
عن دار النهضة العربية/ بيروت، صدرت في الآونة الأخيرة، رواية -سيرة ذاتية-، بعنوان «ملاوة.. سيرة بوح الرّوح» للكاتب والناقد الدكتور عبد القادر فيدوح، كما صدرت عن دار نشر جزائرية هي «صوت الكُتب»، وستصدر لاحقا في العراق.
العنوان يبدو غريبًا، ولكنه -حسب المؤلف- نابع من لفظة «مِلاوة» وهي من الألفاظ العربية القديمة ذات الاِستعمال الدقيق، وهي اِسمٌ يُستعمل للدلالة على المدّة من الزمن، غير أنّها ليست مُطلقة، بل مُقدَّرة بِمَا يليقُ بسياق السيرة الذاتية.
في الرواية، تطلّ علينا تجربة سردية جديدة تنبضُ بعمُق المكان وحرارة الذاكرة، وتستكشف تساؤلات الإنسان العصامي الّذي شَقَّ طريقه بنفسه في صراعه مع التاريخ والهوية، وانزلاقات الحياة اليومية الصامتة.
في «ملاوة» لا يكتفي الكاتب بسرد الحكاية، بل يُشَيّدُ عالمًا روائيًا تتقاطع فيه التفاصيل الصغيرة مع القضايا الكُبرى، حيثُ يتحوّل المكان إلى بطلٍ صامت، واللّغة إلى أداة كشف وتأمل، تجمع بين الشِّعريّة والواقعية، وبين الحنين والنقد.
“ملاوة» ليست لفظًا عائمًا، أو عنوانًا اِعتباطيًا، بقدر ما هي نبع دلالي متجذّر في فضاء السيرة الأدبية؛ سيرة لا تُكتب بوصفها تسجيلاً كرونولوجيًا للأحداث chronologically، بل باِعتبارها تشكّلاً سرديًا للمعيش اليومي، حيثُ تتداخل الذاكرة الفردية مع الذاكرة الجماعية، ويتحوّل اليومي البسيط إلى مادة أدبية كثيفة المعنى. في هذا الأفق، تغدو «ملاوة» علامة على سيرة مُشبعة بالتجربة الحياتية، تستمد مشروعيتها من التفاصيل الصغيرة والهامشية، لا من الوقائع الكُبرى وحدها. فهي سيرة تُعيد الاِعتبار للإنسان العصامي، الّذي يعيش خارج دوائر الضوء، ويصوغ هويته ووعيه من اِحتكاكه الصامت بالحياة، ومن طقوسها المُتكررة، ومن اِقتصادها البسيط في الألم والأمل.
وهكذا، تتحول «ملاوة» داخل السياق السردي إلى رمز مركزي تتقاطع فيه السيرة والخيال، والذات والآخر، واليومي والتاريخي، لتُؤسس كتابة سردية تجعل من الهامش مركزًا، ومن العيش البسيط أفقًا دلاليًا لفهم الهوية والذاكرة ومعنى الوجود الإنساني.
باِختصار، هي رواية تنصتُ إلى المهمَّش، وتُعيد الاِعتبار للصوت الإنساني في بساطته وعُمقه، وتدعـو القارئ إلى رحلة فكرية ووجدانية، لا تخلو من الدهشة والأسئلة المفتوحة.
للإشارة، الدكتور عبد القادر فيدوح، ناقد وباحث أكاديمي. له مجموعة من الإصدارات، تتجاوز 45 مؤلفًا، بين تأليف منفرد، وتأليف مشترك كلها تصب في الدراسات النقدية والتطبيقية والفكرية والفلسفية، بغض النظر عن، مجموعة من الدراسات، والمقالات العلمية، والمداخلات، في الملتقيات الدولية والمؤتمرات التي تخطت رقم 150 بحثاً، ومن كتبه: “الاِتجاه النفسي في نقد الشِّعر العربي”. “تأويل المُتخيل، السرد والأنساق الثقافية”. “التجربة الجماليّة في الفكر العربي”. “معارج المعنى في الشِّعر العربي الحديث”. “اللّغة العربية والعولمة وجهًا لوجه”. “الفكر الخلدوني ومنابع الحداثة”. “نظرية التأويل في الفلسفة العربية الإسلامية”. «الرؤيا والتأويل”، «سردية السياسة في الرواية العربية»، وغيرها من الكُتب.
نوّارة/ل