الخميس 16 أبريل 2026
Accueil Top Pub

الجزائر تجمع إفريقيا: دبلوماسية الفعل والتنمية لرسم ملامح نهضة قارية جديدة

• عبر الاقتصاد والذاكرة والابتكار.. الجزائر ترسم معادلة الفعل الإفريقي المشترك
حققت الجزائر خلال السنة الجارية تقدما بخطى واثقة في تكريس موقعها كقاطرة للمشروع الإفريقي الموحد، من خلال دبلوماسية هادئة وفعالة تقوم على الفعل لا الخطاب، وعلى المبادرة لا على رد الفعل، فالتحوّلات التي رافقت تنظيم الجزائر لثلاث محطات قارية بارزة وهي معرض التجارة البينية الإفريقية "إياتياف 2025"، والمؤتمر الدولي حول جرائم الاستعمار، والمؤتمر الإفريقي للمؤسسات الناشئة، لم تكن مجرد نشاطات دبلوماسية روتينية، بل خطوات عملية في إعادة رسم هندسة الفعل الإفريقي المشترك.

عبد الحكيم أسابع

ومن خلال هذا التراكم، تتضح رؤية جزائرية جديدة لدور القارة، في تحقيق تنمية قائمة على الذاكرة، واقتصاد مبني على الابتكار، وشراكات تعيد ترتيب العلاقات الإفريقية على أساس الندية والمصلحة المشتركة.
إن نجاح الجزائر في استضافة ثلاثة مواعيد قارية بارزة، خلال فترة لم تتجاوز الثلاثة أشهر، لم تكن مجرد لقاءات عابرة، بل شكلت محطات حقيقية لإعادة بناء رؤى إفريقية موحدة، تجمع بين الاقتصاد، والابتكار، والذاكرة التاريخية، وتفتح بابا واسعا لما يمكن تسميته ‘’النهضة الإفريقية من شمال القارة’’ وهو ما شكل هندسة إستراتيجية لتحولات أعمق في منظومة الفعل الإفريقي، من بوابة التجارة البينية إلى مسار الذاكرة، ومن اقتصاد الابتكار إلى بناء مراكز قارية جديدة.
وبهذا تتشكل ملامح هذه النهضة الإفريقية، مرتكزة على النموذج الجزائري في دبلوماسية الفعل والتنمية، فأصبحت الجزائر ليست فقط فضاء للاجتماع، بل مساحة لبناء قرار قاري جديد يضع المستقبل في يد الإفريقي لا في يد الآخر.
الجزائر ومنصة التجارة البينية الإفريقية: اقتصاد يصنع التحوّل الملموس
إن استضافة الجزائر لمعرض التجارة البينية الإفريقية الذي شكل حدثا اقتصاديا ذا بعد إستراتيجي، فتح الباب أمام تصور جديد للتكامل القاري يقوم على الإنتاج المشترك بدل الاستيراد، وعلى بناء سلاسل قيمة إفريقية بدل الانخراط في تبعية تجارية لصالح مراكز اقتصادية خارج القارة، و تحول المعرض من فضاء تجاري مفتوح إلى ورشة سياسية - اقتصادية هدفها تحويل اتفاقية التجارة الحرة القارية من وثيقة قانونية إلى واقع تطبيقي.
فقد شهد الحدث توقيع اتفاقيات استثمارية وصناعية وتمويلية بين حكومات ومؤسسات خاصة من عدة دول، مسجلا انتقالا مهما من نظريات الاندماج الاقتصادي إلى أدواته العملية، كما برزت خلاله مبادرة الجزائر الداعية إلى توحيد إجراءات العبور اللوجستي، وتطوير ممرات تجارية تربط شمال القارة بجنوبها وغربها بشرقها، وهو ما أعطى مؤشرا واضحا على التحول من الاندماج الخطابي إلى الاندماج التنفيذي.

