والبلدان: "طبعت قبلة وداع على جبين أمي، بفم قصرنا الطيني من صحراء الجزائر، قرأت الفاتحة على صاحب الروضة وأبي و(النايمين) أهل القبور" .
ويكاد يكون تصوير هذه الرحلات في رواية "الطانفا" مُعاكسًا تمامًا -وربّما شَكَّلَ نوعًا من التطابق المُتعاكس- لرحلة (مامادو) المعقدة من بلاده النيجر إلى أوربا قاطعًا الصحراء الجزائرية الكُبرى بِمَا تحمّله فيها من متاعب وما عاشه من مغامرات الحيف والضياع، مع فارق الرحلة المُتمثل في الإمكانات المادية الكبيرة التي يحوزها أبطال رواية "الطانفا" بالنظر إلى الرحلة التي يقوم بها أبطال رواية "كاماراد"، وهو فارق يعبر بعمق عن حالة الاِفتقاد الّذي يرغب في التعويض ويسعى إليه برمزية ما يحمله الطالب في بداية رواية "الطانفا" من الذهاب إلى أقاصي إفريقيا للدراسة في جامعة كيب تاون من جهة، وبرمزية ما تحمله هجرة (مامادو) إلى فرنسا لاِكتشاف العالم الغربي بِمَا يكنزه من خيرات لا بدّ أنّها تطرح ضرورة فتح باب مُساءلة الكولونيالية والإلحاح في سؤال "من أين لك هذا؟".
ويظهر التعاكس، هاهنا كذلك، من خلال نوع المنحة التي يتحصل عليها الراوي، وهي منحة (إيراسموس+) حول موضوع الثقافات المُتجاورة بين شعوب شمال الصحراء الكُبرى وجنوبها، لكن هذه التيمة سرعان ما تقوده إلى طرح سؤال الكولونيالية المُلحّ الّذي يقوده إلى محاولة اِكتشاف ما يحمله التاريخ الجنوب إفريقي من مفارقات عرقية وثقافية صنعها الرجل الأبيض في محاولة محقه لشعب الزولو ولثقافته وتغييرها بثقافة 'الأفريكانر' الأوربية المبنية على عنصرية الرجل الأبيض.
ويبدو سؤال الكولونيالية مُلِحًا بدرجة كبيرة من حيثُ توكيد فكرة التعاكس بين الروايتين وحضور الاِهتمام بهذا السؤال لدى الطالب في رواية (الطانفا) بوعي عارف قادته إليه دراسته لموضوع الثقافات المُتجاورة، مِمَا يعكسُ مقاربة عارفة ومؤسسة وذات بُعد علمي أكاديمي: "كما أحاطني مُحدثي بفترة ما تَلاَ ذلك من اِستعمار الإنجليز سنة 1806 ولِمام من تاريخ شعب (الزولو) وشيخ قبيلته (كاتا) وبعض ما عاشه أهل (شلالا) من الأربعينات إلى الثمانينات، إبان نضال منديلا مع الأبارتيد" ، وبين اِكتشاف الغرب من طرف (مامادو) في رواية "كاماراد" بصورة تكاد تكون فطرية مليئة بالمتاعب والمكابدات، "ففي حالات كهذه لا يمكن للبطل (مامادو) إلاّ أن يكون معبرًا عن خيبة ذاته في مواجهة ذاته التي تُواجه الآخر (المخرج الفرنسي جاك بلوز) الآتي هو الآخر من أمكنة معكوسة للبحث في خيبة ذاته عن تميّزٍ اِفتقده في موطنه. عالمان متناقضان يلتقيان بصدفة التاريخ وتلكؤ الجغرافيا من أجل تبادل خبرات الذات المتشظية. إنهما عالمان منتقضان متصارعان على النجاح الّذي لا يمكن أن يكون إلاّ بهيمنة أحدهما القويّ على الآخر الضعيف، ومتوادان في الوقت نفسه في محاولتهما تجاوز الفشل الّذي جربه كلّ منهما في سعيه للوصول إلى الآخر" .
