
هل للأدب قدرة على التغيير، وإعادة تشكيل منظومات فكرية وإنسانية وحتى إيديولوجية، وبالموازاة مع هذا، هل يمكنُ الجزم أنّ للأدب أثرٌ في صياغة الهوية فرديًا وجمعيًا صياغة مُتعدّدة جمالية وأنطولوجية ونفسية؟، وبالتالي يكون التغيير الّذي يُحدثه الأدب ليسَ بِمَا قد يُفهم سطحيًا، بل تغييرٌ مُتصلٌ بمستويات التلقي المُتعدّدة وبخصوصيات السّياقات.
حول هذا الموضوع، أي مدى قدرة الأدب على تغيير مصائر الإنسان، وكيف يمكن للكلمة التخييلية أن تقلِب أو تُغير منظومة فكرية وإنسانية وإيديولوجية بأكملها. كان ملف "كراس الثقافة" لهذا العدد، مع مجموعة من الكُتّاب والنُقاد وقد أجمعوا بشكلٍ أو بآخر على ضرورة الأدب وعلى قدرته على التغيير وخلخلة مفاهيم وإعادة صياغتها أو خلقها وفق سياقات أخرى.
كما أكدوا أنّ المنظومات الإنسانية تبنت الأدب كأداة فاعلة في بناء الفرد والمُجتمع.
أعدت الملف: نوّارة لحرش

* الكاتب والناقد لونيس بن علي
الأدب أحد أشكال التأريخ لرحلة الإنسان في الوُجود
يرى الكاتب والناقد الأدبي لونيس بن علي، أنّه: "لا يُوجد أدبٌ خارِجَ مركزية الأنثروبوس، لهذا يُقرأ الأدبُ، أيضًا، بوصفه أحد أشكالِ التأريخ لرحلة الإنسانِ في الوُجودِ. ما يُحقّقه الأدبُ للإنسانِ هو إمكانيةِ اِبتكارِ الوجودِ، لهذا، جاءت النهضة في أوروبا من باب الفنون والآدابِ، لأنّها في الجوهر نهضة إنسانية، وانتشال للإنسان من نسيانِ الكينونة".
مُشيرًا إلى أنّ "سؤال الوظيفة ليسَ سؤالاً جديدًا، بل كان حجر الأساس في كلّ نظرية للأدبِ، منذُ التأسيس الأوّل إلى لحظات التحوّل العميقة التي مست علاقة الإنسان بالأدبِ". ثم أضافَ مُستطردًا: "لقد طَرَدَ أفلاطون الشُعراء من جمهوريته لأنّه رأى فيهم خطرًا على الحقيقة، ثم جاء أرسطو ليُعلي من شأنِ الأدب ويضعهُ أعلى مرتبة من التاريخ. ثم جاء عصر السرديات الأيديولوجية الكُبرى، كلٌ أَسَسَ لمُقاربته، اِنطلاقًا من حاجة كلّ إيديولوجيا إلى الأدب، فمنهم من رأى في الأدب وسيلة للإصلاح، ومنهم من كان أكثر تطرفًا فجعل الأدب وسيلة للتغيير التّاريخيّ والاِجتماعي، وطرفٌ آخر رأى في لا جدوى الأدب باِستثناء أنّه ينتمي إلى ذلك الضرب من الخطابات اللانفعية، التي لا تُغير شيئًا في الحياة، باِستثناء ما يخلفهُ من آثار المُتعة والدهشة".
"واليوم، وفي ظل سطوة العقل الأداتي والتقني، بات الأدبُ معنيًا بالتحوّلات الجذرية التي مست الوجود المُعاصر، فظهر الأدب الرقمي، بل دخلت الآلة كطرف في العمل الإبداعي، فصرنا نسمع بنصوص خرجت من الخوارزميات". ويضيف الكاتب والناقد: "ومهما كان موقفنا من هذا التطوّر، فإنّنا نشهدُ مرحلة خطيرة باتت تُهدّد القيم الجمالية أمام الآلة الاِستهلاكية لسوق الثقافة وما يَفرضهُ ذلك السوق من قواعد لعب جديدة. وبدلَ أن نسأل: ما الّذي يمكن للأدب أن يقدمه للمُجتمع؟ بات السؤال هو: ماذا بقيَ من الأدب في المجتمع؟ إنّها مسألة وجود كما تبدو". من هنا، -حسب بن علي- فإنّ الوضع الّذي يعيشهُ الأدب اليوم يفرض عليه المُقاومة حتى لا يغدو جزءًا من الماضي، فيصبح الحديث عن الأدب مثل الحديث عن أشياء لم تعد موجودة. وفي الأخير خلص إلى القول: "إنّ رهان النُّخب الأدبية اليوم لا بدّ أن ينصب في خانة المُقاومة، لا من باب تبرير المكانة. وأنا أتساءل: هل نشعر فعلاً بالتهديد؟ القراءة في اِنحصار شديد. ذكاء اِصطناعي ينتعش يومًا بعد يوم. القيم الجمالية في حالة ضمور أمام سياسة التسليع الشاملة. يبدو أنّ المُستقبل لا يُبشر بالخير".