وبهذا أصبحت الجزائر طرفا محركا لمشروع اقتصادي قاري هدفه رفع نسبة التبادلات الداخلية التي لا تزال - حتى اليوم - دون 20 بالمائة، في حين تتجاوز النسب في كتل اقتصادية مشابهة 60 بالمائة وأكثر، و يعكس هذا التوجه قناعة جزائرية جديدة مفادها أن النهضة السياسية للقارة لا يمكن أن تكتمل دون نهضة اقتصادية تستند إلى أسواق مشتركة ورؤوس أموال إفريقية متحركة بحُرّية.
و هكذا فبإجراء قراءة تحليلية في مجريات هذا الحدث القاري الكبير نجد أنه حين احتضنت بلادنا معرض التجارة البينية الإفريقية، فإن الحدث لم يكن مجرد مساحة لعرض منتجات، بل تحول إلى مختبر عملي لإعادة فهم التكامل الاقتصادي القاري، فبدل الاكتفاء بالشعارات، دفعت الجزائر نحو انتقال حقيقي من مرحلة الخطاب السياسي إلى مرحلة الممارسة الاقتصادية.
جاء تنظيم المعرض كمنصة لإعادة هندسة الفعل الاقتصادي، في سياق دولي يحاصر إفريقيا بالتنافس العالمي، ما جعل الجزائر تقترح تصورا يعالج أحد أكبر التحديات البنيوية للقارة والمتمثل في الاعتماد المفرط على الخارج، لذلك، شكل الحدث خطوة نحو: ‹›دعم اتفاقية التجارة الحرة القارية بالآليات التطبيقية وفتح باب الشراكات الإنتاجية بدل الاكتفاء بالتجارة البسيطة فضلا عن بناء شبكات لوجستية وتمويلية تخدم القارة من الداخل››.
وهنا يتضح أن الجزائر لم تتعامل مع الملف باعتباره ظرفية اقتصادية، بل إرثا إستراتيجيا يحدد مكانة إفريقيا عالميا وفق قدرتها على التكتل والتفاوض ككتلة واحدة.
أما في جانب النتائج الملموسة فقدم المعرض مخرجات واضحة، تمثلت في توقيع اتفاقيات استثمارية بمليارات الدولارات داخل القارة وفتح مسارات تعاون صناعي بين دول الجنوب، فضلا عن طرح آليات تمويل قارية بديلة عن المؤسسات التقليدية المشروطة خارجيا، فكانت الرسالة الجوهرية هي أن مستقبل إفريقيا الاقتصادي لن يبنى بقرارات فوقية، بل بخلق دورة إنتاج إفريقية داخلية ترفع من نسبة المبادلات البينية التي ما تزال متدنية مقارنة بباقي القارات.
الذاكرة كمسار للتحرر:
المؤتمر الدولي لجرائم الاستعمار وإعلان الجزائر
لم يكن المؤتمر الدولي حول جرائم الاستعمار حدثًا تاريخيا عابرا، بل لحظة تأسيسية لمسار قاري جديد ينظر للماضي باعتباره رافعة للمستقبل لا عبئا خانقا له، وقد قدمت الجزائر من خلال هذا المؤتمر إطارا سياسيا وأخلاقيا للتعامل مع الذاكرة، قائما على العدالة التاريخية وجبر الضرر، وعلى تثبيت الاعتراف بجرائم الاستعمار والعبودية والفصل العنصري كجرائم ضد الإنسانية.
وقد شكل "إعلان الجزائر" الذي انبثق عن المؤتمر وثيقة مرجعية تسعى إلى توحيد المواقف الإفريقية واعتماد يوم 30 نوفمبر يوما قاريا لتكريم ضحايا الاستعمار، مع اقتراح تأسيس هيئة قارية للذاكرة الجماعية، في خطوة تهدف إلى توحيد البحوث، والمناهج التعليمية، والمرجعيات القانونية المتعلقة بتاريخ القارة المشترك.