3- الظاهر السردي والمضمر الثقافي
لقد حقّقت رواية "كاماراد" نجاحًا كبيرًا لدى قُرّاء الرواية ولدى المهتمين بها حين صدورها سنة 2015 لسبب بسيط وهو أنّها كانت رواية اِستشرافية بأتم معنى الكلمة، وذلك من حيث أنها كانت سباقة إلى طرح إشكالية في غاية الأهمية والخطورة في آن بالنظر إلى ما شهده العالم من تغيرات جذرية حملتها متغيرات القرن الواحد والعشرين ومنها دوامة التدافع الحضاري بين الشرق بمفهومه الواسع والغرب بمفهومه الواسع، وكذلك الصراع المستمر بين الشمال الأوربي والجنوب الإفريقي بما يشكله هذا التدافع من أطروحات تحررية كامنة وغير معلنة لدى الإنسان الإفريقي القاطن جنوب الصحراء، ومن أطروحات اِستعمارية كولونيالية مدعومة بالفارق الكبير بين التخلف الّذي يعيشه إنسان جنوب الصحراء الإفريقية والتطوّر الّذي يعيشه إنسان الغرب الأوربي. ولعل هذا الفارق هو الّذي أدى إلى اِستعمال السلاح الوحيد الّذي يملكه الإنسان الإفريقي في معركة التدافع السلبي بينه وبين الإنسان الأوربي، وهو سلاح الهجرة إلى مُدن الغرب بكلّ ما تُشكله الهجرة من مكابدات للوصول إلى مركز الوفرة في الغرب بالنسبة للإنسان الإفريقي، وبكلّ ما يُشكله وصول الإنسان الإفريقي إلى المُدن الغربية من عبء إنسانيّ ومن مشاكل سياسية واقتصادية واجتماعية بالنسبة للإنسان الغربي. ولعل هذه الصورة المُتعاكسة هي التي تُحرك طبيعة السرد في المُنجز الروائي للحاج أحمد الصدّيق، وخاصةً في رواية (كاماراد) ورواية (الطانفا)، وذلك على الرغم مِمَا يبدو فيهما من اِختلاف ظاهر في طبيعة الشخصيات وطبيعة الأمكنة وطبيعة الأحداث التي تبدو وكأنها تخفي حالة الشغور الحضاري الّذي يعيشه الإنسان الإفريقي في قارة لا تزال تعطي خيراتها للغرب الكولونيالي، ولكنها تبخل في الوقت نفسه على أبنائها بِمَا تجود به لغيرهم بسبب ما تُشكله حالة الحرن التي تنتاب الإنسان الإفريقي أمام ما يعترضه من تحديات التحديث ومصاعب التخلف.
وتتحوّل حالات الحزن الوجودي لدى بطليّ الروايتين (مامادو) و(بوغرارة) -على الرغم من نمو الشخصيات وفق خطية سردية تقتضيها خطّتا الروايتين- من حالة التوقف الباحث عن مخرج 'للاِنغلاق' داخل سَيْريّة الحياة الطامحة إلى التطوّر -في النيجر بالنسبة لــ(مامادو) في رواية "كاماراد" وفي منطقة توات بالنسبة لـ(بوغرارة) في رواية (الطانفا)- إلى نوع من الاِنقطاع عن الأصول والمرجعيات التي اِنطلقا منها، مِمَا سيُشكل لهما عبئًا كبيرًا في مواجهة واقع الوضعيات الجديدة التي طمحا إلى الوصول إليها، بِمَا تحمله هذه الوضعيات من خسارات روحية ونفسية تعكسُ العلاقة الوطيدة بواقع الأمكنة التي اِنطلقا منها. ولعل هذا ما يُهيئ البطلين إلى الرجوع الاِضطراري إلى الوضعيات الأصلية بخسارات نفسية واجتماعية كبيرة بعد محاولات التمرد والخروج من حالات الاِنغلاق التي تُمثلها أمكنتهما الأصلية. ذلك "أننا نعثر في النص على إشارة حاسمة، تثبتُ طبيعة العلاقة بين الفرد والمجتمع القبلي، فبداية الأزمة التي حلّت بـ"بوغرارة" اِرتبطت سرديًا مع لحظة اِنقطاعه التّام عن إقليم توات" . وكأنّ مسافة السرد ومدته إنما تنطلقان من المكان الروائي المُرتبط جذريًا بالمجتمع الّذي نَشَأَ فيه البطلان وستنتهيان بالضرورة عند العودة إلى المكان نفسه بمحمولاتِ خيباتٍ كبيرة يكون قد خسر فيها البطلان أعز ما كانا يملكان عند الاِنطلاق وهو ثقتهم الكبيرة في المُغامرة وفي تغيير الأوضاع التي كانا يعيشان فيها في أمكنتهما الأصلية.
وسواء تعلق الأمر بهجرة (مامادو) للعيش في أوروبا ثم هجرة المخرج (جاك بلوز) المعاكسة للعيش في إفريقيا في رواية "كاماراد"، أو تعلق بهجرة الطالب التواتي للدراسة في إفريقيا أو اِستقرار (بوغرارة) في (غاو) في رواية "الطانفا"، فإنّ ما يمكن أن تُدلل عليه حالات التعاكس هذه لا يخرج عمّا تحمله القارة الإفريقية من خيبات كُبرى عاشتها ولا تزال تعيشها مع الإرث الكولونيالي المُتجدّد في نسخته الرقمية الجديدة، ومن ثبات مُتجدّد كذلك على التصورات المُغلقة التي تُعيدُ إنتاجها المُجتمعات التقليدية في دول جنوب الصحراء الكُبرى بما فيها التصورات السياسية، وذلك على الرغم مِمَا تبذله النُخب من محاولات الفكاك من الرؤية الاِستعمارية المهيمنة.
