
علاوة زرماني واحد من رموز الفن الجزائري، ومن خريجي المسرح الشعبي الجزائري الحقيقي، ومن أبرز الوجوه المسرحية والتلفزيونية التي طبعت الذاكرة الفنية الجزائرية، حيث شارك في أعمال بارزة على المسرح على غرار» الحوات والقصر»، و»عرس الذيب»، و»عيسى تسونامي» وغيرها، كما امتد حضوره إلى التلفزيون والسينما، أين شارك في «صرخة بيير» و»طاحونة السيد فابر»، اسمه مرتبط لدى الجمهور بالسلسلة الشهيرة «أعصاب وأوتار»، كما تألق في سلسلة «جحا 4»، و»ناس الحومة» وإنتاجات قربته لجمهوره، فبقي اسمه محفورا في ذاكرة المسرح والتلفزيون الجزائري.
فتح الفنان قلبه «للنصر» في هذا الحوار الخاص، ليتحدث عن بداياته في عالم الفن، ومحطاته الفنية، وغيابه في الفترة الأخيرة، ورأيه في المسرح الحالي.
كيف يستعيد علاوة زرماني بداية قصته في عالم الفن ؟
علاوة زرماني: هي قصة طويلة بدأت في ستينيات القرن الماضي حين انتقل الممثل المسرحي جمال دكار للسكن في حيي، فحدثه السكان عن موهبتي في التمثيل، ثم تعرفت عليه وقمنا بتكوين مجموعة مسرحية من الهواة وبدأنا بالعمل معا.
استقطبنا مجموعة من الشباب الشغوفين بالمسرح، وقد كتب حينها مسرحية « لمن بقى»، وشاركنا بها في مهرجان مسرح الهواة بمستغانم، وحصلنا على جائزة هناك، بعد ذلك أصبحنا نقوم بالبروفات في مسرح قسنطينة، أين قدمت مسرحية إسبانية بعد ترجمتها وهي»الطب المجاني»، وعرضناها بعد ذلك عدة مرات.
استمر عملنا في المسرح كهواة، إلى أن سمعنا بخبر افتتاح المسرح الاحترافي بقسنطينة، وقد تم اختياري ضمن الفرقة الاحترافية سنة 1976، برفقة كل من فاطمة حليلو ومجموعة من فناني مسرح عنابة، لتقديم أول عمل احترافي تم في مسرحية «هذا يجيب هذا»، وكانت تلك بداية جديدة في مسيرتي الفنية.
قصتي مع شارلو
يتحدث زملاؤك دائما عن قصتك مع « شارلو» حدثنا عنها؟
لم أكن أعرف هذا المسرح من قبل، كنت مولعا بالسينما و أتردد عليها أيام السبت والأحد، وقد كانت قسنطينة تتوفر في تلك الأيام على ثماني دور عرض، وبحكم إقامتي بحي سيدي مبروك، فقد كانت سينما فيرساي هي وجهتي الأولى رفقة أبي.
قبل فقرة الفيلم الرئيسي كانت السينمات تعرض وصلات إشهارية للمؤسسة الوطنية للنشر والإشهار، تليها مقاطع لكوميديا «شارلي شابلين»، وكنت أستمتع كثيرا بتلك اللقطات الجميلة والمضحكة.
المميز في شخصية «شارلو» هو إتقانه لحركاته الكوميدية بدون أي كلمة، معتمدا على جسده ويديه وملامح وجهه فقط، وقد كانت تلك المقاطع تعلق في ذهني وفي اليوم الموالي أعيد تمثيلها في الحي، وأقلد حركاته إلى أن أصبح الجيران ينادونني بـ «شارلو»، وهي مرحلة سبقت التحاقي بمسرح الهاوي.
