
أكد أمس الأول، باحثون أن الحضور الموريسكي أحدث تحولا عميقا في النسيج العمراني لمدينة قسنطينة، لم يقتصر على الجانب الزخرفي بل تجسد في إدخال حلول هندسية مبتكرة مكنت من تكييف العمران مع الطبيعة الصخرية الوعرة للمدينة، مع الحفاظ على الخصوصية والنجاعة المناخية، موضحين خلال اليوم الثاني من الملتقى الدولي الأول حول التراث الموريسكي في الجزائر ذاكرة وهوية مشتركة، بقصر الثقافة محمد العيد آل خليفة بقسنطينة أن العمارة الأندلسية عنصر مهم من عناصر تشكيل الهوية المعمارية القسنطينية.
أكدت الأستاذة الباحثة في الهندسة المعمارية والتراث بجامعة صالح بوبنيدر قسنطينة 3 الدكتورة سميرة دباش في مداخلتها الموسومة بـ «البصمة الموريسكية في الشرق الجزائري، الديناميكيات المعمارية والموروث الثقافي في قسنطينة وعنابة»، أن حي رباط الأندلس الذي يقع في الجزء السفلي من مدينة قسنطينة، على سفوح الصخر العتيق المطل على وادي الرمال، يعد من أكثر أحياء المدينة العتيقة رمزية، وكلمة رباط الذي كان يعرف الحي تاريخيا بها تعني الضاحية أو الامتداد العمراني، ما يدل على أنه نشأ كتوسع للمدينة الأصلية.
مشيرة في ذات السياق إلى أنه وعلى عكس مركز المدينة العتيقة القصبة الذي يتميز بكثافة عمرانية وتماسك بنيوي، اضطر حي الأندلس إلى التكيف مع تضاريس شديدة الانحدار
هذا الواقع الطبوغرافي فرض حلولا عمرانية خاصة، من أبرزها إنشاء أزقة متدرجة على شكل سلالم، اعتماد نظام الزنقة والأزقة الضيقة المتعرجة، التي تحافظ على الخصوصية، وتكييف البنايات مع الانحدار الحاد للصخر.
وقد تمركز الموريسكيون بحسب الباحثة، في مناطق مثل كوشة الزيت مورلان، شارع بن زقوطة محمد حاليا، حيث شكلوا نواة عمرانية متميزة داخل النسيج القسنطيني.
تحدي الصخر وعبقرية الأندلسيين
وقالت دباش، أن التحدي في قسنطينة كان فريدا من نوعه، أي كيف يمكن بناء مدينة على صخرة شديدة الانحدار، لذا جاءت إجابة البنائين الأندلسيين عبر حلول مبتكرة غيرت وجه المدينة، أهمها التكيف مع التضاريس خلافا لمدن السهول حيث تتميز قسنطينة بعمودية مجالها العمراني.
لذلك اضطر المعماريون الأندلسيون إلى تكييف نموذج الدار ذات الفناء الداخلي بحيث تتشبث بالمنحدرات الصخرية، كما استعمل الحجر المحلي لضمان الصلابة و حوفظ على التنظيم الداخلي الأندلسي الذي يضمن الخصوصية والانغلاق نحو الداخل، كما ابتكرت الأزقة المدرجة كحل تقني لتعويض استحالة إنشاء شوارع عريضة.
وأضافت الدكتورة، أنه تم مزج المواد وتقنيات البناء في قسنطينة بدليل يظهر بوضوح التزاوج بين صلابة الحجر المحلي ودقة الزخرفة الأندلسية، والجبس، والنقش، والزليج، والقرمود.
وأكدت الباحثة، أن البنائين الأندلسيين عرفوا بإتقانهم لفن الزليج، مما جعلهم يحولون القصور والبيوت إلى تحف هندسية قائمة على التناسق والدقة، كما ساهموا في تنظيم النسيج العمراني وفق تقسيم مهني واضح، فقد اعتمدوا نظام الأحياء متخصصة الأسواق، حيث لكل حرفة حيها الخاص النساجون، الدباغون، النحاسون. كما كانوا قريبين من المياه، كما تضيف، نظرا لتموضعهم في الجزء السفلي من الصخرة، مما سهل إقامة ورشات صناعة الجلود والأنشطة الحرفية، التي تتطلب كميات كبيرة من المياه ومن هنا برز حي الدباغين كأحد الفضاءات الحرفية البارزة.
الموريسكيون أدخلوا تقنية الآجر الرقيق والجير
وأوضحت دباش، أن الفكرة الجوهرية في الثورة المعمارية القسنطينية هي أن الموريسكيين لم يجلبوا مجرد طابع زخرفي، بل جلبوا هندسة بناء متكاملة، حيث أدخلوا تقنية الآجر الرقيق والجير، وهي ضرورية لتثبيت المباني على حواف وادي الرمال، وساهموا في تدعيم النسيج العمراني للصخرة، وانتقلوا من لاجئين إلى بنائين ماهرين وأصحاب خبرة معمارية معترف بها.
وأشارت في ذات السياق إلى أن التفصيلة المعمارية المميزة في البيت الأندلسي القسنطيني هو البهو، وهو عنصر بارز عبارة عن شبه شرفة مغلقة يمتد فوق الزقاق، يسمح بكسب مساحة إضافية داخل المنزل، وإدخال الضوء الطبيعي والحفاظ على الخصوصية دون انفتاح مباشر على الخارج .
وأكدت الباحثة، أن التأثير الأندلسي أحدث تحولا عميقا في نمط السكن التقليدي القسنطيني، حيث أدخل تقنيات بناء تجمع بين البعد الجمالي والنجاعة المناخية فلم يكن الأمر مجرد زخرفة أو طابع معماري بل كان رؤية متكاملة للتكيف مع البيئة والمناخ.
