الاثنين 20 أبريل 2026
Accueil Top Pub

فقدته الساحتان الأكاديمية و الثقافية: محمد داود.. مرآة الرصانة الفكرية


توفي أوّل أمس، الأحد 5 أفريل، الباحث الأكاديمي والمُترجم والناقد البروفيسور محمّد داود، عن عمر ناهز 71 عامًا، بعد صراع مع مرض عُضال. وبعد مسيرة حافلة بالعطاء المعرفي والأكاديمي في خدمة الجامعة الجزائرية.

الراحل من مواليد 20 ديسمبر 1955، بعين الطلبة، ولاية عين تموشنت، اِبن شهيد، حاصل على شهادة الدكتوراه في الآداب الفرنسية، بجامعة وهران، 2005. وهو إلى جانب هذا باحث أكاديمي وناقد ومُترجم وأستاذ الأدب المقارن والترجمة (معهد الترجمة-جامعة أحمد بن بلة، وهران1) ومدير وحدة البحث في الثقافة والاِتصال واللُغات والآداب والفنون. ويُعد من القامات العلمية في المشهد الثقافي والأدبي الجزائري. تتركز جهوده وأعماله ومقالاته على الدراسات النقدية، السردية، والترجمة، وقد أسهم في تعزيز الوعي بأهمية الترجمة كجسر معرفي بين اللُغات، مع اِهتمام خاص بالرواية الجزائرية والهوية الأدبية، وعُرِفَ بمتابعاته الدقيقة لجوائز الأدب العالمية وتحليل معاييرها وتأثيرها على الكُتّاب. فضلًا عن كونه أستاذًا ومكونًا لأجيال من الباحثين في الجامعة الجزائرية لأكثر من أربعة عقود.
كما له مساهمات أكاديمية متنوعة بالجامعة وبمركز البحث الجزائري كراسك وهران. وهو أيضا عضو المجلس الاِستشاري لـ»مجلة العلوم الاِجتماعية» التابعة لكلية العلوم الاِجتماعية، جامعة وهران2، ورئيس تحرير مجلة «معالم» التابعة للمجلس الأعلى للغة العربية، برئاسة الجمهورية الجزائرية من جوان 2017 إلى شهر مايو 2019، وعضو هيئة التحرير بمجلة «أقاب فرانكوفون» التابعة لمركز الأبحاث الفرانكفونية لكلية الآداب والتاريخ، لجامعة تيميشوارة، (رومانيا)، ومُترجم مُتعاقد مع مجلة «إنسانيات» التابعة لمركز البحث في الأنثروبولوجيا الاِجتماعية والثقافية، من أكتوبر 2000 إلى غاية جويلية 2015.
للراحل مجموعة من المؤلفات البحثية والنقدية، من بينها: مؤلف جماعي حول «مسرح عبد القادر علولة بين النص والخشبة»، 2018. وكِتاب «الحقول الأدبية وإستراتيجيات الأدباء» 2014. ومنجزًا أدبيًا حول «الرواية الجزائرية منذ 1990 إلى الآن»، وآخر حول «الرواية الجديدة: بنياتها وتحوّلاتها» منشورات اِبن النديم، وله أيضا «الكتابة المغاربية من سنة 1990 إلى الآن: اِنبثاق مخيال جديد» منشورات مركز البحث الكراسك (مؤلف جماعي). «الأمير عبد القادر.. المُثقف والأديب والمتصوّف» سنة 2022، (مؤلف جماعي».
وفي مجال الترجمة له: «الترجمة والثقافة»، «الرهانات الاِجتماعية للجسد»، «الحمام المغاربي في القرنين التاسع عشر والعشرين»، «ملعب كرة القدم: فضاء للتنشئة الاِجتماعية»، «زمن التعليمات وتناقضات كرة القدم في الجزائر»، «الاِستعمار، الحركة الوطنية والاِستقلال في الجزائر»، «الوطنية الشعبوية بمدينة سكيكدة»، «الاِختلالات العمرانية بمدينة وهران»، وله ترجمة رواية «اِمرأة بلا ملامح» للكاتب كمال بركاني، من اللّغة العربية إلى اللّغة الفرنسية، منشورات الاِختلاف، الجزائر2002. وغيرها من الأعمال العلمية القيمة.
