
سجل المجلس الشعبي الوطني مع نهاية سنة 2025 نقاطا ثمينة في معركة الذاكرة والتاريخ بتصويت نوابه بالإجماع على مقترح قانون لتجريم الاستعمار الفرنسي في الجزائر.ولم تكن هذه الخطوة التاريخية التي عاشها قصر زيغود يوسف بالسهلة وفي المتناول كما قد يعتقد البعض، بل كانت طويلة وشاقة عبر مسار مليء بالنضال والإصرار وأيضا بالعقبات والعراقيل مع مواصلة الطرف الفرنسي تعنته ونكرانه للجرائم وكل الأفعال الشنيعة التي ارتكبها خلال الحقبة الاستعمارية في الجزائر.
إلياس -ب
على المستوى السياسي يعتبر تصويت نواب الغرفة السفلى للبرلمان على مقترح قانون لتجريم الاستعمار الفرنسي في الجزائر «هدفا حقيقيا» سجل في وقته المناسب، ذلك أن ما تحقق يوم 24 ديسمبر 2025 كان حلم العديد من نواب المجلس في الفترات التشريعية السابقة الذين أخذوا زمام المبادرة بهذا المقترح والذي للأسف لم يجد طريقه للتصويت خلال السنوات الماضية.

فقد بدأت محاولات النواب لطرح مقترح قانون لتجريم الاستعمار الفرنسي في الجزائر سنة 2001 مع المحاولة الأولى التي قام بها نائب جبهة القوى الاشتراكية آنذاك محند أرزقي فراد، ثم تلتها محاولات عديدة في الفترات التشريعية التي تلت، ولم يكتب لهذه المحاولات أن ترى النور إلا في ديسمبر من سنة 2025.إن تجريم الاستعمار الفرنسي في الجزائر طيلة 132 سنة حق لا غبار عليه للشعب الجزائري وفق القوانين والمواثيق الدولية وهو ليس بدعة أو ابتكار بل إجراء معمول به في العديد من الدول التي تعرضت للظاهرة الاستعمارية، وقبل ذلك فهو واجب وطني والتزام أخلاقي وسياسي وقانوني اتجاه ضحايا الفترة الاستعمارية، ووفاء لأرواح الملايين من شهداء الجزائر الذين ذهبوا ضحية الاستعمار الفرنسي منذ سنة 1830 إلى غاية 1962 .
أثناء عرضه للمقترح قال رئيس المجلس الشعبي الوطني إبراهيم بوغالي إن جلسة عرض ومناقشة المقترح ليست إجراء برلمانيا روتينيا، بل هي “فعل سيادي بامتياز وموقف أخلاقي صريح، ورسالة سياسية واضحة تعبر عن تمسك الجزائر بحقها غير القابل للتصرف وعن وفائها لتضحيات شعبها ولرسالة شهدائها”.
وكان رئيس المجلس الشعبي الوطني واضحا خلال عرضه لمقترح القانون كل الوضوح عندما قال إنه “فعل وفاء” قبل أن يكون “نصا قانونيا”، وهو “دفاع عن الحقيقة قبل أن يكون موقفا سياسيا”، ورسالة واضحة إلى الداخل والخارج بأن “الذاكرة الوطنية الجزائرية” ليست قابلة للمحو أو المساومة، و أن بناء الحاضر واستشراف المستقبل لا يمكن أن يقوم على إنكار الماضي أو القفز عليه.
فالرسالة الأولى من هذا المقترح أن الذاكرة الوطنية الجزائرية ليست قابلة للمحو أو المساومة أو الإنكار أو القفز عليها تحت أي ظرف وفي كل وقت، وأكثر من ذلك أن الشعب الجزائري لن يفرط في ذاكرته وغير مستعد لذلك أبدا، ولن يصمت اتجاه تاريخه وبخاصة منه التاريخ الذي خط باللون الأحمر، بدماء قوافل من الشهداء والأبرياء.
والرسالة الأخرى أن الجزائر سيدة في قراراتها، و ضمن هذا الإطار تدخل المبادرة بتقديم مقترح القانون والتصويت عليه، سيدة بمؤسساتها الدستورية التي انتخبها الشعب في سن القوانين التي تخدم مصلحة الشعب الجزائري وتحافظ على تاريخه وذاكرته، وهي بذلك لا ترمي نصب العداء لأحد لأن مقترح القانون كما جاء على لسان رئيس المجلس الشعبي الوطني أثناء عرضه “ ليس موجها ضد شعب ولا يستهدف الانتقام أو تأجيج الأحقاد، بل ينطلق من مبدأ مكرس مفاده أن الجرائم ضد الإنسانية لا تمحى بالتقادم ولا تبرر بالقوة ولا تغلق ملفاتها بصمت”، وهذا بطبيعة الحال عكس ما ذهب إليه “الكي دورسي” في بيان له بعد التصويت على القانون حيث اعتبره فعلا عدائيا، وهو توصيف لا يستحق أي تعليق أو رد.