وأضافت أن ركائز العمارة الأندلسية في قسنطينة تتمثل في بنية الدار ذات الفناء الداخلي، معتبرة إياها بالعمارة البيومناخية حيث تعد الدار ذات الفناء الداخلي جوهر الابتكار المعماري الأندلسي، موضحة في ذات السياق أن الفناء لم يكن خيارا جماليا فحسب، بل كان نظاما هندسيا ذكيا للتحكم في الضوء والحرارة والتهوية.
لا يمكن اعتبار العمارة العاصمية امتدادا للأندلسية
من جهتها أشارت الباحثة في التراث المادي واللامادي، والمختصة في تاريخ التراث والهندسة المعمارية بجامعة البليدة الدكتورة، سامية شرقي، أنه لا يمكن اعتبار العمارة العاصمية امتدادا مباشرا للعمارة الأندلسية، لأن مدينة الجزائر عرفت قبل ذلك باسم بني مزغنة، وتعاقبت عليها حضارات متعددة عبر تاريخها.
ويمكن القول بحسبها أن ملامح الهوية العمرانية للجزائر بدأت تتشكل بوضوح خلال العهد العثماني ابتداء من سنة 1516، حيث شهدت المدينة توسعات عمرانية مهمة شملت بناء القصبة وتوسيعها، وصولا إلى ما يعرف بالقصبة الجديدة.
أما الموريسكيون، فقد بدأ خروجهم من الأندلس سنة 1492 بعد سقوط غرناطة، وكانت الجزائر، حسبها، من أوائل الوجهات التي استقبلتهم حيث وجد هؤلاء الوافدون مكانا للاستقرار في حي عرف باسم الثغري، نسبة إلى قدومهم من ثغور الأندلس واستقروا في المدينة منذ بدايات القرن السادس عشر، وظل وجودهم وتأثيرهم ممتدا إلى غاية الاحتلال الفرنسي سنة 1830.
وأضافت شرقي، بأنه وعلى الرغم من أن الكثير من الآثار الموريسكية اندثرت بسبب تعاقب عمليات البناء فوقها عبر القرون، فإن أعمال الترميم التي انطلقت منذ نحو عشرين سنة كشفت عن بقايا معمارية موريسكية مهمة، تؤكد حضورهم وتأثيرهم في النسيج العمراني للمدينة.
كما برز في تنظيم البناء عدد من المهندسين المنحدرين من أصول أندلسية موريسكية، ومن بينهم عائلات مثل بن نيقرو وسطاموسا، إضافة إلى مهندسين آخرين نشطوا خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر. وقد نسب بعضهم إلى مناطق قدومهم من الأندلس، مثل القسطلي والعرجوني، وأسهموا في تشييد عدد من المعالم والمباني التي طبعت الطابع المعماري للعاصمة.
تستور ليست مجرد محطة عبور بل فضاء علمي
من جهته، أوضح الباحث بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس الدكتور، زهير بن يوسف، في مداخلته حول «ساعة تعيد رسم الزمن معكوسا، الساعة الجدارية الأندلسية بمدينة تستور التونسية»، أن مدينة تستور تحضر بقوة في المصادر المغاربية، ولا سيما الجزائرية ولم يكن هذا الحضور راجعا فقط إلى موقعها الجغرافي، القريب من مدينتي الكاف وباجة وعلى طريق العبور نحو الحاضرة تونس، ولا إلى كونها محطة ضمن طريق ركب الحجيج ذهابا وإيابا فحسب بل يعود أساسا إلى مكانتها العلمية المرموقة داخل المجال المغاربي.
فقد وصفت تستور في بعض المصادر بأنها من المراكز التي كمل إشعاعها بالبلاد، في إشارة إلى دورها العلمي وتأثيرها الثقافي الذي تجاوز حدودها المحلية.
وقال المتحدث، أن تستور كمركز علمي زارها عدد من العلماء والرحالة، وذكروها ضمن محطات العلم في المنطقة ومن أبرزهم محمد الورتيلاني 1193هـ/1779م، الذي أشار إليها في رحلته وذكرها باعتبارها قرية عظيمة تقارب المدن الصغار، مما يدل على حيويتها العمرانية والعلمية سنة 1179هـ/1768م.
كما حضرت ضمن أهم المراكز العلمية التي تردد عليها العلماء، إلى جانب القيروان وسليمان والكاف وباجة، وذلك قبل سنة 1090هـ/1679م، وتبرز أيضا في برامج المشيخة لدى عدد من العلماء، مثل علي العريان، حيث ورد ذكر بعض أعلامها، ومنهم أحمد الجياني وسالم التيندو.
كما أكد الباحث، أنه في كتابات الرحالة والعلماء تشير التراجم والرحلات إلى صلات علمية وثيقة ربطت تستور بمدن كبرى، خاصة تونس فقد اختصها العالم الجزائري خوجة الجميعي بعد 1145هـ/1732م، بالترجمة والذكر في حديثه عن انتقاله إلى تونس، منوها بإقامته في تستور وقراءته بها على عدد من شيوخها، ومنهم الشيخ سيدي البركة الكوندي 1119هـ/1708م، أحد كبار شيوخ الفقه والنحو.
كما حضرت تستور في رحلة محمد بن عثمان المكناسي، موضحا، أن تستور ليست مجرد محطة عبور، بل فضاء علمي ، ووريثة لتقاليد أندلسية حافظت على إشعاعها داخل المجال المغاربي.
لينة دلول