* الروائي والكاتب المسرحي محمّد الأمين بن ربيع
الأدب قوة ناعمة قادرة على خلخلة الثوابت وإعادة رسم المصائر
يُؤكد الروائي والكاتب المسرحي محمّد الأمين بن ربيع: "الأدب تلك القوة الناعمة، القادرة على خلخلة الثوابت وإعادة رسم مصائر الأفراد والأُمم. من خلال أنسنة الأفكار، والحفر عميقًا في وجدان الإنسانية، لذا نجد أنّ قدرة الأدب على التغيير تأتي من كونه عملاً تخيليا تتماهى فيه حدود الخيال والواقع، فينصهران حتّى لا يكاد القارئ أن يُفرق أو يفصل بينهما. وهذا بِمَا يمتلكه الأدب من سلطة لا توجد في غيره تُمكِنُه من الوصول إلى وجدان الإنسان وتفكيك المنظومات الفكرية الجامدة".
وفي ذات المعطى يُضيف: "ولذا تَبنت المنظومات الإنسانية الأدب كأداة فاعلة في بناء الفرد والمُجتمع، ومنح الأديب مكانة عالية وصلت إلى التبجيل والتقريب من السلطة، التي كانت تُدرك أنّ الأديب إذا كان في صفها تمكنت من النفاد إلى عُمق المنظومة الفكرية والنفسية للأفراد وبالتالي توجيههم والتأثير فيهم. وقد عَرَفَ الأدب المُعاصر أعمالاً أدبية كثيرة لم تكن مجرّد ترف فكري، بل كانت جُهدًا إنسانيًا اِختزلَ وجود الإنسان وقدمه كما ينبغي له أن يكون".
ويستطردُ قائلاً: "فلا يمكن للقارئ أن ينسى رواية مثل (الإخوة كارامازوف) لدوستويفسكي التي تتربع على قمة الأدب النفسي، وهي التي غاصت في أعماق النفس البشرية والصراع بين الإيمان والشك. أو رواية (البؤساء) لفيكتور هوغو وهي التي غيرت نظرة المُجتمعات إلى العدالة الاِجتماعية وحقوق الفقراء والمُهمشين. دون أن ننسى أوّل رواية حديثة وهي (دون كيشوت) لسرفانتس التي علمت الإنسان كيف يُفرق بين الواقع والخيال حين دعته إلى تطليق الأوهام القديمة. وكذلك رواية (1984) لجورج أورويل التي أصبحت علامة فارقة في الأدب المُعاصر، وهي التي حذرت البشرية من مخاطر الاِستبداد والرقابة، وما زالت مصطلحاتها تُستخدم لوصف التعديات على الحرية".
مُؤكدًا في ذات السّياق: "لم تكن الرواية العربية بمنأى عن فكرة تغيير الإنسان ومخاطبة وعيه ووجدانه خاصةً في زمن العولمة والهيمنة الثّقافيّة، فنجد أنّ رواية (موسم الهجرة إلى الشمال) للطيب صالح واحدة من أهم الروايات في التاريخ، لأنّها عالجت صراع الشرق والغرب والصدام الحضاري بجرأة نفسية وفلسفية غير مسبوقة. ورواية (رجال في الشمس) لغسان كنفاني التي كانت بمثابة الصرخة المدوية التي غيرت نظرة العالم للقضية الفلسطينية، وجسدت مأساة اللجوء والبحث عن وطن".
