
* الجوائز الفنية لا تعني الكمال وعدم نيلها لا يعني الفشل
تقول، الفنانة فاتن قصار، ابنة مدينة عنابة، إنها تشق مسارها الفني بخطى ثابتة، من بداياتها في نوادي السينما، مرورا بخشبة مسرح عز الدين مجوبي، وصولا إلى تجاربها في المسارح الجهوية وعملها الأخير في المسرح العبثي.
حاورها: عثمان.ب
تؤكد فاتن أن الفن ليس مجرد ظهور، بل هو موقف وتكوين مستمر، وأن أرقام المشاهدات والمتابعين في مواقع التواصل لا تصنع فناناً، مبرزة جانبا من المعاناة في افتكاك الأدوار بالأعمال السينمائية والتلفزيونية.
في هذا الحوار، تفتح هذه الممثلة الواعدة صفحات عن خبايا تجربتها الأخيرة في مسرحية مفارقة، وعلاقتها بالركح، وتشريحها لواقع الإنتاج التلفزيوني والسينمائي في الجزائر، كما تتحدث عن توجهها للتكوين الأكاديمي ومحاولاتها الأولى في الكتابة والتأليف .
النصر: قبل الغوص في تفاصيل أعمالك الأخيرة، دعينا نعود للوراء قليلاً، كيف كانت المحطات الأولى التي شكلت هويتك الفنية؟
شغفي كان موجهاً للتصوير الفوتوغرافي وتحوّل للخشبة
فاتن قصار: بداية أشكر جريدة النصر على التفاتتها الدائمة للثقافة والفنانين، في الحقيقة، علاقتي بالفنون لم تبدأ مباشرة من الخشبة، بل كانت انطلاقتي الأولى من عالم الصورة، كنت عضواً فاعلاً في نادي السمعي البصري ونادي السينما، بحكم تخصصي الجامعي (ليسانس سمعي بصري)، في تلك الفترة، كان شغفي موجهاً نحو الأفلام القصيرة والتصوير الفوتوغرافي، حتى أنني شاركت في عدة صالونات وطنية للصورة الفوتوغرافية.
لكن المنعطف الحقيقي كان بفضل أحد الأصدقاء الذي قادني نحو عالم المسرح، وتحديداً المسرح الجهوي عز الدين مجوبي بعنابة، فهناك خضت أول تجربة أداء (كاستينغ) مع المخرج زياني شريف عياد، الذي أعتبره حلقة وصل ذهبية بين جيل الرواد والجيل الحالي.
النصر: متى تبلورت هذه الهواية لتصبح احترافاً حقيقياً؟
فاتن قصار: يمكنني القول إن عام 2014 كان سنة الانطلاقة الفعلية لمسيرتي المحترفة، البداية كانت قوية من خلال مسرحية مقتبسة عن رائعة (عرس الدم) للكاتب الإسباني فيديريكو غارسيا لوركا، تحت إدارة زياني شريف عياد، تلك التجربة جعلتني أقرر شق طريقي بجدية في هذا العالم، توالت بعدها الأعمال مع قامات مسرحية كبيرة، فعملت مع الراحل جمال حمودة، وحميد قوري، وبشير سلاطنية، وهواري بورا، وغيرهم من المخرجين الذين أضافوا لي الكثير.
النصر: المتابع لمسارك يلتمس أنه لم يتوقف على مقر الإقامة بعنابة، لقد تنقلتِ بين عدة مسارح وطنية، حدثينا عن هذا التنوع، وهل تدحضين روايات شح الفرص كلما ابتعد الفنان عن المركز (العاصمة) ؟
فاتن قصار: نعم، لا أرى أن البعد عن العاصمة يمثل إشكالاً، في عالم مفتوح على منصات التواصل، الفنان لا يجب أن يتقوقع في مكانه، فعلى سبيل المثال لا الحصر، دفعني شغفي بالفن إلى الإقامة بالعاصمة لسنوات، فقد انتقلت للعمل مع المسرح الوطني الجزائري محي الدين بشطارزي عام 2018 في عمل موجه للكبار مع عبد الكريم بريبار ومجموعة نجوم الشاشة، مثل إبراهيم شرقي وسالي وغيرهم، بعدها كانت لي تجربة مع المسرح الجهوي بالأغواط رفقة هارون الكيلاني، واشتغلت بمسارح جهوية أخرى كان أخرها ركح العلمة أين قدمنا العمل الأخير في المسرح العبثي وهو تجربة جديدة.
