
* المرجعية الدينية الوطنية صمام أمان للمجتمع الجزائري * الصيرفة الإسلامية والنوازل المعاصرة ضمن اهتمامات هيئة الفتوى بالمجلس
* رمضان فرصة للتزكية ورسائل المجلس تتجه نحو القيم والتماسك الاجتماعي
يسلط رئيس المجلس الإسلامي الأعلى الدكتور مبروك زيد الخير، في هذا الحوار الذي خص به النصر، الضوء على مهام المجلس ودوره المرجعي في ترقية الفكر الإسلامي وترسيخ الاعتدال، مبرزا تكامله مع المؤسسات الدينية في الجزائر. كما يتناول قضايا الفتوى والمرجعية الدينية، وتحديات الفضاء الرقمي، وجهود المجلس في التوعية المجتمعية، خصوصًا خلال شهر رمضان.
أجرى الحوار : عبد الحكيم أسابع
* النصر: بداية كيف تُعرّفون مهام المجلس الإسلامي الأعلى ووظيفته في المنظومة الدينية والمؤسساتية في الجزائر؟
د.م زيد الخير: أولا لابد من تهنئة الجزائريين والأمة الإسلامية قاطبة بشهر رمضان، كما نغتنم الفرصة أيضا لشكر جريدة النصر على دعوتنا للحوار، في هذا الفضاء الإعلامي الراشد، آملين أن يدوم بها وبجمهورها النفع والرفع.
أما مهام المجلس الإسلامي الأعلى فهي مضبوطة محددة وفقا للمرسوم الرئاسي 17 - 141 المستند على المادة 195 من الدستور، والتي تنص على أن المجلس الإسلامي الأعلى يعمل على تطوير كل عمل من شأنه أن يشجع الاجتهاد، ويعمل على ترقية الفكر الإسلامي ودفع التفكير والوعي قدما نحو الفاعلية والنجاعة، مع السعي الحثيث لتقديم الصورة المثلى للإسلام ترسيخا لدوره العالمي، ودعوة للتمسك بمبادئه الأصيلة، وقيمه النبيلة، التي تنسجم مع المكونات الأساسية للهوية الوطنية الجزائرية، مع التكفل باعتباره مؤسسة وطنية مرجعية بإبراز الإسلام في فهمه الصحيح و وسطيته المعتدلة وتصحيح المغالطات والمفاهيم البعيدة عن جوهر الإسلام وفلسفته في ترقية القيم والعقيدة والفكر، مع العمل مع المؤسسات العربية والإسلامية المماثلة، بتنظيم مؤتمرات وندوات لتوسيع النقاش وتصحيح الفهم والفكر ما أمكن، وإصدار مجلات و نشريات واستغلال الفضاءات الإلكترونية والتقنية لخدمة الإسلام، والحفاظ على صورته المشرقة.
النصر: ما الذي يميز المجلس الإسلامي الأعلى عن باقي الهيئات الدينية في البلاد وأقصد وزارة الشؤون الدينية والأوقاف وجامع الجزائر، وما القيمة المضافة التي يقدمها ؟
د.م زيد الخير: الفضاء الديني تضطلع به هاته الهيئات الثلاث التي ذكرتموها هي هيئات كبرى، وذات تأثير عميق في الشأن الديني، وتسيير شؤونه وحركيته بصورة عالية ومفيدة، علما بأن وزارة الشؤون الدينية هي الهيئة التنفيذية التابعة للسيد الوزير الأول، التي مهمتها تسيير المساجد والمؤسسات الدينية التابعة لها عبر أرجاء الوطن، و تحديد مواقيت الشعائر الدينية، والفتوى للأفراد عن طريق لجنة الفتوى الوطنية والسهر على التوجيه الديني في المساجد والإعلام، وعلى التعليم القرآني في الكتاتيب والمدارس القرآنية، وعلى شؤون الحج والأوقاف عن طريق ديوان الحج والعمرة، وديوان الأوقاف والزكاة وغير ذلك من المهام