وتكمن القيمة الحقيقية للمؤتمر في كونه نقل القارة من مرحلة تسجيل المظلومية إلى مرحلة بناء شرعية قانونية وأخلاقية للمطالبة بحقوقها، وهو ما يفتح الباب أمام مسارات دبلوماسية وقضائية دولية مستقبلية، وبذلك يصبح ملف الذاكرة امتدادا طبيعيا لمسار التحرر السياسي والاقتصادي، لا مجرد استرجاع لمشاهد الماضي.إن المتتبع لهذا الحدث الدولي يكون قد سجل بأن حشد الجزائر وزراء وخبراء ومؤرخين من إفريقيا والبحر الكاريبي ومناطق أخرى، لإعادة وضع ملف الاستعمار في مكانه الطبيعي، كقضية سياسية قانونية دولية، لم يكن الهدف تفعيل خطاب عاطفي، بل لصياغة مدخل قانوني لتصنيف الاستعمار كجريمة ضد الإنسانية، ووضع آليات قارية للتقاضي والمطالبة بالتعويضات إلى جانب هندسة سردية جماعية تحمي الذاكرة من التزييف.وبهذا التحرك، جعلت الجزائر من الذاكرة ملفا قاريا لا شأنا وطنيا، مما يجعل ‹›إعلان الجزائر››… بداية مسار لا نهاية حدث.
فمثل ما تابع العالم أجمع فقد خرج المؤتمر وبكل سيادة بوثيقة تأسيسية هي «إعلان الجزائر»، والتي تحولت إلى مرجع لصياغة رؤية إفريقية موحدة تجاه العدالة التاريخية، وهي وثيقة تدعو إلى الأهداف التي أشرنا إليها فيما سبق.
وهنا يبرز السؤال: لماذا تحوّلت الذاكرة من حكاية الماضي
إلى رافعة مستقبلية؟
والجواب هو أن إفريقيا - وفق الرؤية الجزائرية - لا يمكن أن تدخل العصر الاقتصادي بثقة دون تحرير هويتها من قيود السرديات الاستعمارية.
و الجزائر أمام كل هذا لم تتحدث من موقع الوعظ الأخلاقي، بل من موقع التجربة التاريخية، من بلد عاش الاستعمار فعرف آثاره، وحرر نفسه بثمن باهظ، ثم عاد ليحول تلك التجربة إلى مصداقية سياسية ودبلوماسية، لذلك أصبح خطابها مقبولا على نطاق قاري ودولي واسع، لأنها لا تفرض وصاية، بل تفتح بابا لقيادة مشتركة.
الاقتصاد الجديد من الجزائر: المؤسسات الناشئة كمدخل لبناء إفريقيا الغـد
أما المؤتمر الإفريقي للمؤسسات الناشئة، فكان تتويجا لتوجه جزائري واضح نحو دمج الشباب والتكنولوجيا والابتكار في بنية القرار الاقتصادي القاري، فقد احتضنت الجزائر في الطبعة الرابعة من هذا الموعد، واحدا من أهم اللقاءات الإفريقية في مجال اقتصاد المعرفة، بحضور حكومات، وشركات ناشئة، وحاضنات تمويل، ومراكز بحث، وفاعلين في التكنولوجيا المالية والذكاء الاصطناعي.
وتجلت خلال المؤتمر رؤية جديدة لإفريقيا لا تكتفي ببيع المواد الأولية واستيراد الحلول من الخارج، بل تعمل على تصميم المعرفة وإنتاج الحلول داخل القارة، وتم خلاله الإعلان عن مشاريع تعاون وتمويل مشترك، وتسهيلات لعبور الشركات الناشئة بين الدول، ومبادرات لتحويل الجزائر إلى مركز إقليمي للابتكار يربط شمال القارة بعمقها الاستراتيجي.هذه المقاربة الجديدة تعكس انتقال الجزائر من منطق استقبال الأفكار إلى صناعة الأفكار وتصديرها، ومن المشاركة في ديناميكية خارجية إلى توجيه ديناميكية إفريقية من الداخل، عبر مقاربة تنموية تعتبر الابتكار رافعة للتحرر الاقتصادي.