
تؤكد الدكتورة فيروز بيبي، باحثة في مقارنة الأديان، وعضو اللجنة التوجيهية لمنتدى الاتحاد الإفريقي للحوار بين أتباع الأديان والثقافات، وزميلة في مركز «كايسيد» أن زيارة البابا ليون الرابع عشر اليوم إلى الجزائر تعكس إدراك الفاتكيان لأهمية الجزائر كدولة محورية في حوض المتوسط قادرة على لعب دور توازني في بيئة مضطربة، والزيارة كذلك اعتراف ضمني بـ"الاستثناء الجزائري" في إدارة التعددية الدينية والتعايش المجتمعي.
ما هي قراءتكم لزيارة البابا ليون 14 إلى الجزائر اليوم؟
تعد زيارة البابا ليون الرابع عشر إلى الجزائر حدثا رمزيا ودبلوماسيا يتجاوز الطابع البروتوكولي التقليدي، ليحمل دلالات سياسية وروحية في آن واحد. فهي تعكس إدراك الفاتيكان لأهمية الجزائر كدولة محورية في حوض المتوسط، قادرة على لعب دور توازني في بيئة إقليمية مضطربة. كما يمكن قراءتها باعتبارها اعترافا ضمنيا بما يوصف بـ“الاستثناء الجزائري” في إدارة التعددية الدينية والتعايش المجتمعي. وتأتي هذه الزيارة أيضا في سياق رغبة الفاتيكان في توسيع قنوات الحوار مع الفضاءين المغاربي والإفريقي، انطلاقا من أرض ذات عمق تاريخي وروحي. فالجزائر هنا ليست مجرد محطة دبلوماسية عابرة، بل فضاء يحمل ذاكرة حضارية مشتركة بين الضفتين. كما أن هذا الحضور البابوي يفتح نقاشا أوسع حول الدبلوماسية الدينية كأداة ناعمة في عالم تتصاعد فيه التوترات. وفي المحصلة، يمكن اعتبارها محاولة لإعادة إحياء خطاب السلام عبر البوابة الروحية.
ماذا تمثل الجزائر بموقعها وتاريخها بالنسبة للفاتيكان والمسيحية بصورة عامة؟
تمثل الجزائر في الذاكرة الكنسية والتاريخ المسيحي فضاء تأسيسيا يعود إلى القرون الأولى للمسيحية في شمال إفريقيا. فهي ليست فقط أرضا جغرافية، بل حاضنة لإرث لاهوتي وفلسفي عميق ساهم في تشكيل الفكر المسيحي المبكر. ويبرز في هذا السياق اسم أوغسطينوس الذي يعد من أبرز آباء الكنيسة وأحد أعمدة الفكر اللاهوتي الغربي. كما أن مدنا تاريخية مثل هيبون (عنابة حاليا) شكلت مراكز إشعاع ديني وفكري في الحقبة الرومانية. هذا الإرث يجعل من الجزائر جزءا من الذاكرة الروحية للكنيسة، وليس مجرد موقع خارجي عنها. وفي الوقت نفسه، تعكس الجزائر اليوم نموذجا فريدا يجمع بين أغلبية مسلمة وذاكرة مسيحية قديمة. وهذا ما يمنحها موقعا رمزيا كجسر حضاري بين الإسلام والمسيحية عبر المتوسط.
هل يستطيع برأيكم بابا الفاتيكان أن يحمل رسالة سلام في ظل الظروف الدولية التي يعرفها العالم اليوم؟
رغم تعقيد المشهد الدولي الحالي وتزايد الاستقطابات والصراعات، يظل بابا الفاتيكان يمتلك سلطة معنوية مؤثرة على مستوى الضمير العالمي. فشخصية مثل البابا ليون الرابع عشر (Leo XIV) أظهرت أن الخطاب الديني يمكن أن يتحول إلى قوة ضغط أخلاقي تتجاوز الحدود السياسية. غير أن هذه الرسالة تبقى محدودة من حيث التأثير المباشر على مراكز القرار التي تحكمها المصالح الاستراتيجية. لذلك فإن دور البابا لا يتمثل في فرض السلام بقدر ما يتمثل في إعادة تعريفه كقيمة إنسانية مشتركة. كما أن الفاتيكان يمتلك أدوات “الدبلوماسية الناعمة” التي تسمح له بفتح قنوات حوار في لحظات الانسداد السياسي. لكن فعالية هذا الدور تعتمد على مدى استعداد الفاعلين الدوليين للاستجابة للبعد الأخلاقي في العلاقات الدولية. وفي النهاية، يبقى السلام الذي يطرحه البابا سلاما تأسيسيا للوعي أكثر منه تسوية سياسية فورية.
كيف تفسرون ادعاء بعض المسؤولين في الغرب أن الله كلفهم بمهام ومنها شن الحروب على الشعوب الأخرى؟
يمكن تفسير هذا الخطاب ضمن ظاهرة “تديين السياسة” أو ما يعرف باللاهوت الحربي، حيث يتم توظيف الدين لإضفاء شرعية مقدسة على قرارات سياسية أو عسكرية. هذا النوع من الخطاب لا يعكس بالضرورة جوهر الدين، بل يعكس كيفية استخدامه كأداة تعبئة وتبرير في سياقات القوة. وقد شهد التاريخ أمثلة واضحة على ذلك، خاصة خلال الحروب الصليبية التي امتزج فيها الديني بالسياسي بشكل عميق. ومن منظور مقارنة الأديان، فإن هذا التداخل يمثل انحرافا عن المقاصد الأخلاقية للأديان التي تقوم على حفظ الحياة والعدل. كما أن هذا الخطاب يكشف أحيانا عن أزمة في تبرير السياسات الدولية، حيث يتم اللجوء إلى الرمزية الدينية لتغطية أهداف استراتيجية. وهو ما يؤدي إلى تحويل المطلق الديني إلى أداة للصراع بدل أن يكون مصدرا للقيم. وفي الجوهر، تبقى الأديان بريئة من هذا التوظيف، لأنها في أصلها تدعو إلى السلم الإنساني.
هل ما يزال هناك هامش حقيقي لحوار الأديان والحضارات بالشكل الذي يؤدي إلى التقارب بين الشعوب وبسط السلام في ظل ما يعيشه عالم اليوم؟
نعم، لا يزال هناك هامش حقيقي لحوار بين أتباع الأديان والحضارات، لكنه لم يعد ترفا فكريا بل ضرورة استراتيجية في عالم مضطرب. فالتحديات المعاصرة مثل الفقر، الهجرة، والتغير المناخي تفرض إعادة صياغة مفهوم الحوار ليصبح مرتبطا بالفعل لا الخطاب فقط. لذلك لم يعد كافيا أن يظل الحوار محصورا في المؤتمرات واللقاءات النخبوية، بل يجب أن ينتقل إلى الميدان الاجتماعي والإنساني. وتبرز في هذا الإطار تجارب مؤسسات مثل منتدى الاتحاد الافريقي للحوار بين أتباع الأديان والثقافات AU-IFDF ومركزKAICIID التي تحاول تحويل الحوار إلى ممارسة عملية. كما أن نجاح هذا المسار يتطلب شجاعة فكرية للاعتراف بالاختلاف دون تحويله إلى صراع. وفي النهاية، يمكن القول إن الحوار الحقيقي هو أداة لإدارة التنوع وليس لإلغائه. ومن هذا المنظور، تظل الجزائر مؤهلة لتقديم نموذج واقعي في تحويل التعددية إلى عامل استقرار وسلام.
حوار: إلياس -ب