الخميس 16 أبريل 2026
Accueil Top Pub

منجم بجاية للزنك والرصاص: عملاق التعدين الذي يكتب فجر الجزائر المنجمي


عبر طريق جبلي ومن منعرجات وادي الصومام الخضراء، كانت وجهتنا نحو أعالي السلاسل الجبلية بمرتفعات أميزور وتالة حمزة بولاية بجاية، لم تعد هذه السلاسل المرصوصة مجرد كتل جامدة، بل حولها أزيز محركات أليات الحفر والتسوية التي بدأت تشق طريق الجزائر نحو السيادة المنجمية الحقيقية، وقوافل العمال والمهندسين إلى ورشة أشغال تعج بالحركة كخلية نحل تستهدف إقامة عملاق منجمي لاستخراج الزنك والرصاص.
روبورتاج وتصوير : ع.بوعبدالله

انطلقنا من مدينة بجاية وعانقنا المنعرجات الجبلية نحو أعالي موقع منجم تالة حمزة، بمناسبة الزيارة الميدانية للوزير الأول سيفي غريب مؤخرا إلى موقع المشروع لوضع حجر الأساس للانطلاق الفعلي في أشغال تهيئة المدخل الرئيسي والاستغلال، فالمشروع لم يعد مجرد حلم، بل حقيقة تتجسد لقطب صناعي عالمي سيضع الجزائر ضمن نادي الخمسة الكبار في إنتاج الزنك والرصاص، كما أن الحديث عن الثروات الباطنية لم يعد مجرد «وعود مؤجلة»، بل تحول إلى خلية نحل تقنية تهدف لبعث واحد من أكبر مكامن الزنك والرصاص في العالم.
استيقاظ «الكنز النائم»
منذ اكتشافه الأول عام 1992، ظل مكمن تالة حمزة ووادي أميزور بمثابة «الكنز النائم» في باطن الأرض، باحتياطات جيولوجية تفوق 53 مليون طن، ليتحول بقرار من رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون وبتجسيد من مجمع (سوناريم) بالشراكة مع شركة (تيرامين) الأسترالية، إلى مشروع حقيقي، إذ يستعد هذا المكمن للتحول إلى قاطرة اقتصادية ضخمة، تتجسد ميدانيا في إقامة شركة مختلطة تمتلك فيها الجزائر أغلبية الحصص بنسبة 51 بالمائة.
حركية غير عادية وآليات الحفر تمهد المسالك
تبدأ الحكاية من فتحة النفق المنجمي العملاق، التي تبرز كفوهة أمل في صدر الجبل، المشهد من الأعلى يؤكد وجود حركية غير عادية، مهندسون ببدلاتهم الزرقاء، وآليات حفر ضخمة تمهد المسالك الوعرة، وتضع أولى البدايات لهذا المشروع، الذي يحظى بمتابعة مباشرة من رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون والوزير الأول سيفي غريب الذي يعرف خبايا القطاع جيدا منذ كان وزيرا للصناعة، ليدخل مرحلة الحسم.

