
أصبحت الدراما التلفزيونية تُشكلُ واقعًا مُوازيًا للواقع والحياة في المجتمعات. وهذا لاِكتساحها قاعدة جماهيرية كبيرة، وبخاصة في الوطن العربي. و تعتبر الدراما مرآة تعكس حياة الأفراد وقضاياهم اليومية، وتنقل الواقع الاِجتماعي والثقافي بأسلوب فني مُؤثر ومشوق. وهنا نطرح سؤالاً عن وظيفة الدراما ودورها في المجتمع. وما مدى قدرتها -حقًا- على تشكيل الوعي والتأثير الاِجتماعي. وهل أصبحت واحدة من أهم وسائل التأثير في المُجتمعات؟ وهل خرجت من نقطة الترفيه والتسلية إلى نقطة التأثير؟ حول هذا الموضوع "الدراما ودورها في المجتمع"، كان ملف عدد هذا الأسبوع من "كراس الثّقافة"، مع مجموعة من النُقاد والكُتّاب والمخرجين المختصّين في شؤون الفن والمسرح.
أعدت الملف: نوّارة لحرش

* الكاتب والناقد الفني عبد الكريم قادري
الدراما لم تعد وسيلة ترفيه بل أداة حرب وقوّة ناعمة
يقول الكاتب والناقد الفني عبد الكريم قادري أن الدراما : "لم تعد وسيلة ترفيه وتسلية فقط، بل أداة حرب ووسيلة لإيصال الأفكار وقوّة ناعمة يُحسب لها ألف حساب، أين يتم اِستعمالها في تغيير العديد من السياسات، وترسّخ بها العديد من الأفكار التي لم يقدروا عليها بالمال والسلاح والسلطة، وربّما خير دليل على ذلك ما قامت به الدراما التركية على مدار السنوات الماضية، إذ أصبحت رديفًا مُهمًا للثورة السياسية والاقتصادية والثقافية التي رفعتها تركيا، وكانت خير وسيلة لتوصيل الأفكار والمساهمة في تلك النهضة".
إذ اِستطاعت -يُضيف المُتحدّث- أن تُقزّم الكثير من القضايا وتجرّمها، وتُروج لمعالمها السّياحية بكلّ اِحترافية ومقدرة وفنية، من خلال ديكورها وطريقة عيش شعبها وقوّة مخابراتها وجيشها، وأكثر من هذا تحوّل دورها في التاريخ الإسلامي إلى قاطرة قادت كلّ المُبادرات والمعارك والأحداث الكُبرى، كما حوّلت مسيرة ومسار قادتها العسكريين والتّاريخيين وسلاطينها إلى رموز، ليس في تاريخ العثمانيين فقط، بل في تاريخ كلّ المسلمين.
ويُواصل ذات المُتحدّث موضحًا: "وهو نفس المعطى الّذي قامت به الدراما السورية، التي اِستثمرت هي الأخرى في البيئة الشامية، وحوّلت تلك الحواري الميتة إلى مزارات سياحية، وأكثر من هذا أصبح كلّ العرب تقريبًا وعلى مُختلف الفئات، يعرفون البيئة التي عاش فيها السوريون في بداية القرن التاسع عشر إلى غاية منتصفه تقريبًا، وخَبروا طريقة تفكيرهم ولبسهم، واستوعبوا ثقافاتهم الأسرية والمجتمعية، حتّى أنّ هناك تأثرًا واضحًا بتلك البيئة اِنعكس عليهم، وأصبحت العديد من العائلات تسيرُ على خطاهم، وهذا ما فعلته أيضًا الدراما المصرية عبر تاريخها المُمتد لعقود من الزمن، إذ أصبحَ كلّ سُكان الدول العربية وعلى مُختلف ثقافاتهم وانتماءاتهم، يُجيدون اللهجة المصرية نُطقًا وفهمًا".مضيفًا في ذات السّياق: "من هنا تظهرُ قوّة الدراما في تغيير الذهنيات وتشكيل المعالم المعرفية والثقافية والتراثية، وإعطاء صورة معيّنة تودُ بعض المطابخ السياسية رسمها، من خلال تقديم بعض الخطوط والنقاط للعمل على ترسيخها، بمعنى أنّ الدراما خرجت من نقطة الترفيه إلى نقطة التأثير وتحديد السياسات، وهي قوّة ناعمة لا يجب الاِستهانة بها مُطلقًا، لأنّه وبكبسة زر واحد تكون جاهزة لبث موادها ومنتجاتها أمام المُشاهد والأُسر، وأكثر من هذا ترسيخها في الذهن، ولا يمكن إزالة تلك النتائج بسهولة، ليس بالتقارير الإعلامية، ولا بالبيانات، ولا حتّى في نشرات الأخبار، بل وحدها الدراما من ترسخّها، ووحدها الدراما من تُزيحها في حالة تحولها إلى قناعة".مشيرًا إلى أنّه: "ورغم هذه المعطيات والآثار الكبيرة التي تُحْدِثها، غير أنّ الدراما الجزائرية لا تزال بعيدة كلّ البُعد على منطق التأثير والمُنافسة، ولا تزال بدائية في تراكيبها الفنية والإبداعية، ولم تصل لدرجة الإبداعية التي يمكن أن تتخطى حتّى حدود الأُسر الجزائرية، فقط صور مُتقطعة أو مشاهد مجزّأة يتم اِلتقاطها عبر فضاءات التواصل الاِجتماعي المُختلفة".