ألا يراودك الحنين إلى الخشبة ؟
نعم...وكثيرا افتقدها بشكل كبير، وفي كل مرة أزور المسرح تراودني مشاعر حزينة وموجعة، أين كانت لدي ذكريات كبيرة هناك، وتعود بي الذاكرة إلى تلك الأيام الجميلة، التي كنا نعيش فيها كعائلة كبيرة، حيث اشتغلنا بروح واحدة، فأجد نفسي أبكي كلما ذهبت إلى المكان، لهذا أصبحت أتفادى الأمر.
لست غائبا وهذا هو جديدي
من الممثل الكوميدي الذي يعجب علاوة زرماني؟
بصراحة، من الصعب جدا أن يضحكني أحد، لكن هناك ممثل واحد اتفق كل الجزائريين على موهبته وعلى حبه، وهو الفنان الكبير عثمان عريوات. وللعمل فقد سبق له وأن اتصل بي للمشاركة في فيلم «كرنفال في دشرة 2»، وكنت قد أمضيت عقد العمل، لكن للأسف صادف ذلك مشاركتي في مسلسل آخر رفقة صديق لي فلم أستطع الالتزام مع عريوات.
ما الذي يعنيه لك هذا الفنان بالذات ؟
هو اسم كبير في الساحة الفنية الجزائرية، لديه موهبة استثنائية سواء في التمثيل أو في كتابة السيناريو، وسبق وأن التقيت به في مدينة القالة خلال التحضير لفيلم «كرنفال في دشرة 2»، حينها طلب مني المساعدة في إكمال مقاطع أغنية شعبية مشهورة تحمل اسم « خويا لهواوي مادارو بيا». قابلته بعد ذلك أثناء توقيع العقد ثم مرة أخرى بقسنطينة، أين عرض علي عملا آخر وقد وعدته بأن أشاركه التمثيل.
يعتبر عثمان عريوات بالنسبة لي قامة من قامات الفن والكوميديا في الجزائر بل هو أحسن ممثل جزائري. أما في ما يخص فيلمه «كرنفال في دشرة 2»، وقصة توقيف عرضه، فهو مشكل مالي بحث، لأنه قام بإنتاج الفيلم من ماله الخاص وطلب من التلفزيون مبلغ 09 ملايير سنتيم، لكن المؤسسة لم تتجاوب بحجة أن المبلغ كبير.
في فئة الممثلات النساء، اعتبر ابنة قسنطينة الفنانة «صبرينة قريشي»، كوميدية متميزة جدا وموهوبة، وقد تعاونا خلال تصوير «سيت كوم» في العاصمة، وشاهدت لها مونولوجا حديثا على خشبة مسرح قسنطينة الجهوي.
كيف تنظر إلى مسرح اليوم مقارنة بمسرح جيلك ؟
لا يمكن أن أقارن بين الجيلين، لأننا ضحينا كثيرا لاستحداث مسرح شعبي يحكي عن الناس، ومشاكلهم وحتى عن مشاكل وهموم الدولة، وبالنسبة لي كان اختيارنا للمسرح الشعبي موفقا، لأن أحسن الممثلين في العالم العربي تخرجوا منه أما الجيل فيمتلك كل الإمكانيات لكنه مع ذلك لا يزال ضعيفا من حيث المستوى.
جيلنا تغلب على الصعوبات والظروف بعروضه، فقد كنا نسافر كثيرا للعمل في كل الولايات مع ذلك قدمنا فنا لم ينس وبقي حيا توارثته أجيال لاحقة، أما الآن فقد أصبح المحتوى الفني فارغا ولا يهدف إلى أي شيء حقيقي. وبات كل شخص قادرا على العمل في المجال في ظل ثورة وسائل التواصل الاجتماعي. أشير أيضا إلى أننا كن نقدم إنتاجا فنيا صالحا لكل أشهر السنة، فيما يقتصر الإنتاج الآن على شهر رمضان.