وهكذا أكدت الجزائر أن نجاح إفريقيا لن يأتي من استنساخ تجارب الآخرين، بل من مواءمة الابتكار مع خصوصيات القارة و ربط الاقتصاد الرقمي بالطاقات المتجددة والصحة والتعليم وكذا الاستثمار في الشباب باعتبارهم أكبر كتلة سكانية مستقبلية في العالم.وحين ننظر إلى المحطات الثلاث معا، نكتشف أنها ليست أحداثا منفصلة، بل أضلاع مثلث واحد، ورسائل واضحة، ففي مجال الاقتصاد نستخلص أن معرض التجارة البينية الإفريقية جاء من أجل بناء مصالح مشتركة وتكامل تجاري وصناعي.
وفي مجال الذاكرة والشرعية السياسية، فإن مؤتمر جرائم الاستعمار، جاء لحماية الهوية وخلق شرعية تفاوضية أمام العالم.أما في مجال المستقبل التكنولوجي فإن مؤتمر المؤسسات الناشئة الإفريقية، فقد جاء لصنع اقتصاد المستقبل وعدم انتظار الحلول الخارجية.هذا التناسق هو ما يجعل الجزائر تقدم نفسها اليوم كدولة، تجمع.. تقود.. تقترح.. وتتقدم بالفعل لا بالخطاب.وبهذا وذاك، تضع الجزائر إفريقيا أمام منعطف جديد، منعطف يقول إن زمن الانتظار انتهى، وأن القارة أمام فرصة تاريخية لصناعة نهضتها بقرار ذاتي، وأن المسألة ليست شعارا عن الوحدة الإفريقية، بل بناء مؤسسات وآليات وتصورات تحصن هذه الوحدة من التفكك.
لقد أثبتت الجزائر أن القيادة القارية لا تُمنح… بل تُكتسب بتراكم الفعل، ومع ذلك، فإن الطريق ما يزال طويلا، والنجاح يتوقف على قدرة الدول الإفريقية على تحويل المبادرات إلى سياسات دائمة، وتحويل التوافقات إلى مشاريع، وتحويل الذاكرة إلى قوة اقتراح لا مجرد وثيقة احتجاج.
وفي المحصلة تجمع المحطات الثلاث - الاقتصاد، الذاكرة، و الابتكار - في مخرجاتها خيطا ناظما واحدا يتمثل في انتقال إفريقيا من التشتت إلى التنسيق، ومن المبادرات الفردية إلى الرؤية الموحدة.
لقد قدمت الجزائر تصورا قاريا جديدا يقوم على ‹› بناء استقلال اقتصادي تدريجي يخفف من التبعية الخارجية، وتحويل قضايا الذاكرة والعدالة التاريخية إلى عنصر قوة دبلوماسية، ووضع الابتكار في قلب نموذج التنمية بدل موقعه الهامشي السابق››.
وليست هذه الخطوات إعلانا عن قيادة فوقية بقدر ما هي دعوة إلى قيادة جماعية بمرجعية إفريقية، حيث تكون الجزائر نقطة الانطلاق وليست نقطة النهاية، والجسر لا المركز الوحيد. ع/ أ

آخر الأخبار

Articles Side Pub
Articles Bottom Pub
جريدة النصر الإلكترونية

تأسست جريدة "النصر" في 27 نوفمبر 1908م ، وأممت في 18 سبتمبر 1963م. 
عربت جزئيا في 5 يوليو 1971م (صفحتان)، ثم تعربت كليًا في 1 يناير 1972م. كانت النصر تمتلك مطبعة منذ 1928م حتى 1990م. أصبحت جريدة يومية توزع وتطبع في جميع أنحاء الوطن، من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب.

عن النصر  اتصل بنا 

 

اتصل بنا

المنطقة الصناعية "بالما" 24 فيفري 1956
قسنطينة - الجزائر
قسم التحرير
قسم الإشهار
(+213) (0) 31 60 70 78 (+213) (0) 31 60 70 82
(+213) (0) 31 60 70 77 (+213) (0) 6 60 37 60 00
annasr.journal@gmail.com pub@annasronline.com