ويعود هذا -حسب رأيه- إلى أنّ الدائرة المُتحكمة في هذه الصناعة لم تتغير مُطلقًا، وبقت تقدم نفس الأخطاء ، حتّى أنها لم تعرف بأنّ السوق حاليًا تعتمد على مبدأ التنافسية، والبقاء فيها دائمًا لمن يُقدم مادة أجمل وأكثر إبداعًا، لكن سيبقى الحال على حاله، ولن يتغير شيء، ما دام الفكر الجامد هو المُسيطر دائمًا.

* الناقد والأكاديمي عبد الحميد ختالة
أصبحت واحدة من أهم وسائل التأثير في المُجتمعات
يؤكد الناقد الأدبي والفني الدكتور عبد الحميد ختالة، أن: " الدراما التلفزيونية هي في الحقيقة واحدة من أهم أنواع المُؤثرات السمعية البصرية التي بإمكانها أن تُشكّل قوّة فاعلة جدًا في التغيير السلس للمُجتمعات، حيثُ يمكنُ لهذه الدراما أن تصنعَ وعيًا جديدًا لم يكن قائمًا أصلاً في المجتمع، كما بإمكانها أن تُصحِّحَ جملة من السلوكيات التي كانت إلى وقتٍ طويل تُشكلُ نسقًا في المجتمع، ومن جهة أخرى للدراما التلفزيونية القدرة على التغلغل في المُجتمع أكثر مِمَا تفعلهُ الكثير من الوسائط البصرية، ذلك أنّها تتوسل التلفزيون الّذي يكادُ يكون مُتوفرًا لدى مُختلف أطياف المجتمع".
مُضيفًا في ذات المعطى: "تتوسلُ الدراما التلفزيونية جُملة من الأدوات التبليغية التي تُسعفها في عملية التأثير، بدءًا من طبيعة الموضوعات التي تختارها والتي تكون عادةً مُستقاة من الواقع المعيش، أو أنها تُعالج واحدة من المشكلات الاِجتماعية المُتداولة، هذا ما يزيد الاِهتمام بها والطلب عليها من المُتلقي، إضافةً إلى عوامل أخرى منها المستوى اللغوي العامي الّذي تَستخدمهُ في حواراتها وقرب المادة الدرامية في شخصياتها وحواراتها وحتّى فضاءاتها المكانية من الذوق العام، كلّ هذا يسهمُ بشكلٍ كبير في تعلق المُتلقي بالدراما التلفزيونية".