وفي الأخير اِختتم بقوله: "أمّا في أدبنا الجزائري فرواية مثل (الزلزال) للطاهر وطار كانت من أكثر الأعمال الروائية الجزائرية تأثيرًا في الرأي العام، من خلال تطرقها إلى موضوع ذي أهمية زمن الثورة الاِشتراكية، ورواية (ريح الجنوب) لعبد الحميد بن هدوقة التي سلطت الضوء على وضع المرأة الجزائرية بعد الاِستقلال، وكانت بمثابة الهزة التي حركت في المجتمع الجزائري أسئلة القلق الإيجابي، وجعلت هي وغيرها من روايات تلك المرحلة الحاسمة من تاريخ الجزائر الفرد الجزائري يُعيد النظر في كثير من المعطيات المُتعلقة بوجوده وحياته وعلاقته بجزائريته..".

* الناقد والمترجم محمّد تحريشي
الأدب يعيد تشكيل الواقع النفسي والاجتماعي للإنسان
يعتقد الناقد والمُترجم الدكتور محمّد تحريشي أنّ الأدب يرتبطُ بالإنسان اِرتباطًا عضويًا يجعله أحد أبرز أشكال تَمثّل التجربة الإنسانية وإعادة بنائها رمزيًا وجماليًا؛ إذ لا يقتصر الأدب على كونه وسيطًا لنقل المشاعر والأحاسيس والطموحات وخيبات الأمل، بل يتجاوز ذلك ليصوغ هذه التجارب في أنساق لغوية وتخييلية تمنحها بُعدًا دلاليًا وإنسانيًا أعمق.
فالنص الأدبي -حسب رأيه- يُعيدُ تشكيل الواقع النفسي والاِجتماعي للإنسان عبر آليات السرد والتخييل والتكثيف الرمزي، مِمَّا يسمحُ بتأمل الذات الفردية والجماعية في آنٍ واحد.
ومن جهةٍ أخرى، -حسب الدكتور تحريشي دائمًا-: "لا تتحدّد قيمة الأدب في قدرته التعبيرية فحسب، بل في أثره الجمالي والمعرفي الّذي يُتِيحهُ للمُتلقي؛ إذ يجد القارئ في التجربة الأدبية فضاءً للمُتعة الفنية والتذوق الجمالي، إلى جانب كونها مجالًا لإعادة مُساءلة الواقع وإنتاج الوعي به. ومن ثمّ يغدو الأدب مجالًا تفاعليًا تتقاطعُ فيه الذات الكاتبة مع الذات القارئة داخل أُفق إنساني مُشترك، حيثُ تتحوّل التجربة الفردية إلى خبرة إنسانية قابلة للتداول والتأويل، وهو ما يمنحُ الأدب قدرته المُستمرة على مُلامسة الإنسان والتأثير في وعيه الجمالي والوجودي".
ذات المُتحدّث، اِستطردَ قائلاً: "تَنْظر الاِتجاهات النقدية الحديثة إلى العلاقة بين الأدب والإنسان بوصفها علاقة تتأسس على جدلية الإنتاج والتلقي، حيثُ لم يعد النص الأدبي يُفهم باِعتباره اِنعكاسًا مُباشرًا لتجربة إنسانية جاهزة، بل بوصفه بنية دلالية مفتوحة تُنتجُ معناها من خلال تفاعل القارئ معها. ففي إطار جمالية التلقي، يُؤكد هانس روبرت ياوس، أنّ (الأثر الأدبي لا يكتسب وجوده الفعلي إلاّ من خلال تلقيه)، وهو ما يجعل تجربة القراءة فِعلًا إبداعيًا يُعيدُ تشكيل الدلالة داخل ما يُسميه (أفق الاِنتظار) لدى القارئ. وفي السّياق نفسه يرى فولفغانغ إيزر أنّ النص الأدبي يتأسس على (فراغات) أو (مساحات غير مكتملة) تدعو القارئ إلى ملئها، مِمَا يُحوِل الأدب إلى فضاء حواري تتفاعل فيه التجربة الإنسانية مع وعي المُتلقي".
ومن جهةٍ أخرى، -حسب رأيه- "تُبْرِزُ المُقاربات البنيوية وما بعدها دور اللّغة في إعادة تشكيل التجربة الإنسانية؛ إذ يُشير رولان بارت إلى أنّ (الأدب هو ما يجعل اللّغة تتكلم)، في دلالة على أنّ النص لا ينقل الواقع كما هو، بل يُعيدُ إنتاجهُ عبر أنساق رمزية وتخييلية. كما يُؤكد بول ريكور أنّ السرد الأدبي يمنحُ الإنسان إمكانية (فهم ذاته عبر وساطة الحكي)، حيثُ تتحوّل التجربة الفردية إلى تجربة قابلة للتأويل الإنساني العام".