النبيلة التي أسندت إلى الوزارة بجدارة. أما مسجد الجزائر، فهو فضاء روحي وديني، تحمل رمزيته بناية المسجد الكبير في المحمدية، والتي تتكون من قاعة الصلاة والمدرسة العليا للدكتوراه، ودار الإمام والمتحف الوطني للحضارة الإسلامية، والمركز الوطني للوسطية ومحاربة التطرف، والمكتبة الخاصة بالمسجد والتي تحوي مليون كتاب، ناهيك عن المجلس العلمي الذي ينهض بالبرامج والأنشطة العلمية وتوجيه المسار في الحركة الدينية والعلمية والفكرية في هذا الصرح الكبير الذي هو أكبر مسجد في العالم بعد الحرمين الشريفين، وهو يحمل رمزية التمسك بالإسلام، وأصالة الدين، ويعكس متحفه الحضاري الذي يضم كل العصور الإسلامية، عظمة الإسلام، وقوة تأثيره، ودوره مكمل لا محالة لدور وزارة الشؤون الدينية والمجلس الإسلامي الأعلى، الذي يضطلع بترقية الاجتهاد، والفتوى للمؤسسات باعتباره هيئة تابعة لرئاسة الجمهورية، وقد لعب المجلس الإسلامي دورا حصيفا منذ ثلاثين سنة من تأسيسه في ترقية الفكر، وتأصيل المفاهيم والإسلام في الدعوة إلى الله عن طريق الندوات وطبع الكتب والمخطوطات ونشر الثقافة الإسلامية الواعية، والتواصل مع المراكز الإسلامية والمجالس في العالم العربي والإسلامي، والتنسيق مع المؤسسات الدينية في الجزائر لخدمة الإسلام والوطن.
النصر: إلى أي مدى يضطلع المجلس بدور استشاري في القضايا الكبرى التي تهم الدولة والمجتمع ؟
د. م زيد الخير: لا شك أن الدور الأساسي للمجلس، هو دور فكري وحضاري، يسهم في ترقية الفهم، وترسيخ القيم، وتأصيل الفتوى، وهو مهيأ بطاقمه العلمي المكون من خيرة الفقهاء وعلماء الجزائر الذين لهم تمرس كبير، وحضور في وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمكتوبة، لذلك فهو قائم بدوره الاستشاري في كل ما يقدم إليه من أسئلة تهم الشأن العام، ناهيك عن دورات مكتب المجلس، ونشاط هيئة الفتوى، والهيئة الشرعية للصيرفة الإسلامية، وجميعها تقوم بخدمة المجتمع والإجابة عن التساؤلات التي تطرحها الدولة ممثلة في هيئاتها الرسمية والاستشارية.
النصر: ما طبيعة علاقة المجلس بالفتوى؟ وهل يملك سلطة الإفتاء أم يقتصر دوره على التأطير والتوجيه ؟
د. م زيد الخير: قد أشرنا من قبل إلى الدور التكاملي بين المجلس والوزارة والمسجد، في ميدان الفكر الإسلامي والتوجيه والفتوى، وقد نص المرسوم الرئاسي رقم 17 - 141 بالجريدة الرسمية أن من أهم المهام الموكلة إلى المجلس إصدار فتاوى شرعية في مختلف مجالات الفقه حالة إخطاره من السيد رئيس الجمهورية أو من المؤسسات التي تنتظم تحت سلطته، ولا ريب أن المجلس قد اضطلع بمهامه في الفتوى منذ تأسيسه في صورته المؤسسية الدستورية عام 1998م، ولا يزال يسعى حثيثا لتأكيد هذه المهمة عن طريق لجنة الفتوى بالمجلس ولجنة الهيئة الشرعية للصيرفة الإسلامية، والتي أقرت تعليمات الوصاية أنها مخوّلة بصورة حصرية بمتابعة ملف الصيرفة والمالية الإسلامية، والتي هي رافد مهم لتنمية الاقتصاد الوطني وتعزيزه.