ومُستطردًا يقول: "لا نُخالف الحقيقة إذا قُلنا بأنّ الدراما التلفزيونية قد أصبحت واحدة من أهم وسائل التأثير في المُجتمعات ولا أدلّ على ذلك من اِنتشار بعض اللهجات العربية في بيئات بعيدة عن بيئتها الأصل، وما كان ذلك ليتحقّق لولا الدراما التلفزيونية، تسهم الدراما أيضًا في فِعل المُثاقفة عندما تعمل على نقل جُملة من الأنساق الثّقافيّة من بيئتها الأصل إلى بيئات جديدة، أقصد بذلك طريقة المعيشة وأنماط التفكير وأنواع اللباس وحتّى ردود الأفعال، هذه كُلها أمست واحدة من مسؤوليات الدراما التلفزيونية".ثمَ أردفَ مُوضحًا: "كان يمكن أن يكون الأمر إيجابيًا جدًا لو كانت هذه الدراما التلفزيونية تخضعُ لقراءات سوسيولوجية وثقافية وإيديولوجية قبل وصولها إلى الجمهور، من أجل أن نضمن الحد الأدنى من التأثير الإيجابي، أمّا وإن هذه الدراما التلفزيونية تصل عادةً إلى عموم المُتلقين دون المرور على فلترة نقدية فإنّها أصبحت رافدًا من روافد الثقافات المسمومة، بل وكثيرًا من السلوكيات التي نراها الآن في المجتمع هي في الحقيقة صدى لتلك الأحداث الدرامية التي شاهدها المُتلقي في دراما تلفزيونية غربية أو شرقية تختلفُ عنّا في كثير من مرجعياتها".
واختتم قائلاً: "والحال هذه فإنّي أضم صوتي إلى الأصوات التي تتوجسُ خيفة من الاِختراق الاِجتماعي والثقافي والعقدي الّذي تُحدثه الدراما التلفزيونية المُستوردة من مجتمعات غريبة عنا ثقافيًا واجتماعيًا، وأنا أدعو من هذا المنبر إلى ضرورة تفعيل سلطة الضبط في اِنتقاء الأعمال الدرامية التلفزيونية التي من شأنها أن تُحدِثَ اِختراقًا ثقافيًا يُغيّر الذوق والفكر والاِنتماء، بل ويجب تفعيل الاِنتقاء النقدي الواعي حتّى مع الأعمال الدرامية الوطنية التي هي صارت تخبط عشواء في موضوعاتها ولغتها وحواراتها".

* الكاتب والمُمثل والمخرج المسرحي هارون الكيلاني
المسلسلات توغلت في المجتمع وتمكنت من توجيه الرأي العام
يسرد الكاتب والمُمثل والمخرج المسرحي هارون الكيلاني، حادثة تُحيل إلى أهمية ودور الدراما، فيقول: "ذات حج إلى صحراء السودان قبل الحرب جمعني القدر مع راعي اِبل يتأبطُ (مذياعا صغيرا) وقد شَدَّ وسطه بالخيط حتّى لا يتناثر، الظاهر أنّ هذا المذياع قد شَهَدَ ترحال الراعي من مكانٍ إلى مكان وصَبَرَ أمام هذه الصحراء ومناخها القاسي حيثُ لا شيء هُنا سوى غناء الرّيح ورقص الرمال على وقع العاصفة التي تُحوِلهُ إلى موج مُتلاطم لكنّه جاف ولافح، يكسر هذا الإيقاع صوت المذياع يُعلن أنباء الدنيا".
مضيفًا في ذات الفحوى: "هذا الراعي لا يعرف التلفزيون وبات الراديو أو المذياع أنيسهُ ومُعلمه ومُربِيه ومُثَقِفَهُ، يُزوده بأخبار العالم، وتوقعات الطقس، وأحاديث النّاس وضيوف لم يكن يسمع عنهم، يفهم الّذي يجري ومرات لا يفقه، فينتقل إلى تردّد آخر، يقول أنّ موجة fm لا تشتغل إلاّ قليلاً فأنا أبحر عبر sw أو lw فأستمتع بالقرآن والأغاني والحكايات".
ذات المُتحدّث أَرْدَفَ قائلاً: "تساءلتُ أنا ماذا لو دَخَلَ التلفزيون خيمة هذا الرجل، أكيد سيتغير مدخل الخيمة وسيستغني عن غنمه ولا يهمه بعدها إن ولدت عنزته وسيستغني أيضًا على النجوم والشمس وتغير المواسم وحتّى ركض الغزلان على الكثبان، سيغير أبطاله بأبطال آخرين ويمكن من ضفة أخرى وستصبح عنده مواعيد أخرى سيؤجل فيها سقي أغنامه وإبله وأشياء أخرى، سيجتهد في ضبط مواعيد المسلسلات ومعرفة الجديد وفكّ عُقدة السيناريو".