وبذلك -يُضيف ذات المُتحدّث- لا يظل الأدب مجرّد مرآة للإنسان، بل يغدو مُمارسة جمالية ومعرفية تُتيحُ له إعادة اِكتشاف ذاته وتاريخه ومصيره، وهو ما يمنحُ الخطاب الأدبي قدرته المُستمرة على مُلامسة الوعي الإنساني والتأثير في تحوّلاته الفكريّة والوجدانيّة.
وأردفَ مُوضحًا: "يتأسس النظر الفلسفي إلى الأدب على اِعتباره تجربة قادرة على إعادة تشكيل الوعي الإنساني عَبْرَ ما يُتيحه من إمكانات تأملية وتخييلية تتجاوز حدود المعرفة المُباشرة. فالأدب لا ينقل الواقع كما هو، بل يُعيد بناءه داخل فضاء رمزي يَسمحُ للإنسان بإعادة التفكير في ذاته وفي موقعه داخل العالم. وقد رأى الفيلسوف الألماني فريدريش شيلر أنّ الفن يُشكّلُ مجالًا لتحرير الإنسان من القيود النفعية والواقعية الضيقة، إذ يمنحهُ تجربة جمالية تُعيدُ التوازن بين العقل والوجدان، وتفتحُ أمامه أُفق الحرية الداخلية. كما يؤكد بول ريكور أنّ السرد الأدبي يسهم في بناء (الهوية السردية) للإنسان، حيثُ يُعيد الفرد تأويل تجربته الحياتية من خلال النماذج السردية التي يُواجهها في النصوص الأدبية".
ومن هذا المنظور، -حسب الدكتور تحريشي-: "يغدو الأدب مُمارسة فلسفية ضمنية تُعيدُ صياغة علاقة الإنسان بذاته وبالعالم، إذ لا يكتفي بإثارة المُتعة الجمالية، بل يُشارك في إنتاج وعي جديد بالوجود والحرية والمعنى، وهو ما يُفسر قدرة الأدب على مُواكبة التحوّلات الفكرية والإنسانية عبر التاريخ".

* الكاتب والناشر رفيق طيبي
عالم موازٍ يمنح الناس تصورا لحياة لم يصلوا إليها
يقول الكاتب والناشر رفيق طيبي، بهذا الخصوص: "لا بدّ من إشارةٍ أولى، قبل التوغّل في سؤال مقدرة الأدب على تغيير مصائر الإنسان، وهي أنّ الأدب وُجِدَ للقضاء على الطمأنينة بكلّ أنواعها. والطمأنينة، في هذا السّياق، هي الاِستكانة والاِستسلام، وأخذ الوضع على أنه عادي، في حين قد لا يكون كذلك. وهل يمكنُ الحديث فعلًا عن وضع عادي، أمام حاجة الإنسان إلى وضع حدٍّ للتوحّش المُعلَن والتفتّت القيمي المقصود؟ يُساعد الأدب على ذلك! من خلال أكثر من وسيلة وطريقة؛ أوّلها خلق عالم تخييلي موازٍ يجد فيه النّاس ما يمنحهم تصوّرًا لحياة لم يصلوا إليها بعد، وفيه تتشكّل الأحلام الكبيرة والصغيرة، ويُصير المستحيل مُمكنًا. وحين يتخمّر الحُلم، الّذي اِنطلقَ من الأدب، يُصبحُ بالإمكان نقله إلى الواقع".
مُضيفًا في ذات الفحوى: "والواقع، المنطلق من رؤية أدبية وإنسانية بنتها اللّغة والفكرة، يكون ثوريًا، حالمًا ورومانسيًا، يُواجهُ الإيديولوجيا والأنظمة الفكرية الجاهزة، التي تتغذّى من فقر الخيال وبُؤس الرؤية، قبل أن يجيء الأدب ليُهدّدها، بل ويقلبها. لكن ثمن ذلك ليس زهيدًا، فمعاداة الجاهز والروتيني ومحاولة قلبه يمكن أن تُشكّل خطرًا على أكثر من مستوى".
