
* غياب الرؤية الفنية للمنتجين والمخرجين وراء تراجع المستوى
يرى الفنان عنتر هلال، أن نجاح أي عمل مسرحي أو سينمائي لا يأتي صدفة، بل يبدأ من السيناريو المدروس بعناية، فالنص حسب قوله، هو العمود الفقري لأي عمل فني وكلما كان محكم البناء وواضح الرؤية، انعكس ذلك مباشرة على جودة العمل وقربه من الجمهور.
كما يؤكد في حواره مع النصر، أن الشخصيات بدورها يجب أن تكون مدروسة بعمق، نابعة من الواقع، وتحمل ملامح شعبية حقيقية حتى يشعر المتلقي بأنها تشبهه وتشبه محيطه اليومي.
الكوميديا أداة قوية للتوعية
ويضيف، أن المضمون الشعبي ليس عيباً، بل هي نقطة قوة إذا ما عولج بذكاء فني، لأن الجمهور بطبيعته يميل إلى الأعمال التي تعكس همومه ومشاكله اليومية، وتطرحها بلغة قريبة من القلب.
ويوضح عنتر هلال، أن الهدف من أعماله الكوميدية لم يكن يوماً الضحك من أجل الضحك فقط، بل هي وسيلة لمعالجة قضايا اجتماعية حساسة، خاصة تلك المتعلقة بالمشاكل العائلية داخل المجتمع الجزائري.
ويشبه ذلك بعلاج المرض عن طريق الضحك، حيث يمكن للفكاهة أن تفتح باب النقاش حول مواضيع صعبة دون إثقال كاهل المشاهد. فالكوميديا في نظره أداة قوية للتوعية لأنها تصل إلى المتلقي بسلاسة، وتجعله يتقبل الرسالة دون مقاومة أو نفور.
ســر عيسـى
وكشف الفنان، أن سر نجاح شخصية عيسى سطوري التي قدمها خلال التسعينيات وحتى بداية الألفية الثانية، مرتبط بطابعها الشعبي الواقعي، ناهيك عن صدق الأداء.
وقال، إن طاقم السلسلة استطاع أن يجسد شخصيات قريبة من مختلف أطياف المجتمع، ولذلك أحب الجمهور هذه العمل الذي كان مستلهما من يوميات الفرد الجزائري، خاصة شخصية الأب «عيسى» التي تميزت بالعصبية والنرفزة، وهي صورة تتكرر في العديد من العائلات الجزائرية. وحسبه، فقد تم سرد قصة العائلة الجزائرية بمختلف مواقفها الطريفة والجادة من خلال مغامرات هذه الشخصية، باعتماد قالب فكاهي لكنه في الوقت نفسه واقعي وصادق. ويؤكد الفنان عنتر هلال، أن كل المواضيع التي تم التطرق إليها في السلسلة مستمدة من الواقع الجزائري بكل تناقضاته وكل قصص الحب، والصراح، التضامن لتي نعيشها يوميا.
الكوميديا لا يجب أن تنسلخ عن رسالة الفن
وعن مختلف الأدوار الأخرى التي قدمها، قال الفنان، إنه حرص دائما على معالجة عدة مواضيع ثقافية واجتماعية، انطلاقا من قناعته بأن له دورا يتجاوز الترفيه ليصل إلى طرح الأسئلة وملامسة القضايا التي تهم المجتمع.
ويرى، أن الكوميديا لا يجب أن تنسلخ عن رسالة الفن، وأن العمل الفني الناجح هو الذي يترك أثراً ويدفع المشاهد للتفكير، حتى وإن قُدم في إطار ترفيهي بسيط.
وتحدث الفنان، عن التراجع الذي تعرفه السينما والمسرح والأعمال التلفزيونية في السنوات الأخيرة، ويرجعه إلى عدة أسباب، في مقدمتها قلة الكتاب الفنيين والمخرجين القادرين على تقديم أعمال ذات مستوى عالٍ. كما أشار إلى غياب الرؤية الفنية الواضحة لدى بعض القائمين على الإنتاج، ما أدى إلى ضعف المحتوى وتكراره.
ويضيف، أن هذا التراجع لم يأت من فراغ، بل نتيجة تراكمات معتبرا، أن فترة السبعينيات وتحديدا سنة 1970 مثلت المرحلة الذهبية للسينما الجزائرية، لأنها عرفت ميلاد مخرجين كبار وثقوا للثورة التحريرية، إلى جانب إنتاج أفلام اجتماعية قوية نالت جوائز مهمة على الصعيد الدولي. وتميزت تلك المرحلة حسبه، بالإخلاص للفكرة والرسالة، وبالعمل الجماعي بين مختلف الفاعلين في المجال.