ومُستطردًا في تفاصيل الحكاية، يقول: "الدراما التلفزيونية أفيونٌ جديد يتنافس فيها أصحاب القنوات للوصول إلى واحد مثل صديقنا الراعي في هذه الفيافي مرورًا على عواصم الأرض وأجناس كُثر من الأغنياء والفُقراء وفي كلّ الأمكنة المفتوحة والمغلوقة في المنازل والمنتزهات والسجون وحتّى رياض الطفولة. من يتمكن من تسلية زبونه وشَده. (قصة جميلة وسيناريو محكم وممثلون بارعون وموسيقى مُؤثرة وألوانٌ وزوايا متنوعة) هذه خلطة فنية تقنية كفيلة بإنجاح المسلسل الجديد".
مُؤكدًا في الأخير، أنّ "هذه هي التجارة الفنية وصناعة الدراما التلفزيونية ولكن الأمر لا يتوقف عند بعضها أو أكثرها عند مسألة الترفيه، لكن المسألة أعمق، كثيرة هي المسلسلات الموجهة ضمن إيديولوجية مُخططٌ لها لبلوغ أهداف سوسيواجتماعية معينة، اِستطاعت مسلسلات التغلغل داخل المجتمع وتمكنت من العائلة وتوجيه الرأي العام نحو مسألة سياسية ما أو اِختيارات معينة ومن الأهداف ما باتَ يُهدّد كيانات اِجتماعية قد تضرب الأعراف والتقاليد".

* الناقد الأدبي والفني محمّد الأمين بحري
الدراما المحلية بين الموسمية والتبعية و صناعة الوهم
يذهب الناقد الأدبي والفني الدكتور محمّد الأمين بحري، إلى ذكر الدراما الموسمية أوّلاً، إذ يقول بهذا الخصوص: "ترتبط مشاكل الدراما العربية، بخلل تاريخي بدأت قِلة من البلدان مثل مصر وسوريا والأردن والكويت بالشفاء منه وتجاوزه نسبياً، بينما بقيت باقي البلدان العربية ترزح تحت طائلته، ألا وهو الموسمية، حيثُ تزدهر الدراما في شهر واحد هو شهر رمضان، الّذي صار موعداً سنوياً لولادة الدراما التلفزيونية، فتنتظره العامة من النّاس، وتشحذ له الخاصة من الأقلام النقدية أقلامها، فيما تكون ثورة التجهيز والإعداد قائمة لدى المنتجين والمخرجين قائمة اِستعداداً لهذا الشهر الّذي صار بمثابة أولمبياد للدراما".
لتموت الدراما -يُضيف بحري- وتنعدم في باقي شهور السنة، مثلها مثل المواعيد الثقافية الأخرى في بلدان الترقيع الثقافي، فتزدهر صناعة وتأليف وطباعة وتجارة الكِتاب في أسبوع الصالون الدولي، بينما يموت الكِتاب والكتابة في باقي شهور السنة. ثم يزدهر المسرح قبيل المهرجان السنوي، ويموت بعد اِنقضائه في باقي شهور السنة.
مضيفًا: "هكذا هي الثقافة التي أفقرت العمل الفني سواء في الدراما أو الكِتاب أو المسرح أو غيرهم، فمن أراد أن يقتل فناً فليجعله موسمياً. ليحيا في موسمه ويموت في باقي مواسم السنة. وهنا يتحوّل الإشكال إلى أزمة عقيدة ثقافة. تسري في جسد منظومة ثقافية مُصابة بالسبات فتنهض وتنتفض وتحيا في لحظة وحيدة في السنة، لتعود إلى جحر سباتها وتابوت مواتها في باقي المواسم".
بحري، تحدث أيضا عن الدراما وإشكالية التبعية، أو (الدراما التابعة)، وقال في هذا المحور: "لعلّ أوّل الأوهام التي تصيبُ غالبية المُتعاملين مع الدراما من جمهور ومُمارسين، تنبع أوّلاً من الوعي الشقي الّذي تزرعه نزعة المقارنة النمطية بين المنتج الدرامي التلفزيوني المحلي ونظيره في البلدان التي تملك تقاليد شائعة، في صناعة وترويج الدراما. فتنشأ لدينا ما تُسمى بالدراما التابعة، شكلاً فقط لا مضموناً، دراما تلفزيونية خالية من أية خصوصية ثقافية، خالية من الهوية، خالية من العُمق التأصيلي في المجتمع، خالية من المضمون الفكري والفني".