وأردفَ مُوضحًا: "الأدب يبني وعيًا أساسه الحرية، والحرية التي يتشرّبها القُرّاء والنّاس عامةً تفضي إلى رفض الإيديولوجيات التي تُشكّل غالبًا سياجًا دوغمائيًا حولها، تُغذّيه إمّا بالخوف أو بالهالة الروحية والفكرية التي يقف ضدّها النقد الاِجتماعي أو الثقافي أو السياسي، أو القيم البديلة التي يحملها النص الأدبي. فيصبح الأدب قادرًا على تفكيك تلك المضامين المُغلقة، وإعطاء الأفراد والجماعات المقدرة على قراءة جديدة لها، أو إعادة النظر فيها بشكل يبدو في ظاهره تخييلاً، لكنه في عُمقه واقعٌ آخر يحلمُ به الأديب ويُوزّع حلمه على الآخرين، ذلك الحُلم الّذي يستجيب لمعايير الحرية والتقدّم والذوق والإبداع".
مؤكدًا في الأخير، أنّه: "يمكن القول إنّ اليقين العام الّذي تصنعه الإيديولوجيا، والتفسير اليقيني للعالم، لا يمكن أن يُهدَّما إلاّ من خلال الأدب، الّذي يزرع الشكوك، ويكشف التناقضات الداخلية في كلّ فكرة، ويقترح تقويمات مؤقتة، أو هدمًا من أجل تشييد جديد، تُراعى فيه القيم الكُبرى التي تنبني على رؤى المنطق والحرية، والتي جعلها الأدباء هدفًا نضاليًا أبديًا".

* الناقد والباحث محمّد خطاب
يشكلُ تجربة ضرورية في حياة البشر
يقول الناقد والباحث محمّد خطاب، إنه: "مثلما كانت تتساءل جميعُ الفلسفات عن ضرورة الأدب في الوجود، يبقى السؤال قائمًا ولكن بتفصيلٍ مُختلف. وتبقى الإجابات تُمثلُ خبرات الكُتّاب وتجاربهم في مواجهة الحياة بكلّ تفاصيلها".
مُشيرًا إلى أنّ هناك نقاطٌ تسمحُ بمعرفة أنّ الأدب يُشكلُ تجربة ضرورية في حياة البشر، أوّلها، تتمثلُ في أنّ "العالم يشهدُ تحوّلاً عظيمًا في (قيمة الأدب) بسبب الاِنتشار والصخب الّذي يُرافقانه، وهذا ضمنيًا فيه تحييد للصوت المُنفرد والجوهري لأنّه قائم على الغياب والصمت والصبر، بينما الصخب أو الثرثرة فهي تُلبي حاجة الاِنتشار والظهور".
أمّا ثانيًا، -حسب المتحدّث- فتتمثل في "حالة الصمت المفروضة على الإنسان في مُواجهة المصائر ومقاومة الشر، وصارت الحروب أشكالاً وألوانًا، وكلها تحطيمٌ للقدرة الإنسانية على البقاء ومُمارسة الحريات وجميع أشكال الوجود الحر، وهذا يُضاعف من حالة الإيمان ويدفع بالرّوح إلى موقف يليقُ بالتجربة، وهي مُمارسة الكتابة بكلّ حب وقوّة". مؤكدًا في المقابل أنّ "المُتغير في مفهوم العلاقات أو طبيعة الاِرتباط بين المعرفة والحياة، تسعى بعض السرديات إلى الفصل بينهما، حتى تتحوّل المعرفة إلى ترف، والحياة إلى معيش. فيما كانت المعرفة ذاتها حياة جوهرية توجه المعيش".
كما أشار -ذات المُتحدّث-، إلى المفهوم الرقمي أو الكمي أو التراكمي الممنوح في شكل صور فاتنة للإنسان المُعاصر، حيثُ صارت (العاطفة) التي تتحرك للحال الإنسانية وتتعاطف مع الدم المظلوم والمهدور غدرًا، عاطفة تبتسمُ لوجود النت والكهرباء والسقف والطعام، كيفيات تجعل من هذه العاطفة سجينة الحال التي تبيعها أجهزة عالية يملكها عقل يسخر من كلّ عاطفة بشرية، ويُسوقُ التاريخ بضغطة زر.