ومن بين الأسباب أنهت هذا العصر كما قال، صراعات خفية أدت أفرزت «اللوبيات» كانت لها يد في الإضرار بواقع الإنتاج وإقصاء بعض الطاقات، وبالتالي تراجع المستوى العام.
كما يأسف عنتر هلال، «لكوننا لم نخرج بعد من نفس القوقعة» كما عبر، ولم نواكب التطور التكنولوجي الكبير الذي يشهده مجال السينما عالمياً.
غياب التنوع هو ما يفرض المقارنة بين الماضي والحاضر
وعن تكريس فكرة المقارنة بين أعمال قديمة وأخرى حديثة، وتكرار التصريحات التي تتحدث عن الفارق في المستوى والجودة، قال عنتر هلال، إنه قديماً كان هناك تنوع واضح في الإنتاج، سواء من حيث المواضيع أو الأشكال الفنية، أما اليوم فيلاحظ غياب واضح للتنوع مع هيمنة نمط واحد على أغلب الأعمال، وهو ما أفقد الجمهور حماسه وفضوله وفرض هذه المقارنة.
ويرى، أن من أهم أسباب نجاح الكتاب والفنانين في الماضي هو الاحتكاك المستمر بينهم وتبادل الأفكار والخبرات، ويستحضر في هذا السياق دور «السينماتيك»، التي كانت فضاءً جامعاً للمخرجين والفنانين من مختلف الاتجاهات، أين كانت تُنظم لقاءات ونقاشات مفتوحة تلتقي فيها كل الفئات، ما ساهم في خلق حركية فنية حقيقية.
لا نملك ثقافة النقد الفني الحقيقي
وتحدث الفنان من جهة ثانية، عن غياب النقد الفني الحقيقي في الوقت الحالي، موضحاً أن ما يوجد غالباً يمثل آراء شخصية لا ترقى إلى مستوى النقد المنهجي المتخصص. ويشدد المتحدث، على أن النقد هو تحليل عميق للنص أو الفيلم أو العمل الفني، ومحاولة لفك الشفرات الموجودة داخله، حتى يمكن الاستفادة منها لتحسين الأعمال المستقبلية. كما يؤكد أن الخلط بين الرأي والنقد أضر بالساحة الفنية، لأن النقد البنّاء هو أساس التطور.
وعرج الفنان، لمهرجان الفيلم القصير الذي أقيم مؤخرا بقسنطينة، وقال إن المناسبة تعطي دفعة قوية للشباب المبدع ومساعدته على التعلم بالطريقة الصحيحة.
ويرى، أن هذا الجيل يمتلك حساً إبداعياً عالياً، ومع توفير الإمكانيات اللازمة، «يمكن أن نشهد تطوراً كبيراً في مجال السينما» كما عبر. مؤكدا، أنه لاحظ خلال الطبعة المنقضية طاقات واعدة تستحق الدعم والمتابعة.وحسبه فإن تحقيق الجوائز في مثل هذه التظاهرات دافع للعمل الجاد. ويوجه الفنان رسالة للشباب، مفادها أن الجائزة ليست نهاية الطريق، بل البداية وحافز معنوي مهم، كما أن الجائزة لا يجب أن تكون هي الهدف بل وسيلة لإثبات الجودة، مع المحافظة على الاستمرارية والعمل أكثر لتطوير الذات.
هكـذا نقيـس النجــاح
وحسب عنتر هلال، لا يُقاس نجاح الفيلم بعدد الجوائز فقط بل بمدى تأثير الرسالة التي صُنع من أجلها، وبمدى وصولها إلى المتلقي.
ويقول، إن الفيلم الناجح هو الذي يترك أثراً في الذاكرة، ويدفع المشاهد للتفكير أو تغيير نظرته للأمور، محذرا صناع السينما الأفلام الشباب من التخلي عن استعمال العقل، لأن ذلك يولد شعورا بالقصور والذنب وهو ما لا يحتمله الإنسان. ويدعوهم إلى التفكير، والعمل، والإيمان بقدراتهم، لأن الإبداع الحقيقي يبدأ من الوعي.
أما عن أقرب الأعمال إلى قلبه، فكشف الفنان أنه يميل إلى الأعمال المسرحية التي قُدمت في السبعينات، لما تحمله من قيمة فنية وإنسانية. وفي التلفزيون اختار محدثنا «عيساوي سطوري» و»أعصاب وأوتار».
وبخصوص المشاريع المستقبلية كشف أنه بصدد تصوير مسلسل “الحصلة 2”، الذي من المنتظر عرضه في رمضان المقبل، متمنياً أن ينال إعجاب الجمهور، ويواصل من خلاله تقديم أعمال تحمل رسالة وتجمع بين الفكاهة والواقع.
عبدالغاني بوالودنين