
استعاد مسجد سيدي الكتاني بقسنطينة نبضه، بعد انبعاث صوت التلاوة في أرجائه، وإقامة صلاة التراويح فيه لأول مرة، في أجواء روحانية مفعمة بالإيمان والسكينة، أعادت لهذا الصرح الديني العريق ألقه الروحاني، وضخت دماء جديدة في أزقة سوق العصر العريق.
أسماء بوقرن
زرنا مسجد سيدي الكتاني أيام رمضان، حيث تُقام فيه صلاة التراويح لأول مرة بعد 12 سنة من الغلق، سالكين حي «رود شوفاليي»، لنقف عند مخرجه أمام تحفة معمارية تجمع بين عبق التاريخ وجمال المعمار الإسلامي، المجسد في هندسته الخارجية، التي نجحت أشغال الترميم في الحفاظ عليها.
أيادي الترميم تعيد الروح للجامع الأعظم
تختلج المار أمام مسجد سيدي الكتاني رغبة كبيرة في زيارته، حيث لا يعد مكانا للعبادة فقط، وإنما يصنف في نظر الكثير كأحد التحف المعمارية التي توثق لتعاقب الحضارات بالمنطقة، لأن هندسته تنقلك إلى ماضي قسنطينة القديم، وتجعلك تتأمل في تفاصيلها المستلهمة من الهندسة العثمانية الممزوجة بحضارة الأندلس والحضارة المحلية المجسدة في الطراز المغاربي، وبالضبط في العهدين الزيري والحمادي.
وقد نجحت أيادي الترميم في إعادة حلة هذا الصرح الإسلامي المشرقة، وحافظت على طابعه الأصيل الذي يميز المساجد التاريخية في المدينة، حيث ينبهر الزائر للمسجد بمجرد أن تطأ قدمه مدخله الرئيسي المخصص للرجال، ببهو مفتوح تسطع أشعة الشمس في أرجائه وتحيطه أقواس تعطي للمسجد طابعا معماريا تقليديا، وتتوسطه نافورة وشجرتا نارنج ممتدتان إلى الطابق الثاني، معبقتان المكان برائحة طيبة.
هنا يختلط عبق التاريخ بجمال المعمار الإسلامي وروح العبادة
وبمواصلة جولتك داخل هذا الصرح، تشد نظرك حجارة بارزة في رواقه الواقع بالطابق الأول، وكذا على مستوى قاعة الصلاة المخصصة للنساء، حيث فضل المرممون إبراز المادة الأساسية التي شيد بها المسجد، حيث لا تزال الحجارة متماسكة ومتراصة كما شيدت منذ 250 سنة، وزادت من تماسكها أشغال الترميم، لتظل شامخة محافظة على بناء المسجد لمدة أطول، مضفية لمسة جمالية فريدة تبرز عراقة هذا الصرح.
تعد قاعة الصلاة المخصصة للرجال، والواقعة بالطابق الأول، بدورها لوحة فنية تاريخية، يزينها زليج أصلي بزخرفة نباتية وأخرى هندسية بألوان يغلب عليها اللونان الأزرق والذهبي، يكسو محراب المسجد، وأكثر ما يدهش الزائر ويثير إعجابه المنبر المصنوع من الرخام الخالص، الذي ظل محافظا على جماليته رغم مرور نحو ثلاثة قرون على بنائه، حيث يعد من أروع المنابر في العالم، وتوجد منه نسختان فقط عبر المعمورة، حسب نائب مدير البحوث بمعهد تكوين الإطارات الدينية بقسنطينة، مراد جبلي، ـ الذي رافقنا في جولتنا بالمسجد ـ واحدة في العاصمة، والثانية في تركيا.
كما أضفت الزخارف الإسلامية والنقوش التي تزين جدران المسجد وقبته طابعا جماليا خاصا، زاد من رهبة المكان وعمق الإحساس بالسكينة.
ثريات نحاسية صُممت على هيئة المصابيح القديمة
وما يشدك وأنت تتأمل سقف المسجد الشريط الدائري الذي يتوسط جدران القاعة، وعليه عبارات من قصيدة البردة للبوصيري في مدح النبي عليه الصلاة والسلام، إضافة إلى آيات قرآنية، كذلك أعمدة رخامية ودعائم من العرعار، حيث تم الحفاظ عليها بطريقة فنية تقنية، كما تنتشر في أرجاء المسجد ثريات نحاسية صُممت على هيئة المصابيح القديمة، إلى جانب السدة التي تضفي خصوصية فريدة على المكان، والأبواب الخشبية القديمة المنقوشة بأشكال هندسية تتوسطها النجمة السداسية، وعددها خمسة، أربعة مخصصة للمصلين، أما الباب الخامس فيؤدي إلى مقصورة الإمام.كما تأخذك بخيالك قاعة الصلاة المخصصة للنساء إلى زيارة لأجنحة قصر الحاج أحمد باي، لتطابق هندستها وتصميم غرفه، من خلال تقسيمها وسقفها المشيد بأعمدة العرعار، وجدرانها الحجرية، حيث يشعر الجالس بها بأجواء إيمانية عميقة معبقة بعطر الماضي.
زوار أجانب ومصلون من أحياء جديدة
وقد أعادت صلاة التراويح، التي تُقام لأول مرة منذ افتتاحه شهر جويلية المنصرم، للمسجد بريقه الذي عرف به عبر السنين، يقول الإمام رحماني معاوية، إمام وطالب متربص بالمعهد الوطني للتكوين المتخصص، ويؤم المصلين في الصلوات الخمس، إن المسجد يستقطب يوميا جموع المصلين، خاصة السكان القدامى القاطنين بالأحياء الجديدة، والذين يقطعون مسافات طويلة من أجل الصلاة فيه، مضيفا بأن المسجد أحيا ليالي سوق العصر وأعاد إليها أجواء سهرات رمضان الماضية، فيما عبر مصلون عن سعادتهم بفتح أبواب المسجد مجددا واستعادة نشاطه الديني، آملين أن يظل منارة للعبادة.
منارة إشعاع روحي تتجدد
يرجع تاريخ تشييد المسجد، حسب نائب مدير البحوث بمعهد تكوين الإطارات الدينية بقسنطينة، مراد جبلي، إلى سنة 1776 على يد صالح باي بن مصطفى، الذي حكم قسنطينة بين عامي 1771 و1792. وكان المسجد يُعرف في تلك الفترة باسم «الجامع الأعظم»، قبل أن يُطلق عليه اسم سيدي الكتاني نسبة إلى العالم الصوفي عبد الله بن هادي الكتاني، الذي عاش في عهد الدولة الحمادية وتوفي نحو سنة 490 هـ، وكان له مجلس لتحفيظ القرآن الكريم.
ويمثل المسجد، حسب محدثنا، قيمة تاريخية ودينية كبيرة، كما يشكل نموذجا بارزًا للفن المعماري الإسلامي في الجزائر، ويستقطب زوارا من مختلف البلدان الأجنبية.
أ.ب