الراحل، كان أيضًا أحد أبرز المُساهمين في ملفات الملحق الثقافي لجريدة النصر «كراس الثقافة»، بمقالاته ومشاركاته الثرية التي كان يُدلي بها في محاور ومسائل ثقافيّة وأدبيّة وترجميّة مُختلفة. كما كان أحد أبرز الناشطين الثقافيين عبر صفحته على موقع فيسبوك، من خلال إسهاماته وقراءاته وكتاباته وانطباعاته في مختلف الحقول الثّقافيّة والمعرفية.
خبر موته صَدَمَ الكثير من أصدقائه في الوسط الأدبي والأكاديمي، فقد اِنتشر الخبر وملأ صفحات مواقع التواصل الاِجتماعي، وخاصة على الفيسبوك، الّذي تحول إلى منصة للترحم على الفقيد ونشر بعض مآثره وآثاره في حقل الترجمة والكتابة. صفحات كلها حزن وصدمة وعبارات تعازي وألم. إذ تلقى الكثير من أصدقاء وزُملاء الراحل الخبر بحزن بالغ.
واعتبرت مليكة بن دودة وزيرة الثقافة، فقدان محمد داود «خسارة لوهران التي أحبها وأعطاها زهرة فكره، وخسارة للساحة الفكرية الوطنية التي عرفته ناقدا حصيفا ومترجما متميزا».
وأضافت في منشور لها: «أعزي نفسي أولا، وأعزي عائلته الكريمة، وزملاءه في الجامعة، ورفاق دربه وكل من تقاسم معه شغف المعرفة».
​ وختمت منشورها بالقول: «إن المثقفين لا يرحلون... يتركون بصماتهم منقوشة في ذاكرة الأجيال، ومحمد داود سيبقى حيا في كتبه، وفي قلوب طلبته، وفي كل سطر ترجم لينير دروب القراء».
ومن بين الذين تحدثوا عن الراحل، الكاتب والمسرحي حميدة عياشي، الّذي رثاه على صفحته بمنشور مطول، كان فحواه: «ها أنت ترحل وتُغادر إلى الأبدية في أفقٍ شاسع من الشجاعة والتعب العميق. كُنتَ تعرف قدرك الّذي وقف خلف الباب. لم يُخفك، ولم يفقدك هدوءك، بل تضاعف فيك ذلك الصفاء، وازداد حضورك سكينةً ونقاءً. هذا ما أحسستُ به وأنتَ تُكلمني عن مرضك، كأنّه شيءٌ آخر، كأنّه جزء منك لم تنكره. جلستَ أمامه بكلّ نُبل، تُحدّق في ملامحه بترفّع ورضا، وتُواصل كتابة ما تبقّى من فصول كِتاب الحياة. كنتَ تعلّق على كتابات أصدقائنا، وتقول لي إنك ستكتب مقالاتك لإثراء النقاش، ما إن تستعيد شيئًا من قوتك. وكنتَ تتحدث عن قراءاتك الهادئة، كأنك لم تكن في سباق مع الزمن، وكأنّ ذلك الزمن الأسود لم يكن يخيفك أو يربكك. كنتَ “ZEN”، في صفاء مقاومة واثقة من ذاتها، تعيش مع المجهول باِبتسامة دافئة».
وبذات النبرة واصل حميدة العياشي منشوره، قائلاً: «صديقي محمّد، كنتُ أنتظر نصك الخفي عن لحظات العيش التي اخترقتك، وحديثك عن الصداقات والأصدقاء… ذاك الحديث الّذي لم يكتمل يوم اِلتقينا في فندق سان جورج. لم أكن أرى رحيلك قريبًا، بسبب شفافية كلماتك وإيقاعها، ذلك الإيقاع الّذي كان يخفي في حجراته بحرًا طويلاً. كنتُ أرى فقط حضورك الفاخر، كطيفٍ يُظلّل وجودك المُمتد إلى ما وراء حدود الأبدية. أيّها الصديق، لا أدري كيف أروي هذا المعنى المُتكرر للحزن، الّذي ينبعث مع لحظة مُغادرة الأصدقاء، وتواري الصداقة ذات المعنى المفتوح على المدى الشامخ… لا أدري كيف أُعيد بناء كلماتٍ تهتز جذورها في لحظات الفجيعة، ولا كيف أسير في هذا الطريق المحفوف بالألم الخفي، علّي أعثر على واحة عزاء».