لن أعود للشاشة إلا بشرط
لماذا كل هذا الغياب عن الساحة الفنية ؟
أعتبر نفسي من القلائل الذين يرفضون الأدوار التي لا تليق بالعائلة الجزائرية طوال سنوات في المسرح والسينما فزت بقلوب ومحبة الناس، ولا يمكن أن أخسر ذلك بسبب أدوار لا تليق بالجمهور رغم الإغراءات المالية الكبيرة المقدمة لي، ففي رمضان الماضي فقط رفضت سيناريوهين، لأني لو قبلت تلك الأدوار سأخسر ثقة جمهوري الذي لا يزال يغمرني بمحبته إلى اليوم حين أخرج للشارع.
في وقت مضى كنا ندرس السيناريو جيدا حفاظا على احترام الجمهور، لأن هناك مصطلحات مثلا تختلف من منطقة إلى أخرى في الجزائر، وليس لها نفس المعنى وكنا نهتم بكل التفاصيل وعيا منا بحجم المسؤولية الفنية، وكان المسؤولون يتنقلون من ولاية إلى ولاية لمشاهدة عروضنا المسرحية، وهو واقع حفظ للفن مكانته لسنوات، لكنه اختلف اليوم وهو الأمر الذي دفعني للانسحاب في السنوات الأخيرة.
عملت مع مخرجين وممثلين كبار فأيهم ترك أثرا في ذاكرتك؟
فعلا، أنا من فئة كان لها الحظ في العمل مع أحسن المخرجين والممثلين في الجزائر، في ستينيات القرن الماضي كنا نشاهد السينما في الأحياء، «أفلام قصيرة وسكاتشات»، وكان عمري آنذاك 15 أو16 سنة. شاهدت تلك الأسماء الكبيرة في السينما وأنا طفل، وعندما كبرت حظيت بشرف التمثيل إلى جانبها أذكر مثلا حسان الحساني الملقب «ببوبقرة»، والفنان الكبير «أحمد عياد» الملقب برويشد، والممثل القدير سيد علي كويرات، إضافة إلى فتيحة بربار، نادية طالبي، طاهر العميري، مصطفى برور، أمحمد بن قطاف، محمد عجايمي، عبد النور شلوش.
جمعني الفن أيضا بمخرجين كبار على غرار المخرج والمنتج الكبير أحمد راشدي في «طاحونة السيد فابر»، والمخرج عبد الرحمن بوقرموح في «صرخة بيير». وهما من الأسماء التي أسست للمسرح في الأربعينيات من القرن الماضي ولهذا لا يمكن أن أهدم ما بنيته سنوات طويلة مع هذه القامات الفنية من أجل قبول أدوار لا تليق بالعائلة والجمهور من أجل المال.
ماذا تعني العائلة لعلاوة زرماني ؟
هناك عائلة في الماضي وعائلة اليوم وهناك فرق كبير بينهما، في السابق كانت العائلة متماسكة نعيش على المحبة والاحترام، أما الآن فالعائلة فأصبحت منقسمة وضعيفة طغى المنطق المادي على كل شيء تقريبا لذلك صرنا نسمع قصصا يندى لها الجبين.
ماهي أعمال علاوة زرماني القادمة وأي رسالة توجهها لجمهورك؟
لدي عمل سيتم عرضه في رمضان القادم بإذن الله، حيث قدمنا سيناريوهي وتم قبول واحد فقط.
وأقول لجمهوري لا تقلق علي، أنا لست غائبا على الساحة الفنية لكني لن أحضر إلا إذا عرض علي عمل مناسب فالمال ليس أولويتي، أود أيضا أن أشكر الجميع على المحبة و الدعم الدائمين. كما أعبر على امتناني العميق لجريدة النصر على هذه الالتفاتة الطيبة وهذا ليس غريبا عليها، وأحمل في قلبي محبة واحتراما خاصين لهذه للجريدة التي تملك أرشيفا مهما جدا يعتبر مرجعية للطلبة الباحثين من أمثال ابنتي. رضا حلاس