ولعل هذا مِمَا تُحيل إليه رواية (الطانفا) من مضمرات ثقافية واجتماعية يُحاول الروائي الصدّيق حاج أحمد الحفر في جذورها العميقة، وذلك من خلال إحالاته الثقافية إلى فترات الاِستعمار سواء في الجزائر كما هو الحال في وصف دور بوغرارة إبان الثورة التحريرية في منطقة توات، أو في جامعة كيب طاون حيث يفتح الطالب عينيه على تاريخ إفريقيّ آخر ويقرأ كراسة الاِستعمار من خلال ذكر ما تواتر منها من مصادر حول الأطروحات الثقافية التي تُحيل إلى ما عانته جنوب إفريقيا من تمييز عنصري أعاد صياغة نظرية الأبيض والأسود وفق منطق التراتبية العنصرية.
4- الخطاب الروائي والواقع الكولونيالي
وعلى عكس العديد من الأعمال الروائية الجزائرية التي كَتَبَها أصحابها تحت ضغط اللحظة والإصرار المُسبق على الخضوع لدكتاتورية التيمة والمنهج المقترحَيْن من طرف المؤسسات الريعية العالمية تحت غطاء الشهرة والعولمة و"الجوائزية" -مِمَا يدخل في دائرة الأدب المصلحي والكتابة تحت الطلب-، فقد كانت رواية "كاماراد" للروائي حاج أحمد الصدّيق سبّاقة إلى طرح إشكالية غاية في العُمق والخطورة والراهنية، وهي إشكالية العلاقة الحميمية للإنسان الجزائري وللأرض الجزائرية مع إنسان الصحراء وجنوب الصحراء الكُبرى، وكيفية تحقُّق هذه العلاقة التاريخية الوطيدة في أرض الواقع بالنظر إلى المُتغيرات التاريخية والجيوسياسية التي يشهدها العالم وتأثيرها على الأرض الجزائرية بوصفها منطقة عبور بين العالم "السفلي" الإفريقي والعالم "العلوي" الغربي كما يُحلله ويجتهد في وصفه مثقفو الغرب المعنيون بإعادة تجديد الهيمنة الكولونيالية على الشعوب الإفريقية خاصة، بِمَا يُوفره الفكر المعولم من مُمكنات اِستيلاء مُتجدّد على الخيرات الإفريقية، ومن ثمة على مصير الإنسان الإفريقي.
لقد كانت رواية (كاماراد) سبّاقة فعلاً إلى اِستشراف ما يحدث اليوم في منطقة الساحل والصحراء بعين ثاقبة وبتحليل لا يستند إلى المسبقات الإيديولوجية التي بنا عليها روائيو ومثقفو الغرب المترفون بخيالهم الأرائكي وبنظرتهم المتعالية للتيمات المنسية التي لم تكن تصلح في نظرهم للكتابة عنها أو تكون جديرة بعمل روائي مربح.ولعل ما يُؤكد هذه الفكرة ما يجري في واقع المجال الإفريقي (مالي والنيجر وهما مجال سرد الروايتين) من صراع إستراتيجي يتمُ فيه تحييد الإنسان الإفريقي عن واقعه وعن ثقافته بهدف الاِستيلاء على مقدراته وخيراته، وكيف يصبح الفضاء الإفريقي -كما كان في فترات الكولونيالية السابقة- مجرّد حيّز يتصارع المستعمرون الجُدد عليه من أجل دحر الإنسان الإفريقي وتهميش دوره في بناء أوطانه، واعتباره مجرّد أرقام تستعملها دوائر الهيمنة الكولونيالية من أجل التحكم في مستقبله والتخطيط لأهداف بعيدة المدى لتغيير الواقع الاِجتماعي والثقافي لمنطقة غرب إفريقيا لتحقيق توقيف الهجرة إلى أوروبا من جهة، وتوطين فائض المد الإنساني الإفريقي في المساحات الشاسعة الغنية لهذه الدول بهدف اِستغلال خيرات الباطن الإفريقي وإفقار الإنسان الإفريقي خدمةً لتصوّر هيمنةٍ نهائية على الشعوب الإفريقية. لقد لعبت الرواية ولا تزال تلعب دورًا مركزيًا خطيرًا في تغيير الإحداثيات التاريخية والثقافية للشعوب داخل ما يُسمى اليوم بالتصورات