ومُستدركًا يُضيف: "ذلك أنّ النموذج المتبوع، (أمريكي/تركي/هندي/أوروبي...) قد تَميَزَ بخصوصيته الثّقافية والهوياتية التي تسم خصوصيته الفنية التي أشاعها قطرياً وعالمياً، ومن يأتي لينقل عنه تلك الخصوصية، يصبح بشكل غير مُباشر يصب في خصوصية وهوية وتراث الغير فنياً وفكرياً وثقافياً/ هذا إذا لم تبرز سطحية وسخافة التقليد التابع للنموذج الأصيل، فنموذج دراما المافيا الإيطالية أو الكورية أو اليابانية أو دراما الأحياء الخلفية الأمريكية، أو نموذج أغلى بيتي الأمريكي الشهير، هو نمط ترويجي لثقافة تلك الأمم، مغروس بعناية في المراحل والبنيات الهيكلية والفنية للعمل، إذ لا يمكن نسخه ولصقه بتلك السهولة التي نراها في الدراما المحلية أو العربية، دون إدراك وتفكيك وإعادة بناء". فصارت الدراما المحلية التابعة -حسب رأيه- ليست سوى نموذج ترويجي في الختام لخصوصيات وثقافات وأصول وهويات غيرية، نظراً لاِفتقادها الجذري للأصالة والهوية الخصوصية المحلية فنياً وفكرياً وبنيوياً.كما رَكَزَ -ذات المتحدّث- على مشكلة التخاطب الدرامي وصناعة الوهم.
قائلاً في هذا السّياق، أنّ: "من أبرز الاِنشغالات العالمية الحالية في موضوع الدراما، نجد موضوع التخاطب واللّغة الدرامية، ولم تتأخر بعض البلدان والمؤسسات في هذه الصناعة الفنية، إلاّ لسبب يحوم حول نوعية التخاطب مع الجمهور، ونوعية الوسائل الفنية واللُغات المُستعملة، وأدوات هذا التخاطب، وكيفياته، بينما تشتد المُنافسة في المُقابل، بالموضوعات والثيمات، التي قد تبلغ شدة الصراع وحمى التنافس فيها، إلى درجة قد تغطي على النص نفسه، فيشيع الاِرتجال، ويحل التلفيق. وتظهر للعيان مشكلات وهمية. فيتهم النص بالضُعف، والمُمثل بالمحدودية، والمُخرج بالمحسوبية، وتصل عدوى التردي إلى كافة عناصر وشركاء العمل الدرامي.
لنصل في النهاية -حسب الدكتور بحري دائمًا- إلى صناعة درامية مشوهة ووهمية جراء التعامل التابعي مع هذا الفن، حيثُ لا يصنع التابع إلاّ الوهم، ولا يتغذى إلاّ به ولا ينتج سواه كما قال المفكر الإيراني حميد دباشي في محاضراته حول جدلية الإمبراطورية والتبعية.

* الناقدة والباحثة جميلة مصطفى الزقاي
قوة ناعمة قادرة على إحداث التغيير دون إشهار الأسلحة
تُوضح الناقدة والباحثة الدكتورة جميلة مصطفى الزقاي أن: "الدراما فنٌ مُتفرد وهي ثنائية وليست أحادية لأنّها تُقابل بين موقفين يتولد عنهما موقف جديد وِفْقَ ما جاد به كلٌّ من أفلاطون وأرسطو فضلاً عن سقراط الّذي اِبتدع الديالاكتيكا -أي المعرفة عن طريق الجدل والحوار- كإطار لفلسفته التي لم تكن فيها الديالاكتيكا غير تصارع بين فكرتين تتولد عن فكرة ثالثة مُختلفة بالطريقة نفسها التي يخلق بها الحوار في المسرح الفرصة لظهور موقف جديد، وسواء تأثرت الدراما بالفلسفة السقراطية أو لا، فإنّ كلا من الديالاكتيكا الفلسفية والديالوج المسرحي قد أثبتا أنّ العقلية الإغريقية كانت درامية في طريقة تعبيرها عن نفسها، وأنّ الفكر الإغريقي الّذي صاغ الأدب والفلسفة كان في تكوينه فكرًا دراميًا. بله عن كونها رؤية مُتجدّدة ومتنوعة حول سلوك الإنسان ومواقفه وطموحاته، كما أنّها الحركة الدائبة التي لا تتلاءم مع السكون، وهي التنوع ذاته لا الرتابة والجمود".