مُضيفًا في هذا السّياق: "فكرة الموت تحوّلت إلى صورة، وانتقلت من كونها خطرًا وتهديدًا يجعل من الأدب (ضرورة) ليس فقط من أجل الوجود، بل من أجل مُقاومة التفاهة، إلى كونها لعبة وحدثًا يجري (هناك) ما دام بعيدًا عنك. الموت البعيد صار صورة وحدثًا ورقمًا ونسيانًا، المهم ألا يقترب حتى لا يُهدد وضعًا صنعته الميديا والنت والكهرباء وبقايا الطعام والسهر مع الكلمات". واختتم بقوله: "لما يصل الأدب أن يكون هو التجربة الأكثر اِتصالاً بالوجود الإنساني، تتغير القيم الكونية، وتذهبُ أبعد في فهم هذا الإنسان وإعادة إنتاجه وفق تراتبية كونية تليق به. هكذا عرفنا أدبَا يعلو بالقيم وبمن يحملها إيمانًا وتحقيقًا، ويسعى إلى خلق عالم يفيضُ حكمةً وحقًا وعدلاً".

* الكاتب والباحث محمّد بن زيان
للأدب أثرٌ في صياغة الهوية فرديا وجمعيا
يقول الكاتب والباحث محمّد بن زيان: "بعيدًا عن القولبة التي تحصر الأدبي في الدور الوظيفي التعبوي والتجنيدي والتسويقي لخيارات مرحلية، يتموضعُ الأدبي في سياق المسار التّاريخيّ، تموضعًا جدليًا تفاعليًا، فهو مُرتبطٌ بسياقات تشكلاته ومُتجاوز لها باِمتلاكه الصياغات المُبدعة للتحوّل التّاريخي. وكيانات الشعوب والدول ترتبطُ بِمَا عَبَّرَ عنه بول ريكار بـ(الهوية السردية). والتغيير الّذي يُحدثه الأدب ليسَ بِمَا قد يُفهم سطحيًا، إنّه تغييرٌ مُتصلٌ بمستويات التلقي المُتعدّدة وبخصوصيات السّياقات. والتاريخ يُسجلُ في كلّ مراحله التأثيرات المحورية لما أبدعه الخيال وأحيانًا يتجاوز المنجز الأدبي ما يُنجزه البحث العلمي وهذا ما أشار إليه فرويد لما اِستحضر نموذج روايات دستويفسكي".
مُشيرًا أنّ العالم يحتفظ بشخصيات أساطير ومسرحيات وروايات، شخصيات صارت علامات تُحيل وتختزل التفصيل في إشكالات وجودية مثل أوديب وهاملت إلى سانتياغو في رواية الشيخ والبحر لهمنجواي أو جان فالجون في بؤساء هيجو..
وفي ذات المعطى أردفَ: "نصوصٌ تجاوزت السّياق التّاريخي والإطار الاِجتماعي، نصوص ألهمت وكان لها أثرها في تغيير ملموس. ونصوصٌ اِرتبطت بسياقاتها وكان لها أثرها مثل نصوص كولن ولسن وفرانسواز ساغان في ستينيات القرن الماضي في خضم حراك وانتفاضة شبابية عمت الغرب، وفي نفس الفترة شهدت المنطقة العربية تأثيرات روايات إحسان عبد القدوس وأشعار نزار قباني، تأثيرات على المُراهقين، ويُشبهُ ذلك ما أحدثته موجات لاحقة حتى لو كانت عابرة، مثل موجة روايات أحمد خالد توفيق".
مُؤكدًا أنّ "التغيير ليس واحدًا، فهناك تغييرٌ يخترق الأزمنة والجغرافيات، وهناك تغييرٌ ظرفي مُرتبطٌ بسياقات معيّنة وفي كلّ الحالات يحضر التغيير".
بن زيان، أشار في المُقابل إلى أنّ الأدبي قد يفتحُ ما لم تفتحه مباحث حقول معرفية وفكرية. وأنّ الفرد والمجتمع، كلاهما مسارات تصيغها عوامل وتُنتجها صياغات وللأدب أثرٌ في صياغة الهوية فرديًا وجمعيًا، صياغة مُتعدّدة، جمالية وأنطولوجية ونفسية.
مُضيفًا في ذات السّياق: "الأدب يُؤرشفُ جماليًا، بتعبير المرحوم بختي بن عودة ويفتح عينًا ثالثة تتجاوز قولبة الثنائيات، ويُنتج الرمز والتاريخ مُرتبطًا بالمنظومة الرمزية، الرمز المُلهم المُتجاوز للعابر والفاتح لأفق الاِنبعاث المُتجدّد. ولقد قَلَبت نصوص أدبية منظومات وكانت مرجعية منظومات، عَرَفَ العالم ذلك في مُختلف القرون وعرفها عالمنا المُعاصر مع اِقتران التيارات الفكرية والأيديولوجية الكُبرى بنصوص أدبية لم تكن مُرافقة فقط، بل كانت مُلهمة ومُؤَسِسة، والأمثلة لا حصر لها. وهو ما اِنتبهَ إليهِ فلاسفة وعُلماء كبار مثل هايدغر وسارتر ودولوز وغيرهم، ومن بينهم من اِتجه إلى كتابة نصوص روائية ومسرحية للتعبير عن هواجسه وأسئلته التي لم تستوعبها الكتابة الفلسفية والمعرفية مثل سارتر وأمبرتو إيكو".