كما أنني لم أكتفِ بالتمثيل، فقد دفعني تكويني الأكاديمي كخريجة للمعهد العالي لمهن فنون العرض والسمعي البصري (تخصص كتابة درامية) إلى خوض غمار التأليف، حيث قدمت نصاً مسرحياً للمسرح الجهوي بأم البواقي، وهوعبارة عن اقتباس لرواية "فوضى الحواس" لأحلام مستغانمي، وتم إخراجه كعمل محترف من قبل المخرجة تونس آيت علي.
النصر: نصل إلى محطتك الأحدث، مسرحية "مفارقة"، هذا العمل يندرج ضمن المسرح العبثي، كيف تصفين هذه المغامرة الفنية وأنت تخوضينها لأول مرة؟
فاتن قصار: مسرحية مفارقة كانت تجربة كثيفة جداً على المستويين الإنساني والفني، فلو نتحدث عنها إنسانياً، خلقت تلاحماً رائعاً بين فريق عمل شاب قدم من ولايات مختلفة، مما أثرى التجربة، أما فنياً، فهي المرة الأولى التي أخوض فيها مغامرة المسرح العبثي .
اشتغلنا على نص للكاتب الإسباني "فرناندو أرابال" بعنوان "فاندو وليز" الذي كتبه عام 1953، شخصياً، أرى أن أرابال كاتب "مظلوم أكاديمياً"، ويجب الإشتعال عليه في الجامعة الجزائرية ومعاهد التكوين الفني، فهو يمثل القطب الخامس في مدرسة العبث إلى جانب صامويل بيكيت، يوجين يونسكو، آرثر أداموف، وإدوارد ألبي ... أرابال، الذي لا يزال على قيد الحياة، ساهم بشكل جوهري في هذا التيار، ومسرحيته هذه تغوص عميقاً في العلاقات الإنسانية وضرورة فهم الذات والآخر.
النصر: شكلتِ ثنائياً لافتاً مع الممثل هشام قرقاح في هذا العمل، بشهادة النقاد والمتمرسين، كيف كان التناغم بينكما؟
أتقبل النقد البناء وأسعد بالإشادة لدوري في مسرحية "مفارقة"
فاتن قصار: هشام قرقاح ليس مجرد شريك في العمل، بل هو صديق مقرب وحالة فنية استثنائية، إنه ممثل من "طينة الكبار"، يمتلك قدرة رهيبة على التقمص، حيث يمثل بكل جوارحه، العمل معه كان حلماً قديماً وتحقق، وشكل إضافة نوعية لي، وبحديثك عن الثناء، لا أخفي أن هنالك من وجه لي انتقادات أيضا،ونحن نتقبل البناءة منها بصدر رحب، ونشتغل على تصويب بعض الاختلالات لنقدم عملا ناضجا وفي مستوى التطلعات، وقد تلقينا ردود فعل إيجابية جداً أسعدتنا حول نجاح هذا الثنائي، أضيف، هشام من النوع الذي ينسى مرضه أو إصابته بمجرد صعوده على الخشبة، وهذا هو جوهر الاحتراف.
النصر: المتأمل في مسارك المسرحي، قد يتساءل، لماذا تغيب فاتن قصار عن الشاشة؟ أين أنتِ من السينما والتلفزيون؟
فاتن قصار: بصراحة، تجربتي في السينما والتلفزيون لا تزال في بداياتها، ولا يمكن مقارنتها بمساري المسرحي، السبب في رأيي يعود لغياب معايير انتقاء فنية حقيقية، الساحة الآن تحكمها مجموعات مغلقة، وما يمكن تسميته بـ "الكولسة" في اختيار الممثلين.
