
عرض أستاذ الفلسفة بجامعة سكيكدة الدكتور مصطفى كيحل كتابه ‹›قلق في المعنى› الذي يعد آخر إصداراته أمام نخبة من الأساتذة الجامعيين والمثقفين الذين غصت بهم قاعة العرض بالمكتبة الرئيسية للمطالعة بسكيكدة، بداية الأسبوع، بعد تقديم في شكل قراءة أولية من قبل الأستاذ طارق بوحالة من جامعة ميلة، وقد عرف اللقاء مناقشات وتفاعلات كثيرة من قبل الحضور تمحورت أسئلتها حول مضمون الكتاب وأبعاده وبعض القضايا التي طرحها على فترات مختلفة، وعلاقتها بالواقع المعيش وطنيا وعالميا، وعلاقة الفيلسوف بالراهن الثقافي والفكري والاجتماعي والايديولوجي، لاسيما وأن الأستاذ مصطفى صاحب الكتاب أبى إلا أن يبقي الكثير من الأفكار الواردة في كتابه مفتوحة على مختلف القراءات ولم يشأ أن يقدم إجابات مطلقة نهائيا للكثير منها؛ فأبقى الكثير منها في دائرة الشك بدل اليقين وفي مربع القلق بدل الاطمئنان.
ويرى أن أزمة المعنى في ثقافتنا لا تتوقف في الحقيقة على الفقدان الاجتماعي للدلالة فقط، وإنما يتجاوز ذلك إلى تشوش البناء النظري للمعنى و قلق معنى المعنى في ذاته، فعملية إنتاج المعنى في الأنظمة الفكرية و المعرفية تتداخل فيها عدة عوامل تعكس التنافس بين الفئات الاجتماعية و الأيديولوجية التي لا تطلب المعنى الحقيقي و الصحيح، بقدر ما يهمها بالدرجة الأولى التنافس في إنتاج وفرض المعنى الذي يتناسب مع توجهاتها الأيديولوجية ويخدم مصالحها الفئوية، ويدعمها في كسب معركة صراعها على السلطة والثروة و الهيمنة على الناس، ومن ثم احتكار المعنى ، لأنه لا يوجد معنى معطى و جاهز، وإنما يوجد المعنى المنتج و المتحكم فيه و الموجه..
وهذا ما يجعل خطابنا في جميع الحقول الفكرية والسياسية والاجتماعية يحفل بعتمات كبيرة وبمساحات واسعة من الغموض بسبب قلق المفاهيم وغياب العلاقة الواضحة بين الدال والمدلول، ويعود ذلك إلى الرغبة في تضمين المفاهيم والأفكار بمضامين معرفية وحمولات علمية غير متسقة فيما بينهاوغير منسجمة مع زماننا الثقافي، إضافة إلى ضمور ملكة إنتاج المفاهيم والمعاني والعجز عن بناء الأنساق النظرية التي هي في جوهرها أنساق نظرية تفسيرية لفهم الانسان والمجتمع وإضفاء المعقولية على العالم والطبيعة.
كما أن نقل المفاهيم من مجالها التداولي الغربي أو من مجالها التراثي الكلاسيكي إلى المجال التداولي الثقافي الخاص بمجتمعاتنا العربية المعاصرة يطرح الكثير من العقبات المعرفية واللغوية والمنطقية. فزحزحة تلك المعاني والمفاهيم من مجالها التداولي الأصلي إلى مجال تداولي مغاير ليس بالأمر الهين، ومن هنا تنشأ الدعوة إلى تبيئة تلك المفاهيم بما يتناسب والزمن الثقافي لهذا المجتمع أو ذاك، وبما يخدم ويلبي المطالب والحاجات الايديولوجية لفئات اجتماعية معينة، وفي عمليات التبيئة يحدث أن تلتبس المعاني بمضامين نظرية مجردة جديدة ليست فقط غير متناسقة مع معناها الأولي،وإنما قد تتناقض وتتنافى مع ذلك المعنى في أصله الأول. بسبب الافتقار إلى آليات التسويغ المعرفي وهدر السياق التاريخي التي انبثقت فيه تلك المفاهيم والأفكار. فالثقافة العربية في علاقتها بالآخر تعاني قديما وحديثا من قلق العبارة وقلق المعنى بسبب ما يطبعها من تشوش دلالي في الفهم والتلقي، وقد ابى إلا أن يستحضر مقولة جيل دولوز ‹›تصلح الفلسفة لإثارة الحزن،فلسفة لا تُحزن أحدا ولا تضاد أحدا ليست فلسفة›‘!