مؤكدًا في الأخير: "الوجود دشنته الكلمة، والإنسان صيرورة تغيير مُستمر، والأدب شحنٌ جمالي لذلك وفتح بالتخييل لكلّ إمكانات التحقّق الإنساني".

* الروائي عبد الوهاب عيساوي
الأدب قادر على إحداث تغيير لا بوصفه مشروعًا إصلاحيًا بل بوصفه لحظة وعي
يقول الروائي عبد الوهاب عيساوي، إنه: "في مراحل تاريخية سابقة، كانت للكلمة مكانة وجودية ومعرفية مركزية، إذ لم تُقدم بوصفها أداة للتعبير فحسب، بل باِعتبارها شرطًا من شروط الخلق والفهم. فقد اِرتبطت البدايات الكُبرى للفكر الديني بالكلمة أو بفعل القراءة، كما يتجلى في مستهل الكِتاب المقدس (في البدء كانت الكلمة)، وفي أولى آيات الوحي القرآني (اقرأ بسم ربك الّذي خلق). في هذا السّياق تَشَكَّل الوعي الإنساني الأوّل على أساس الربط بين الكلمة والكينونة، وبين الفهم والوجود".
ومُستدركًا يُضيف: "غير أنّ هذا الاِرتباط لم يلبث أن خَضَعَ لمسارات تأويلية مُتعدّدة، فقد ظهرت نصوص شارحة تأثرت بالسّياقات السّياسيّة والاِجتماعيّة والنفسيّة والجغرافيّة للمُجتمعات التي أنتجتها. وبناءً على ذلك، تعدّدت القراءات وتشكلت المذاهب والفِرق، وصارت الكلمة الواحدة تُفهم بطُرق مُتباينة، تبعًا لاِختلاف الرُؤى والمصالح. ولم يكن الأدب بمنأى عن هذه السيرورة، بوصفه تعبيرًا عن المجتمع وتحوّلاته، غَيْرَ أنّهُ يختلف جوهريًا عن الخطاب الديني في كونه لا يدّعي اِمتلاك الحقيقة أو اِحتكار المعنى". ذات المُتحدّث، أردفَ قائلاً: "الأدب، شِعرًا كان أم نثرًا، تخييليًا أم واقعيًا، لا يُقدم نفسه بوصفه خطابًا يقينيًا، بل تجربة إنسانية مفتوحة على الاِحتمال. غير أنّ مسارهُ عَرَفَ تحوّلات حادة، خاصة مع صعود الإيديولوجيات الحديثة، حيثُ جرى توظيف الأدب كأداة دعائية أو وسيلة صراع رمزي. في هذه اللحظة، فَقَدَ الأدب جزءًا من طاقته التخيلية، وتَحَوَّلَ إلى خطاب مُباشر يخدم مشاريع فكرية مُحدّدة، مُستعيرًا دور الشاعر في الجاهلية بوصفه لسان القبيلة. ورَغمَ اِستمرار هذا النمط إلى اليوم، إلاّ أنّه بات مكشوفًا ومستنفدًا لآلياته، مِمَا قَلَّلَ من تأثيره الفعلي، رغم ما يُحظى به من دعم مؤسساتي وإعلامي".
مُضيفا في ذات السّياق: "في مقابل ذلك، يبرز سؤال التأثير من زاوية مُختلفة: هل يمكن للأدب الّذي يُقارب الحالة الإنسانية الفردية أن يُحْدِثَ تغييرًا؟ لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال بمنطق جماعي، إذ إنّ زمن الخطاب الجماهيري قد تراجع، ولم يعد الأدب معنيًا بتشكيل وعي جمعي شامل. فالأدب اليوم يُخاطب الفرد، والتجربة الإنسانية المفردة لا الجماعة".
