
يزداد الإقبال أيام رمضان على ممارسة هواية الصيد بالقصبة بولاية جيجل، حيث تتحول العديد من الشواطئ إلى ملتقى عشرات الهواة الذين يقصدون البحر لقضاء سويعات من الراحة والاستمتاع تمتد إلى وقت متأخر من الليل.
ك. طويل
تتميز ولاية جيجل بطبيعتها الساحلية الخلابة وشواطئها الممتدة بين الصخور والرمال، ما جعل البحر جزءا لا يتجزأ من حياة سكانها، ومن بين الأنشطة التي ارتبطت ارتباطا وثيقا بأهل المنطقة، يبرز الصيد بالقصبة كواحدة من الهوايات التي تجمع بين المتعة والصبر والشغف بالبحر.
فرصة للهروب من الضجيج
يزداد الإقبال على هذه الهواية بشكل ملحوظ، أيام الشهر الفضيل، حيث تتغير عادات الكثير من سكان جيجل، فبينما يفضل البعض البقاء في المنازل أو قضاء الوقت في الأسواق والمقاهي ليلا، يختار آخرون التوجه إلى البحر حاملين قصبات الصيد ومعداتهم البسيطة، فالصيد بالنسبة لهؤلاء ليس مجرد وسيلة للحصول على السمك، بل هو فرصة للهروب من ضجيج المدينة والبحث عن لحظات من الهدوء والسكينة.
وتشهد مختلف الشواطئ الصخرية والرملية في الولاية، خاصة تلك المعروفة بين هواة الصيد، إقبالا ملحوظا سواء خلال ساعات النهار أو في فترات الليل، فهناك من يفضل القدوم في الصباح الباكر أو خلال فترة ما بعد الظهيرة لقضاء جزء من يوم الصيام بالقرب من البحر، حيث تساعد نسائم البحر العليلة على تخفيف مشقة الصوم.
الصيد بعد الإفطار متعة خاصة
في المقابل، يفضل آخرون ممارسة هواية الصيد بعد الإفطار للاستمتاع بأجواء الليل الهادئة، حيث يصبح صوت الأمواج الهادئة رفيقا لهم وهم ينتظرون حركة الخيط التي قد تعلن عن صيد جديد.
التقينا خلال مرافقتنا لهواة الصيد في المنطقة الصخرية الواقعة بين الخليج الصغير والمنار الكبير، مسعود وشقيقه الأكبر الطاهر، وهما من بين الهواة الذين اعتادوا ممارسة الصيد بالقصبة منذ سنوات طويلة، كان الشقيقان يجلسان على إحدى الصخور المطلة على البحر، بينما تمتد خيوط قصباتهما في المياه العميقة في انتظار ما قد يجود به البحر.يقول مسعود وهو يتفقد الطُعم المثبت في خطافه: «الصيد بالنسبة لي هواية قديمة تعودت عليها منذ الصغر، في رمضان نحرص على المجيء إلى البحر لقضاء بعض الوقت هنا، فالمكان هادئ والهواء النقي يساعد على قضاء ساعات الصيام براحة أكبر.»
ويضيف مبتسما: «حتى إن لم نحصل على صيد وفير، فإن مجرد الجلوس أمام البحر يمنحك شعورا بالراحة والهدوء.»
أما الطاهر، الذي يبدو أكثر خبرة في هذا المجال، فيوضح أن الصيد في رمضان يختلف عن بقية أيام السنة، حيث يزداد عدد الهواة الذين يقصدون الشواطئ، ويقول: «في هذا الشهر نلتقي بالكثير من الصيادين، بعضهم من الأصدقاء القدامى، وآخرون يأتون لأول مرة ونتبادل الحديث حول أفضل أماكن الصيد وأنواع الطُعم، وأحيانا نتشارك حتى في الصيد».
ومع مرور الوقت، بدأ عدد الصيادين في التزايد في المكان، حيث وصل بعضهم حاملين معدات الصيد، فيما اكتفى آخرون بمتابعة المشهد والاستمتاع بمنظر البحر، وتتشكل في مثل هذه الأماكن أجواء خاصة تجمع بين الهواية والرفقة، حيث تتحول لحظات الانتظار الطويلة إلى فرصة لتبادل الأحاديث والقصص بين الصيادين.
هذه عوامل نجاح عملية الصيد
ويؤكد العديد من هواة الصيد أن هذه الهواية تتطلب صبرا كبيرا ومعرفة جيدة بالبحر، فاختيار المكان المناسب، ومعرفة أوقات نشاط الأسماك، وحتى نوع الطُعم المستعمل، كلها عوامل تلعب دورا مهما في نجاح عملية الصيد، كما أن حالة البحر والطقس قد تؤثر بشكل مباشر على النتائج التي يحققها الصياد.
يبدأ بعض الصيادين، مع اقتراب موعد الغروب، في جمع معداتهم استعدادا للعودة إلى منازلهم قبل أذان المغرب، خاصة أولئك الذين قضوا ساعات طويلة منذ الصباح. في المقابل، يفضل آخرون البقاء حتى ساعات متأخرة من الليل، حيث يعتبرون أن الصيد الليلي يحمل متعة خاصة، إضافة إلى أن بعض أنواع الأسماك تنشط أكثر خلال هذه الفترة.
وفي كل الأحوال، تبقى تجربة الصيد بالقصبة خلال شهر رمضان لحظة مميزة بالنسبة لهواة البحر في جيجل، حيث يجتمع فيها شغف الصيد مع أجواء الشهر الفضيل، فبين صوت الأمواج ورائحة البحر، يقضي الصيادون سويعات من الزمن في هدوء تام، بعيدا عن صخب الحياة اليومية.
وهكذا يظل البحر بالنسبة للكثير من أبناء جيجل ملاذا للراحة ومصدرا للشغف، فيما تبقى القصبة رفيقة دائمة لهواة الصيد الذين يجدون في هذه الهواية أكثر من مجرد نشاط ترفيهي، إنها لحظات من التأمل والصبر والانتظار، تمتزج فيها روح رمضان بجمال الطبيعة، لتصنع تجربة لا تتكرر إلا على ضفاف البحر.
ك.ط