ثم إن الجرائم البشعة التي مست الفرد الجزائري وأجيال متعاقبة من الشعب الجزائري طيلة عقود من الزمن، في روحه وبدنه، وفي ثقافته ونسيجه المجتمعي، و دينه وبيئته ومقدراته الطبيعية، كان وراءها استعمار ظالم غاشم أراد اقتلاعه من جذوره ومحو وجوده واستبداله بمعمرين وقطاع طرق أتى بهم من عديد البلدان الأوربية، وهذا الاستعمار هو من يتحمل مسؤولية تلك الأفعال وتلك الجرائم التي عددها القانون و التي ارتكبها في حق الجزائريين من الناحية السياسية ومن الناحية القانونية وفق مبادئ قانونية مكرسة دوليا، فالاستعمار “جريمة دولة” على فرنسا تحمل مسؤولياته القانونية وتبعاته و عليها الاعتراف به والاعتذار للجزائريين عن بشاعته.
أحسن ردّ على اليمين المتطرّف
وإذا عدنا إلى توقيت التصويت على مقترح قانون تجريم الاستعمار الفرنسي في الجزائر داخليا، فقد جاء في شهر له رمزيته الكبرى، شهر مظاهرات 11 ديسمبر 1960 التي أسمعت العالم صوت الشعب الجزائري الشهر الذي تلى نوفمبر العظيم، كما يأتي الحدث في سياق سياسة وطنية رسمت معالمها منذ سنوات للحفاظ على الذاكرة الوطنية و تثمينها و إبراز التاريخ الوطني المجيد و مآثر ثورة التحرير والمقاومات الشعبية والحركة الوطنية على وجه الخصوص، وهذا في إطار مجهود وطني على هذا المستوى انخرطت فيه كل مؤسسات الدولة.أما على المستوى الخارجي فإن مرور قانون تجريم الاستعمار عبر الغرفة السفلى للبرلمان يأتي في سياق توتر حاد تعرفه العلاقات بين الجزائر وفرنسا منذ أزيد من عام رغم نداءات التهدئة مؤخرا، توتر يقف وراءه اليمين المتطرف في فرنسا، و كذا أولئك الذين يحنون إلى الحقبة الاستعمارية، و أحفاد الأقدام السوداء الذين ارتكب أباؤهم وأجدادهم أبشع الجرائم ضد الإنسانية في الجزائر، من الذين لا يخدمهم أي تقارب بين الجزائر وفرنسا على الإطلاق، والذين يؤججون الصراعات السياسية وتوتير العلاقات بين البلدين، وهم أنفسهم الذين يرفضون الاعتراف بالاستعمار الفرنسي للجزائر وبجرائمه هنا ويرفضون الاعتذار و التعويض وما إلى ذلك.
وقد جاء التصويت على قانون تجريم الاستعمار الفرنسي في الجزائر كأحسن رد على كل هؤلاء، رد أجمع حوله نواب الأمة ومن ورائهم الطبقة السياسية والمدنية برمتها والشعب الجزائري بكامله، ولا يمكن تصور أن يقف أي جزائري ضده إلا إذا كان في صف الخونة.
وفي الواقع فإن اعتبار الخارجية الفرنسية التصويت على القانون عملا عدائيا ما هو سوى انعكاس لمشكلة فرنكو-فرنسية فقط، لأن طبقات من السياسيين والإعلاميين في فرنسا لم تستطع الانتقال من الحالة الكولونيالية إلى الحالة الطبيعية، ولم تهضم بعد أكثر من 60 سنة من استقلال الجزائر أن هذه الأرض دولة ذات سيادة وليست تابعة لفرنسا ولا تخضع لقوانينها وتنظيمها وأن الشعب الجزائري حر وسيد، فالمشكلة إذن في ذهنية هذه الطبقة التي صدمها قرار النواب بعد مصادقتهم على قانون تجريم الاستعمار وليس في القانون في حد ذاته.
ولو نظرت هذه الطبقة إلى ما فعله بعض جيرانها في أوروبا فقط لاقتنعت أن تجريم الاستعمار فعل عادي وحق للشعوب التي استعمرت وقهرت، وأن الاعتراف بالجريمة و الاعتذار عنها والتعويض ممكن كما تنص على ذلك القوانين الدولية، فتجربة إيطاليا مع ليبيا ليست ببعيدة عنهم وهناك تجارب أخرى.
إن مصادقة المجلس الشعبي الوطني على قانون تجريم الاستعمار الفرنسي بالجزائر سيبقى حدثا وطنيا بارزا في سجلات سنة 2025، وفي تاريخ الجزائر المستقلة، وهو حلقة من حلقات النضال الطويل للشعب الجزائري في سعيه لاسترداد حريته وكرامته وحقوقه، و هو وبغض النظر عن نطاق تطبيقه يبقى انتصارا كبيرا للشعب الجزائري على الاستعمار اليوم كما انتصر عليه بالأمس.
ويبقى أيضا عمل حضاري في هذا العالم غير الآمن، ووفاء روحي ونضالي من الشعب الجزائري برمته لآبائه وأجداده من الشهداء، وهو فعل سياسي سيادي له ما بعده، لأن رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة كما يقول المثل والشعب الجزائري له طول النفس. إ/ب