الإيديولوجية التي تسوّقها مرتكزات الهيمنة الرقمية بوصفها سلاحًا تكنولوجيًا فتاكًا قادرًا على دحر كلّ محاولة للوقوف في وجه الهيمنة الثقافية الغربية. ولعلنا نُلاحظ بوضوح الضجة الكُبرى التي تُحدثها الدوائر الثقافية الغربية، والفرنسية خاصة، عندما يتعلق الأمر بمبدأ الدفاع عن السردية التي يُقدمها المتن الروائي لروائيين "متحوِّلين" مثل بوعلام صنصال وكمال داود. ذلك أنّ هذه الدوائر الثقافية تعرف مقدار أهمية وخطورة الخدمة الجليلة التي يقدمها هؤلاء وأمثالهم كثير من أجل توطين المعطى الثقافي الغربي في أذهان الأجيال الجديدة من المثقفين العرب والأفارقة من أجل محو الحقائق التاريخية التي ناضل من أجلها أسلافهم أثناء معركة التحرير التي خاضوها في المرحلة الكولونيالية. وهنا تكمن خطورة ودرجة المسؤولية التي يحملها هؤلاء الروائيون على عاتقهم لأجل خدمة التصورات الثقافية الغربية وتغيير المرتكزات التي بنيت عليها ثورات تحرير الشعوب في كلّ مناطق العالم وخاصة في إفريقيا وفي العالم العربي. لقد كانت رواية "كاماراد" لحاج أحمد الصدّيق الزيواني إيذانًا أوليًا للمثقفين بضرورة الاِهتمام بالبُعد الجغرافي للجزائر اِهتمامًا إبداعيًا يقفُ في وجه المحو العمدي الّذي تحاول الرواية الكولونيالية الجديدة ترسيخه في اللاوعي الثقافي الجمعي للأجيال الجديدة من المثقفين الجزائريين. وها هي رواية "الطانفا" تُؤكد على مبدأ الاِستزادة في اِكتشاف عوالم لم نعرفها بعد في ثقافة الأقاصي الإفريقية. ولعل هذه ما حاول بطل الرواية (بوغرارة) أن يُوصلنا إليه من خلال تجربته الإفريقية المليئة بالعِبر الثقافية والاجتماعية والنفسية.
خاتمة:
ولعلنا نخلص من خلال هذه الورقة إلى تصوّر أولي مفاده أنّ هذا التعاكس الّذي أبانت عنه الروايتان، إنّما هو محاولة لفهم تعاكسٍ آخر تحمله القيم الثقافية والاِجتماعية والفلسفية الإفريقية في محاولتها الخروج من متاهة التصور الغربي المهيمن. وقد حملته روايتا الصدّيق حاج أحمد همًّا إبداعيًا متميزًا وتخييلاً نادرًا أضاف للرواية الجزائرية المُعاصرة بُعدًا آخر جديدًا لم تكن لتنفتح عليه لولا اِهتمام جيل جديد من الروائيين الجزائريين الذين اِهتموا بأدب الصحراء وحاولوا تحقيقه في مدوناتهم السردية. ولعل الروايتين من أهم ما يُمثل الأدب الجزائري ويُمثل علاقته بالثقافة الإفريقية بِمَا تطرحه من قضايا على درجة كبيرة من الأهمية والخطورة في راهن الثقافة المُعاصرة.
1-الصدّيق، حاج أحمد. الطانفا. دار الدواية. أدرار.2025.
2-الصدّيق، حاج أحمد. كاماراد، رفيق الحيف والضياع. دار فضاءات-عمان.2015.
3-بن جلولي.عبد الحفيظ. سؤال المعرفة في رواية الطانفا.موقع ثقافات.11/01/2026.
4-الصدّيق. حاج أحمد. الطانفا. دار الدواية.أدرار.2025.ص:27.
5-بن جلولي.عبد الحفيظ. سؤال المعرفة في رواية الطانفا. المرجع نفسه.
6-الصدّيق، حاج أحمد. الطانفا. دار الدواية. أدرار.2025.ص:7.
7-الطانفا.ص:8.
8-الطانفا. ص:21.
9-رواية'كاماراد' للزيواني حاج صدّيق، عن مأساة العبور وخيبة الوصول إلى الآخر. كراس الثقافة. جريدة النصر.قسنطينة.الجزائر.24/11/2015.
10- خضور.وليد. المعنى السوسيولوجي في رواية الطانفا للروائي الصدّيق حاج أحمد.موقع الرواية. 30/12/2025-