ومن هذا المنطلق، -يرى ذات المُتحّدث-، أنّه: "يمكن القول إنّ الأدب قادر على إحداث تغيير، لا بوصفه مشروعًا إصلاحيًا، بل بوصفه لحظة وعي. قد يُعيدُ ترتيب علاقة الإنسان بالعالم، أو يُغيّر طريقته في الرؤية، في لحظة غير قابلة للتخطيط أو القياس. هذا التغيير لا يخضع لمعيار الاِتزان أو الاِختلال، بل لطبيعة الفرد ذاته، في عالم يتسمُ أصلاً بعدم التوازن".
وفي الأخير اِختتم بقوله: "في الزمن الراهن، ومع التحوّل المُتسارع نحو الرقمنة واِختزال التفكير إلى منطق ثنائي (système binaire)، يبدو الحديث عن الأدب أكثر نخبوية. وربّما لن يكون الأدب أداة مُواجهة مُباشرة، وكلّ الخشية أن يغدو فضاءً للتأمل والهروب اللاواعي من الآلية المفروضة، ومساحة لاِستعادة التعقيد الإنساني في عالم يميلُ إلى التبسيط المفرط".

* الصدّيق حاج أحمد الزيواني
مرآة عاكسة للحياة وتطلّعات الإنسان
يقول الروائي الصدّيق حاج أحمد الزيواني: "أعجبني توصيف اِبن رشد للأدب وعلاقته بالإنسان والحياة، حين وصفه بالماء، وما أدراك ما الماء في الحياة والوجود! إنه ها هنا، يجعلُ الأدب بمثابة المقاوم، الّذي يمدّ الإنسان بطاقة الاِستمرار والحياة".
مُضيفًا: "فإن كان الأدب تصويرًا مُتخيّلاً للحياة؛ لكنه يتخذ من الوعي بها سؤالاً للتأمل ورمزًا يُحيل على فلسفتها والتقرّب منها، ومع هبوب رياح مقولات وسرديات ما بعد الحداثة، لم يعد الأدب ملهاة وتزجية وقت، يتوسّل به للمتعة، مع أننا نقرّ ببقاء خاصية الجمال والذائقة الفنية فيه؛ غير أنّ تشكيل ظلال معاناة الإنسان وأحلامه وسُبل اِنعتاقه وتحرّره، تظلّ من الأهداف السامية للأدب، فعندما نقرأ قصة أو رواية، فإننا نجد ذواتنا فيها، من خلال نقل التجربة الإنسانية".
وهنا اِستطرد قائلاً: "عادةً يتعامل الكاتب مع الأدب كإنسان مُتمرّد على المنمّط والمطلق، فيُخلخل المسلّمات، مِمَا يُتيحُ فسحة للنسبية في كلّ شيء، كما قد يجنح إلى اِستدعاء الحنين والماضي بغرض الاِستشفاء من أعطاب الحاضر ومخاوف المُستقبل، وهو بهذا يتشارك معنا، ونمنحه صفة الناطق باِسمنا. لقد ظلّ الأدب مرآة عاكسة للحياة وتطلّعات الإنسان، ففي كلّ قصة وحكاية وقطعة شِعر أو مشهد مسرحي على الركح؛ معانٍ ورمزيات، نستعينُ بها على فهم الوجود، وعلاقتنا بذاتنا وبالآخر".
ومُستدركًا يُواصل: "بيد أنّ الأدب أجناسٌ وفنون، وقد تفطن العربي القديم لتوظيف الأدب في حياته وتطلعاته، يوم كان الشِّعر في الجاهلية ديوانه المُقدّس، فجعلَ من الشاعر الناطق باِسم القبيلة، مُنافحًا عنها، يُعدِّدُ خصالها، ويردّ عن هجائها، وقُل ذلك عن الملاحم الإغريقية، وصولاً للأدب الحديث والمُعاصر، وموقعه من حياة الإنسان، ففي الثورة الجزائرية، كان للشِّعر الثوري والسياسي، الأثر البارز في إلهاب القلوب والنفوس، وشحن عواطفهم ومخاطبة عقولهم، في مقاومة الاِستعمار، واستعادة السيادة الوطنية".
واختتم بقوله: "هناك مصطلح حقل معرفي، كثيرًا ما ننسب إليه الأدب، وهو العلوم الإنسانية، بحكم أنّ الأدب يرومُ أنسنة الحياة بكلّ تفاصيلها، وما التخييل فيه، غَيرَ تماهٍ خلف الرمز، لإعطاء معاني الحياة ودلالاتها في الإنسان، حال كونه فرحًا وحزينًا أو صحيحًا ومريضًا أو حالمًا وخائبًا".