مدير مجمع سوناريم :
سنسترجع كلفة المشروع في أقل من خمس سنوات

في خيمة العرض الكبرى بالموقع، استوقفنا الشرح التقني المستفيض الذي قدمه رضا بلحاج، الرئيس المدير العام للمجمع المنجمي الصناعي (سوناريم)، الذي يقود القاطرة المنجمية برؤية حديثة، أكد أن المنجم ليس مجرد استثمار عابر «نحن أمام منجم عالمي باحتياطات تفوق 53 مليون طن، هدفنا ليس مجرد الاستخراج، بل التحكم في كامل سلسلة القيمة لضمان القيمة المضافة للاقتصاد الوطني».
من الناحية التقنية، سيعتمد المنجم على استخراج 2 مليون طن من المعدن الخام سنويا، الميزة الكبرى التي وقفنا عليها ميدانيا هي التحضير لإنشاء مصنع تركيز، في الموقع ذاته، سيتولى إنتاج 170 ألف طن من مركز الزنك و30 ألف طن من مركز الرصاص سنويا. وفي تفصيل مالي دقيق، أوضح رضا بلحاج أن الغلاف الاستثماري للمشروع قدر بـ 471 مليون دولار، وهو رقم يعكس ضخامة الطموح، حيث يُتوقع تحقيق رقم أعمال سنوي يقارب 115 مليون دولار، مع فترة استرداد للتكاليف في غضون 5 سنوات فقط، هذه الأرقام تضع بجاية كقلب نابض للتعدين في حوض المتوسط.
التحدي البيئي.. تقنية الغرف المردومة ومطلب صفر غبار
لطالما كان الهاجس البيئي هو السؤال الأبرز لسكان حوض الصومام، وخلال جولتنا في الموقع، وقفنا على الحلول التي قدمها مهندسو الشركة المشتركة الجزائرية الأسترالية المنجزة للمشروع، فالمنجم يعتمد تقنية الغرف المردومة تحت الأرض، وهي تكنولوجيا تضمن ملء الفراغات الناتجة عن الاستخراج فورا بمواد صلبة وإسمنتية، مما يجنب الموقع من خطر الانزلاقات، ويحافظ على سلامة القمة الجبلية والغطاء الغابي والنسيج الفلاحي للمنطقة. أما بخصوص نقل المعدن، فقد خططت الشركة لاعتماد نظام الحاويات الدوارة المحكمة الإغلاق (الروتينر) هذه التقنية تضمن نقل المركزات نحو ميناء بجاية دون تطاير الغبار، مما يجسد مفهوم اللوجيستيك الأخضر الذي شدد عليه رئيس الجمهورية في توجيهاته حسب الشروحات المقدمة، مع التأكيد على ضرورة الموازنة بين النجاعة الاقتصادية والسلامة البيئية.
حفاظا على الثروة المائية... دورة مغلقة وثمانية أنقاب
في منطقة حساسة، يظل رهان الحفاظ على الثروة المائية قائما، فالمشروع كما شرح مدير الري بولاية بجاية، يضم 8 أنقاب مائية موزعة بذكاء، اثنان منها للمياه الصالحة للشرب، وستة أنقاب تقنية لتجفيف الطبقات المنجمية. الحلول التقنية تكمن في نظام الدورة المغلقة، حيث يتم تجميع المياه المستخرجة، معالجتها، وإعادة استخدامها بالكامل في العملية الصناعية، مع التزام صارم بـصفر طرح صناعي في الطبيعة أو في وادي الصومام.