واستطردت في ذات الفكرة وهي تقول: "إذا كانت الدراما الإغريقية قد تغذت من النظام السياسي الّذي أَسْهَمَ في اِزدهار الثقافة والفكر؛ خصوصًا الدراما باِعتبارها فنّاً جماهيريًا يقومُ على التذوق العريض لها؛ فإنّ نجاح الفن الدرامي يتوقف على مدى صدق تعبيره عن آمال الجمهور سوسيولوجيًا وسلوكيًا وسياسيًا وترفيهًا هادفًا. وردفًا على ما تقدم تبقى الدراما كتعبير فني جماعي يستوعب كلّ أطراف العملية الإبداعية من مُؤلف ومُمثل ومُخرج وغيرهم. لكن نجاعتها تكمن في كونها الأكثر اِلتصاقًا بحياة الإنسان والمجتمع. واستنادًا لهذا المسح لماهية الدراما يمكن طرح السؤال الآتي: إلى أي مدى تُحاكي الدراما العربية والجزائرية منها أفعال النّاس وسلوكاتهم؟ وما الدور الّذي تضطلع به في المجتمع؟ وهل لها القدرة على تشكيل الوعي والتأثير في الجمهور إيجابًا؟".
وهنا أردفت: "إذا تعلق الأمر بزخم الدراما في الجزائر التي أضحت مرتبطة بالشهر الفضيل، فإنّها بلا ريب تعرف تحسنًا ملحوظًا من حيث تمكنها من جعل المشاهد الجزائري شريكًا يُعبرُ عن رأيه فيما يعرض منها في الفضاء الأزرق وحتّى إن لم يكن ذلك نقدًا بمعاييره وآلياته التفسيرية والتقييمية، فإنّه يسهم في تيسير إحصاء وتيرة التلقي لهذا المسلسل أو ذاك. لكن هذا التفاؤل بِمَا يعرض في القنوات الجزائرية لا يعني النجاح المُطلق لها لأنّ بعضًا منها يسقط في الفكاهة المجانية والبعض الآخر يتناول تيمات مُستلهمة من الأفلام الهندية تارةً ومن المسلسلات العالمية تارةً أخرى، وهناك من يسميه تناصًا أو تلاصًا".
وأيًا تكن التقنية -تؤكد الزقاي- المهم أن تُراعى الهوية وتُحترم المقدسات الوطنية التي متى اُحترمت إلى جانب مقبلات درامية وجمالية صورة فإنّها لا محالة تظفر برضا المُشاهد الجزائري الّذي أضحى من الصعب اِستقطابه في ظل المُنافسة الشرسة للقنوات العربية التي تحفل بالإنتاج التركي الدسم.
مع العِلم –توضح في الأخير-: أنّ "العمل الدرامي الجيد هو الّذي يمتاز بقدرته على توصيل وترسيخ مفاهيم ورُؤى تلتصق بوعي المُشاهد دون اِفتعال أو تصنع أو خطاب مُباشر. وما يحسن الحرص عليه في صناعة الدراما عمومًا هو أهمية التفكير في التغيير والتطوير للأفضل دومًا من خلال أنماط المُعالجات الدرامية. وباِختصار الدراما هي القوّة الناعمة القادرة على إحداث التغيير في المجتمع وإصلاحه دون إشهار الأسلحة".