النصر: كيف يسهم المجلس في توحيد المرجعية الدينية وضبط الخطاب الديني في الجزائر ؟
د. م زيد الخير: أشرنا إلى أن هذه المهمة من جانبها التنفيذي، هي مهمة وزارة الشؤون الدينية والأوقاف، التي تضطلع بتسيير المساجد والمراكز الثقافية الإسلامية والزوايا والمدارس القرآنية في كل أنحاء الوطن، وهي تنسق مع سلطة الضبط للسمعي البصري في ضبط الفضاء المسموع والمرئي من ناحية توجيه الخطاب الديني وضبطه بضوابط المرجعية الوطنية، والمجلس يلتزم بصلاحياته العلمية والثقافية والدينية في جوانبها الفكرية ويعمل على القيام بدوره فيما تسمح به النصوص القانونية، لدعم المجهود الكبير الذي تكرسه مبادرات الوزارة الوصية، وتعكسه برامجها وأنشطتها المتنوعة خدمة للمرجعية الوطنية التي تشترك جميعا في التوق إلى ترقيتها و حفاظ الأمة عليها، كصمام أمان للمحافظة على حاضر الجزائر و مستقبلها.
النصر: في ظل انتشار الفتاوى عبر الفضاء الرقمي، كيف يتعامل المجلس مع ما يعرف بفوضى الفتوى ؟
د. م زيد الخير: هذه الظاهرة واقع خطير، تشكو منه المنابر المسجدية والإعلامية، وقد انتشر خلال العشرية الماضية، بفعل الطفرة التكنولوجية الساحقة، و التي فتحت الفضاء للمؤهل وغير المؤهل وتناقضت الفتاوى المقدمة باعتبار تنوع المشارب والميول والأفكار والانتماءات، ولا شك أن قوانين الدولة، والدور الذي تلعبه وزارة الشؤون الدينية ولجانها الفقهية ، ومجالسها العلمية عبر الولايات، وفتح المقرأة الإلكترونية، والفتوى الذكية عبر الفضاء الافتراضي، وتكليف العلماء المتمكنين والفقهاء الراسخين، من المشهود لهم بالقدرة وحسن البلاغ، قد خفّف كثيرا من الظاهرة.
والمجلس الإسلامي الأعلى ملتزم بالمرجعية الوطنية، وجميع مبادراته وأنشطته وفتاواه لا تخرج عن هذا الإطار الموحد للأمة، والحافظ لتراثها وأصالتها.
النصر: ما هي طبيعة نشاط المجلس خلال السنة وهل يغلب عليه الطابع العلمي أم التوجيهي؟
د. م زيد الخير: يعمل المجلس حثيثا على تنظيم ندوات شهرية، ويحرص على نقلها من مقره بالعاصمة إلى بعض الجهات عبر الوطن، في عديد الولايات عبر الوطن، و يقوم بالنشاط أعضاء المجلس الموقرين وهم في العلماء المؤصّلين، والدعاة المرموقين، بأنشطة دائمة، ناهيك عن المؤتمر السنوي الذي كان في العام المنصرم حول التعايش والتعارف في الإسلام وقد حضره نخبة من المتخصصين من مختلف دول العالم ، ولذلك فالنشاط علمي بالدرجة الأولى، وقد عملنا على تنظيم محاضرات في الإعجاز القرآني و الثقافة الإسلامية، وإلى جانب ندوات حول ترشيد الإنفاق والتماسك الاجتماعي، والغزو الفكري ، وخطر الحروب الإلكترونية، وخطر المخدرات، والفساد المالي والقيمي، وعقدنا مع مجلس الأمة ندوة حول زرع الأعضاء، وندوة مع المجلس الشعبي الوطني حول الصيرفة الإسلامية، ومع المحكمة الدستورية حول الوساطة والصلح بين الشرع والقانون.
النصر: كيف ينسق المجلس مع وزارة الشؤون الدينية والأوقاف وباقي الهيئات ذات الصلة ؟
د. م زيد الخير: لا شك أن المجلس الإسلامي الأعلى يفتح أبوابه على مصراعيها للتنسيق مع مختلف الهيئات الدينية والفكرية والعلمية، وعلى رأسها وزارة الشؤون الدينية والأوقاف، ومسجد الجزائر، ورابطة علماء الساحل، ومشيخة الصلح في إفريقيا، وغيرها، ونحن نضم جهدنا إلى جهود القائمين على هاته المؤسسات الكبرى.