الكتاب الذي قدم له قراءة أولية الأستاذ طارق بوحالة من جامعة ميلة احتوى على عشرات المقالات الثقافية ذات المنحى الفكري والفلسفي وتتميز بطابعها الإشكالي والنقدي توخت طرح قضايا الراهن المحلي و العالمي و تحليل الخطابات المختلفة الثقافية و العلمية و السياسية و الدينية، و بيان مرتكزاتها العلمية و مستنداتها المنهجية و ذلك وفق رؤية تحليلية نقدية و لكن دون السقوط في العدمية ، فهي ليست مقالات مثبطة للإرادات و باعثة على اليأس بقدر ما هي مقالات تعكس عدم الرضا عن الواقع السياسي و الاجتماعي و الثقافي و الاقتصادي كما يقول المؤلف؛ الذي صنف هذه المقالات إلى أربعة محاور و هي :
محور المفاهيم و محور المؤسسة و المعرفة و محور التاريخ و المعنى و محور الجائحة و الفلسفة، ففي المحور الأول كان الغرض هو الكشف عن حدود المفاهيم و تحليل حمولاتها المعرفية ومضامينها الأيديولوجية و استخداماتها السياسية و الحفر في نشأتها و تاريخيتها، فتوقفت بالتحليل عند العديد من المفاهيم من مثل التأويل والتسامح الهوية والحرية والحوار والروحيةو السلفية و الحرب العادلة و العنصرية و الشعبوية والعقلانية والاستبداد و العلمانية و الدكتاتورية، والإسلام والغرب، ونظرية الاستبدال الكبير وأوهام العنصرية المستجدة، و العقل لتبريري، ورهان البيئة،والايكولوجيا العميقة، والمجتمع المدني في علاقته بالدولة، وبراديغم الحق، وخطاب حقوق الانسان و الأيديولوجيا،صعود نظام التفاهة،وعلوم الانسان و المجتمع، المذهبية الدوغمائية. ...الخ ويعترف المؤلف أنه لا يبدع شيئا جديدا من حيث المنهج وإنما ينسج على منوال تقليد فلسفي يعود إلى تراث سقراط و زكي نجيب محمود و عبد الله شريط وغيرهم كثير. أما محور المؤسسة والمعرفة فقد ركز فيه النظر على المؤسسات ومنطق اشتغالها من مثل الدولة وأنماط الحكم وعلاقة السياسة بالدين والجماعات الثقافيةوإشكالية القبيلة والدولة العربية، والوطنية والمواطنة، والجامعة ودورها في إنتاج المعرفة ونقل العلوم من جيل إلى آخر، ورهان الأخلاقيات في الجامعة والمدرسة والسياسات التربويةوالتعليمية المتبعة، وما عالجه في هذا المحور موضوعات كثيرة من قبيل الحراك وسيكولوجيا الحشود، الدولة المدنية و مضاداتها.والمقاومة الثقافية، المهمات العاجلة للنخبة الجزائرية في أفق 2050م،والنخبة ورهان المعرفة، والنضال. أما المحور الثالث فتضمن مقالات حول قضايا تاريخية سواء تعلقت ببعض الشخصيات التاريخية والعلمية،منبها هنا إلى خطر القراءة المتربصة لحياة بعض الشخصيات التاريخية، أو بقضايا سيكولوجيا الاستعمار والكولونيالية، وكيفية التعاطي مع التاريخ وتوظيفه بما يتناسب وخدمة رهانات الحاضر، حيث يعالج في هذا المحور موضوعات من قبيل السياسة والحقيقة،والعقل الغربي «الإبادي»، المثقفون والتساقط على طريق الفكرة. وسيكولوجيا الاستعمار.وفلسفة الثورة، وباثولوجيا التاريخ، وأسئلة الذاكرة. أما المحور الرابع فحمل عنوان الجائحة والفلسفة،وتضمن مجموعة مقالات حول الأسئلة الفلسفية للجائحة من مثل واقع الحرية في ظل الذريعة الوبائية والجائحة واللايقين والوباء والعلم من طوبى الخلاص إلى فوبيا الكاوس، وفي هذا المحور يقر أن منطق الدولة يقتضي أولوية الحق في البقاء على الحق في الحرية زمن الوباء، وقد يكون منطق الدولة هنا أقوى من أي فلسفة لأنه لاحرية بدون حياة!فحياة الإنسان مناط تمتعه بباقي الحقوق الطبيعية والمدنية.
وعبر صفحات الكتاب ستظهر أسماء كثيرة وطنية وعربية وأجنبية؛ على غرار ابن خلدون وابن باديس ومالك بن نبي وأركون وأمين معلوف وفرانز فانون، وعلي الكنز وجديدي وبومدين بوزيد وعبد العزيز بوباكير، وفلاسفة غربيون من آخرون أمثال يورغن هابرماس وادغار موران وغيرهم؛ ممن عرض بعض مقولاتهم وأفكارهم بقراءة تحليلية نقدية مقارنة،والهدف من هذه المقالات التي نشرت خلال الفترة من 2019 إلى 2023م، كما يقول هو الإسهام في تفكير بعض القضايا و الإشكاليات الثقافية والسياسية و الاجتماعية و ليس تقديم الحلول النهائية أو الإجابات التامة، لأن المثقف الحقيقي هو ذلك الشخص الذي يعرف و يتكلم، و يكتب ما يعرف دون نرجسية أو تعصب. الكتاب الذي بيعت كل نسخه التي جلبها صاحبه لندوة القراءة بيعت كلها بالتوقيع؛ وكما بدأه بالحديث عن فوضى المفاهيم أبى إلا أن يختمه بعرض دور الفوضى في تجدير معنى الأزمة ومظاهرها في ازدياد الفوضى وغياب اليقين، فإذا كان كل نظام يحمل داخله نسبة من الفوضى متحكم فيها، فالأزمة تظهر عندما تزداد الفوضى و يتراجع الاستقرار، و عندما تحول التكاملات إلى تنافس و تعارض، و تنامي الفوضى و غياب اليقين يلخصها «ادغار موران» في المبادئ التالية: «كل لنفسه»و»لواحد للجميع»و»كل أحد ضد كل أحد»و»الجميع ضد الجميع» على حد تعبير الفيلسوف ادغار موران.
ع/خلفة