* الناقدة والباحثة زبيدة بوغواص
صورة حية للمجتمع و مرآة للعصر
تقول الناقدة والباحثة الدكتورة زبيدة بوغواص، من جهتها إن: "الدراما بمفهومها التمثيلي والتشخيصي بدأت مع بداية وجود الإنسان، الإنسان البدائي الّذي كان يهوى المُحاكاة وتقليد الأصوات والحركات ويحكي لأسرته عمّا قابله من أحداث وهو في طريقه إلى القنص، أو أثناء ذلك، وهي أحداث تشبه الأحداث الدرامية بالمفهوم الحديث والمُتطوّر، حيثُ عناصر التشخيص والتمثيل وتوفر الحكاية والفعل، وهي كلها عناصر تُشكل المفهوم الحقيقي للدراما التي تعني: يفعل من خلال عناصر هي: الحكاية، والحدث وما يتخلله من صراع، والحوار، والتمثيل، والجمهور...".
ثم أردفت في ذات الشأن: "الدراما صورة حية للمجتمع، الموجودةِ فيه، تتأثرُ بالتغيرات التي تحدثُ فيه، وتعكسُ صورة المجتمع الّذي تعيش فيه، من ذلك مثلاً الدراما في العصور الوسطى، أو دراما الكنيسة، التي كانت صاحبة السلطة، فكانت الدراما تنبعُ من داخلها، تُعَبِرُ عمّا يريدُ الكهنة توصيله إلى أفراد الشعب، وفي كلّ عصر تكون الدراما مرآة للعصر الّذي يعيشُ فيه تعكس قضاياه ومشاكله، وهو ما نلمسه مثلاً في دراما إبسن النرويجي واتجاهه نحو الواقعية التي تدرس المشاكل الواقعية للمجتمع، على مستوى عناصر العمل الدرامي، فلم يقدم بطلاً خرافيًا ولم يجعل للقضاء والقدر تأثيرًا على البطل، بل التأثير ينبع من المجتمع ومن تصرفات الفرد".
وهنا تستطرد قائلةً: "تُشكل الدراما التلفزيونية شكلاً مُتطورًا عن الدراما عن طريق صورة العرض حيثُ إنّها أقدر على أداء وظيفة تتطلب صوتًا وصورة، فتتمُ عملية التلقي في جو المودة والألفة التي تُسيطر على التجمع العائلي، وهو الأمر الّذي جَعَلَ تأثيرها يُعمقُ قيمًا سائدة في مجتمع ما، أو يُغيره، لا غرو في ذلك فالتلفزيون يُمثلُ ضيفًا يدخل منازلنا ونستقبله ونرحبُ به، وليس الأمر كما هو في المسرح والسينما حيثُ التنقل إليهما للمُشاهدة، لذلك فهو وسيلة إعلامية لها تأثير كبير على الأفراد، فهي تساعد –بلا شك- في تكوين سلوك فردي واِجتماعي في المُجتمع مِمَّا تُثبته أو تُلغيه من قيم لدى الأفراد، من خلال الدراميات الأجنبية التي يستهلكها المُجتمع في ظل التسارع التكنولوجي الرهيب، وزيادة القنوات والمحطات التلفزيونية، التي تعمل على نقل ثقافة مجتمع إلى مجتمع آخر بِمَا تحمله هذه الثقافة من قِيم قد تكون غريبة لا تتناسب مع قيم مُجتمعنا".
وبالتالي -حسب رأيها- فهي (أي الدراما) تعمل على تغيير القيم والمفاهيم، بل واِهتزازها، كما تعمل في الجانب الإيجابي على زيادة التطلعات لدى أفراد المُجتمع الواحد، إذا تَمَ اِختيار ما تعرضه الدراما الأجنبية من برامج درامية تُناسب البيئة التي نَشَأَ فيها المجتمع الواحد.
و-تُؤكد في الأخير-: "فهي أيضا (أي الدراما) لا تفتأ تعمل –إلى جانب الترفيه- على الحفاظ على الهوية الوطنية، وما تتضمنه من هويات: الثقافية والسياسية والاِجتماعية...، وتقديم الحلول لمشكلات اِجتماعية، ونشر الوعي بكلّ أشكاله خاصة بين فئة الشباب، حيث يفترض أنّ الدراما تتجه نحو هذه الفئة بنسبة كبيرة، لأنها الفئة التي تكون بحاجة إلى التجارب واستخلاص الدروس منها، بما تقدمه من إنتاج يتناول قضاياهم، ويحاول أن يجد لها حلولاً، حسب الواقع والمتغيرات التي تطرأ على المجتمع بصورة جديدة لا تخلو من التجريب والتجديد على مستوى الشكل والإنتاج الدرامي".