من جهته الروائي بشير مفتي، كتب على جداره ما يلي: «ليس فقط خبرًا حزينًا بل مُؤلمًا للغاية وفاة الصديق الجميل محمّد داود.. أحيانًا لا ترغب حتى في تصديق أخبار كهذه وتتساءل بحسرة أليمة: لماذا يتربص الموت بهؤلاء النّاس الطيبين.. والمؤسف أنّ الصديق محمّد كانت له رؤية عميقة ونظرة ثاقبة ويتميز على غيره من الجامعيين أنّه يجمع الفكر بالمُمارسة والنشاط الثقافي المُستمر، لقد باغته الموت ولم نعرف كيف نستفيد من ثقافته الكبيرة لغياب تلك البيئة الثقافية الأدبية التي تسمح لهذا النوع المُتميز من النُخب الثقافية أن تلعب دورًا مُهمًا ومع ذلك كانت له إسهاماتٌ كثيرة في قراءة الرواية الجزائرية والتعريف بها، ولقد نظم عِدة ملتقيات في معهد الانثروبولوجيا بوهران عن الرواية وعن رشيد بوجدرة وقضايا أخرى كثيرة كالقراءة والكِتاب والجمعيات. كلّ ما نستطيع قوله: خسارة كبيرة للثقافة ولمدينة وهران وللجامعة الجزائرية ولنا جميعًا».
الناقد والأكاديمي الدكتور عبد القادر فيدوح، كتب أيضا منشورًا جاء فيه: «ما أقساه من خبر وفاة الصديق العزيز، الدكتور والناقد محمّد داود. فقد كان علمًا من أعلام النقد الأدبي، وسفيرًا للمعرفة ومرآة للرصانة الفكرية، ترك أثرًا خالدًا في دراسة الأدب وإبراز تجربة الروائي الكبير محمّد ديب، بِمَا اِتسمت به رُؤاه من بصيرة وعُمق. لقد كانت له مواقف مشرفة في جامعة وهران منذ بداية اِلتحاقه، حين كان عضوًا فاعلًا في اِتحاد الطلبة، فصاغ من إخلاصه للعِلم ونهجه الأكاديمي مِثالًا يُحتذى به. إنّ فقده خسارة فادحة للمشهد الثقافي والأكاديمي، ولكن ذكراه ستظلُ منارة تهدي الباحثين والطُلاب على الدوام».
أمّا الكاتب والناقد محمّد بن زيان، فيقول في منشوره: «ذكرياتي مع داود تتجاوز العقدين، كان دومًا مِمَن كانوا مَدّدًا، شاركتُ في نشاطات معه في وهران وتلمسان والعاصمة.. وشاركتُ في إحدى الندوات التي برمجها في (الكراسك) حول المتن الروائي الجزائري، وكانت مشاركتي في العدد المُخصّص لعبد الوهاب بن منصور، وكان يُحضِّر لمشروع مجلة مع دار الأديب وأشركني فيه لكن لم يتحقّق ذلك المشروع. ذكريات كثيرة تتموّج لتُضاعف الإحساس الفظيع باليتم والوحدة. كلما يرحل صديق وقريب. كان الإنسان الطيب الّذي يُديرُ العلاقات بحكمة ويتحدث برزانة، مَارس التدريس باِنضباط، ومارس البحث بشغف، كان حاضرًا في النقاش العمومي.. وكان الوطني اِبن الشهيد. سكنته قضية فلسطين».
وقد سبق للناقد والأكاديمي الدكتور مخلوف عامر، أن خَصَّصَ له ورقة بعنوان «محمّد داود.. البحث لسدّ الفجوات»، ومِمَا ورد فيها: «يُعدُّ الدكتور محمّد داود من جيل سبعينيات القرن الماضي، درس في معهد اللّغة العربية وآدابها. لكنه لم يُفرِّط في اللّغة الفرنسية، بل جَعَلَ منها أداة إضافية لتنويع مُطالعاته كَمَا اِستغلَّها في الترجمة التي حين كَتَبَ عنها بَيَّنَ أهميتها وأنواعها وتقنياتها وما يلزم المُترجم من عُدَّة وما ينبغي أن يتحلَّى به من أمانة. وبفضل جهوده في البحث أهَّلته سمعته إلى أن ينتمي إلى عِدة هيئات علمية. كما اِستمرّ حاضراً في الأنشطة المُختلفة (ملتقيات وندوات ومحاضرات) وشارك مع آخرين في إصدار بعض الأعمال الجماعية».
مُؤكدًا في ذات المنشور: «لم يكتفِ محمّد داود بالشهادة ولا بالوظيفة، بل واصل البحث فيما يتعلق بالأدب الجزائري، وحَرَصَ على أن يسهم في سدِّ الفجوات إنْ في النقد أو في الترجمة وهو جهدٌ يستحق التقدير. كما اِهتمَّ بمواكبة الحركة الأدبية تطبيقاً، حتى الألفية الثالثة فخصَّصَ للكتابة الروائية بعض أعماله. فإذا كان قد اِختار هذا الطريق فلأنّه يعرف أنّ عدم الاِهتمام بالأدب الجزائري مَردُّهُ إلى تقصير المدرسة والإعلام، (إلى جانب غياب المجلات الثقافية التي تنشر الدراسات والمقالات، وأيضًا قلّة الندوات والمقاهي الأدبية، وحتى المؤسسة الجامعية لا تُعير اِهتمامًا كبيرًا للأدب الجزائري إلاّ قليلاً)».
نوّارة لحرش

آخر الأخبار

Articles Side Pub
Articles Bottom Pub
جريدة النصر الإلكترونية

تأسست جريدة "النصر" في 27 نوفمبر 1908م ، وأممت في 18 سبتمبر 1963م. 
عربت جزئيا في 5 يوليو 1971م (صفحتان)، ثم تعربت كليًا في 1 يناير 1972م. كانت النصر تمتلك مطبعة منذ 1928م حتى 1990م. أصبحت جريدة يومية توزع وتطبع في جميع أنحاء الوطن، من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب.

عن النصر  اتصل بنا 

 

اتصل بنا

المنطقة الصناعية "بالما" 24 فيفري 1956
قسنطينة - الجزائر
قسم التحرير
قسم الإشهار
(+213) (0) 31 60 70 78 (+213) (0) 31 60 70 82
(+213) (0) 31 60 70 77 (+213) (0) 6 60 37 60 00
annasr.journal@gmail.com pub@annasronline.com