النصر: ما أبرز القضايا المجتمعية التي يوليها المجلس أولوية في المرحلة الراهنة؟
د.م زيد الخير: القضايا التي تتطلب مراجعة واهتماما كثيرة في الواقع الإسلامي على مستوى الأمة الإسلامية وعلى المستوى الوطني، ولا شك أن التوعية وتدعيم منظومة التوجيه تدعو إلى الإلحاح على وحدة المسلمين، ونبذ العنف والتطرف، والتعالي عن التصادم والخصام والعمل على معالجة الآفات الاجتماعية وترشيد استعمال التكنولوجيا، والتحرر من الغزو الرقمي، وتسريب القيم الدخيلة، والأخلاق البديلة، عن الأصالة الأصيلة، والأعراف النبيلة، إضافة إلى طرق مواضيع ذات أهمية في النوازل الطبية وقضايا الصيرفة الإسلامية، ومواجهة الذكاء الاصطناعي....
النصر : ما أهم ما ميز برامج المجلس الإسلامي الأعلى في شهر رمضان؟
د. م زيد الخير: عقدنا ندوة حول ترشيد الاستهلاك في رمضان وأقمنا محاضرة حول الإعجاز العلمي للعِظام في القرآن الكريم، قدمها طبيب جراح مختص في العظام وعقدنا ندوة حول الوساطة والصلح بالمحكمة الدستورية، كما أسلفت، وشاركنا بمحاضرة في الدروس المحمدية بوهران، حول ( أثر اللغة العربية في تجلية البيان القرآني في خلال جهود المفسرين الجزائريين)، ونظمنا أيضا محاضرة حول تاريخ المصحف القرآني، ومعرضا مفتوحا حول المصاحف في الجزائر.
هذا إلى جانب محاضرات في المساجد بالاتفاق مع مديري الشؤون الدينية والأوقاف، للسادة أعضاء المجلس، وحضورهم في منتديات ومبادرات علمية واجتماعية في مختلف الهيئات الرسمية مع التنسيق مع مختلف مؤسسات التفكير، حيث يعمل المجلس كعضو في هيئة التفكير للمعهد الوطني للاستراتيجيات والاستشراف.
النصر: ما الرسائل الأساسية التي يسعى المجلس إلى إيصالها إلى المجتمع خلال الشهر الفضيل ؟
د. م زيد الخير: نحن لا نفتأ نذكر المجتمع بالدور التربوي والديني لشهر رمضان المبارك، وأن مقاصد العبادة لا تهتم بالشكليات ولا تنظر إلى قشور العبادة، بل تهتم بالجوهر، وتنظر إلى اللّب، وتشجع المؤمن على الحرص على اغتنام الفرصة والعمل على تصفية القلب، وتطهير الروح، وتأصيل القيم النبيلة، والأخلاق الجميلة، وجعل رمضان فرصة للإحسان، وساعة للتصافح والتصالح بين المؤمنين، ومجالا للترقية الروحية.
النصر: ما أبرز التحديات التي تواجه المجلس في أداء مهامه ؟
د. م زيد الخير: لاشك أن التسارع الذي تفرضه التقنيات الحديثة، وانفتاح المجال على الفضاء السيبيراني، ووسائل التواصل الحديثة، هو من التحديات الكبرى التي تشغلنا، ونحن نعمد بإخلاص إلى القيام بواجبنا الفكري والديني والدعوي، حسب الإمكانيات المتاحة ونحن بحاجة إلى دعم كل العقول المستنيرة، والعزائم الأثيرة، والأفكار الفعالة، والمبادرات الإيجابية، لتحقيق ما أمكن من الطموحات نحو تحصين الأمة، وحماية الجيل الصاعد من الغزو والتيه الحضاري، والتأزم الأخلاقي.