للأسف، أصبح معيار اختيار الممثل في كثير من الأحيان مرتبطاً بعدد المتابعين على "إنستغرام" ومواقع التواصل الاجتماعي، بغض النظر عن الموهبة أو التكوين، هذه النجومية الرقمية، لا تصنع فناً حقيقياً، لأن العمل الجيد والموهبة المصقولة هما الأساس، وليس الأرقام الافتراضية.
النصر: هذا يقودنا لمفهوم صناعة النجوم، فالعمل الجيد هو من يصنع النجم وليس العكس، ومع ذلك، لديك مشاركات يمكن القول أنها محتشمة، هل يمكن أن تطلعينا على جديدك في هذا المجال؟
فاتن قصار: نعم، لدي مشاركتان، الأولى تلفزيونية في السلسلة الفكاهية "قعدة خداوج" رفقة الفنانة نوال زعتر ونورة بن زراري.
أما سينمائياً، فقد شاركت في فيلم ثوري طويل بعنوان "الطلقة الأخيرة"، من انتاج مركز تطوير السينما وشركة خاصة، إخراج عبد القادر مرباح، سيناريو لمين مرباح وبلقاسم رواش، الفيلم تم تصويره في سنة 2019، وأؤدي فيه دوراً ثانوياً لكنه مركب، حيث أجسد شخصية من "الأقدام السوداء"، وهو دور يعكس نمط الحياة الاجتماعية للمستوطنين آنذاك، وكانت ظروف العمل احترافية للغاية، لكنه للأسف لم يرَ النور حتى الآن ولم يُعرض لأسباب أجهلها، أما عن الجديد فمازلت أنتظر الفرصة لأبرز موهبتي وقدراتي التي لا تقتصر على الخشبة، وهذا يتجاوز حدود الإبداع إلى أمور أخرى سبق وأن تحدثنا عنها.
الجوائز ليست معياراً مطلقاً لتقييم الفنان
النصر: نحن على أبواب موسم المهرجانات، هل تشغل "الجوائز" حيزاً من تفكيرك؟
فاتن قصار: الطموح للتتويج حق مشروع لكل فنان، فالجائزة هي اعتراف بالجهد ومسؤولية للاستمرار، سبق لي أن ترشحت لجائزة أحسن دور نسائي رئيسي في المهرجان الوطني للمسرح الفكاهي بالمدية عام 2015 وأنا في بداياتي، وكان ذلك دافعاً كبيراً.
لكن، يجب التأكيد على أن الجائزة ليست معياراً مطلقاً لتقييم الفنان، أحياناً تخضع الأمور لقوة المنافسة، وأحياناً لتقديرات لجان التحكيم، لذلك فعدم نيل جائزة لا يعني فشل الفنان، ونيلها لا يعني الكمال، والأهم في كل هذا هو الاستمرارية والأثر الذي يتركه العمل في الجمهور.
النصر: ما هي الرسالة التي تودين توجيهها في الختام؟
فاتن قصار: طموحي الشخصي هو أن أقتحم عالم السينما بشكل أوسع، وأن أستمر في الكتابة الدرامية والسيناريو، أما رسالتي العامة، فهي ضرورة إعادة النظر في وضع الفنان الجزائري، نتمنى تفعيل قانون الفنان بشكل "جدي" بما "يحفظ كرامة المبدع ويضمن حقوقه الاجتماعية والمادية"، فالفن مهنة، ويجب أن يتم التعامل معها بمنطق احترافي بعيداً عن العشوائية، كما أتمنى أن يعود الاعتبار للتكوين الأكاديمي، فالموهبة هي الأساس، لكن الدراسة والصقل هما ما يصنعان الفنان المتكامل.
ع.ب