رئيس بلدية أميزور ...
فوائد اجتماعية و اقتصادية للساكنة

على هامش زيارة الوزير الأول لإعطاءإشارة بداية أشغال لتهيئة المدخل الرئيسي وبداية الاستغلال للمنجم، التقينا برئيس بلدية أميزور موساوي ستار، الذي أبدى ارتياحا لهذا المشروع الضخم بالمنطقة، مبرزا مزاياه وأهميته لسكان المنطقة، فالمشروع سيوفر كما قال 780 منصب شغل مباشر وأكثر من 4 ألاف منصب غير مباشر، فضلا عن تحول المنطقة إلى قطب صناعي واقتصادي سيعود بالفائدة على تحرير عجلة الاقتصاد والتجارة بهذه المناطق الجبلية وعوائد عامة لخزينة البلدية، ناهيك عن كونه مدرسة منجمية حقيقية للتكوين، مضيفا أن الشبان سيستفيدون من تكوين عال لنقل الخبرات العالمية في التعدين إلى السواعد الجزائرية.
الأجندة الزمنية للمشروع .. الإنتاج الفعلي أواخر 2028
كشف، مدير مجمع (سوناريم) في تصريح للنصر، عن خارطة الطريق الزمنية الدقيقة لاستغلال مكامن الزنك والرصاص ببلديتي تالة حمزة ووادي أميزور بولاية بجاية، ليضع حدا للتساؤلات حول وتيرة الإنجاز، مؤكدا أن المشروع يسير وفق مخطط زمني محكم يتوزع على ثلاث مراحل كبرى، تهدف في نهايتها إلى وضع الجزائر على خارطة المنتجين الدوليين في غضون السنوات الأربع القادمة.
فالمرحلة الأولى كانت قد انطلقت قبل عامين وشملت دخول المشروع فعليا في مرحلته التحضيرية بداية من سنة 2024 وإلى غاية السداسي الأول من سنة 2026، وركزت هذه المرحلة على الجوانب القانونية واللوجستية التأسيسية، وشملت حيازة وتخصيص الأراضي واستكمال الإجراءات الإدارية لتثبيت الوعاء العقاري للمشروع، وتعويض الملاك مع تسوية وضعية أصحاب الأراضي وتخصيص المبالغ المالية اللازمة للتعويضات الفنية، وبعدها البدء في الأعمال الأولية لتهيئة الأرضية لاستقبال الآليات الثقيلة.
أما المرحلة الثانية فتتمثل في بداية تشييد العملاق المنجمي والتي انطلقت فعليا مؤخرا وقبل انقضاء شهر مارس الجاري، مثلما وعد رئيس الجمهورية، حيث أشرف مؤخرا الوزير الأول سيفي غريب بتكاليف من رئيس الجمهورية على وضع حجر الأساس لبداية أشغال تهيئة المدخل الرئيسي واستغلال المنجم، وتمتد هذه المرحلة إلى غاية نهاية سنة 2028، إذ تعتبر الأكثر تقنية، وتتضمن بناء المنجم الباطني، تنفيذ أعمال الحفر المتطورة وإنشاء الأنفاق المخصصة لاستخراج الخام من باطن الأرض، مع إقامة مصنع التركيز وتشييد وحدات المعالجة والتركيز الصناعي في الموقع مباشرة، لضمان تحويل المادة الخام إلى مركزات الزنك والرصاص الجاهزة للتسويق، بعد استكمال المنشآت الملحقة والربط التقني بين المنجم والمصنع.

أما المرحلة الثالثة، فستشمل الانطلاق الفعلي والإنتاج مع أواخر سنة 2028، حيث حدد مجمع (سوناريم) الثلاثي الثالث من هذه السنة، موعدا للانطلاقة الرسمية لعمليات الإنتاج، وتشمل هذه المرحلة الاستخراج المكثف، وبدء استخراج 2 مليون طن من المادة الخام سنويا.
مشاريع موازية للطرقات و الطاقة
ولضمان عدم تعطل الجدولة الزمنية للمنجم، تسير عدة مشاريع موازية بوتيرة متزامنة، من بينها الأشغال العمومية، حيث يجري التحضير لإنجاز ممر علوي عبر الطريق الوطني رقم 75 وربطه بالطريق السيار، لضمان انسيابية النقل قبل بدء الإنتاج، بالإضافة إلى مشروع ربط الموقع بخط كهربائي عالي الضغط (60 كيلوفولت) تقوده شركة (سونلغاز) لضمان التغطية الطاقوية للمصنع والمنجم، كما يتم التخطيط لاعتماد نظام الرواق الأخضر وتسهيلات جمركية، لتسريع استيراد المعدات الاستراتيجية، بما يضمن تقليص مدة البناء والتركيب.
وتمتد رؤية المشروع إلى ما بعد فترة الاستغلال المقدرة بـ 20 سنة، حيث تتضمن الأجندة فترة تتراوح بين 4 إلى 8 سنوات، مخصصة حصريا لعملية إعادة التأهيل البيئي، والتي تهدف إلى إعادة الموقع إلى حالته الطبيعية الأولى، مع الحفاظ على التلال والمساحات الخضراء دون أي تغيير في تضاريس المنطقة.
ومن خلال هذا التخطيط المحكم ستكون ولاية بجاية حسب ما أكده الوالي كمال الدين كربوش في كلمته بالمناسبة، قد تحولت إلى قطب منجمي عالمي بامتياز، وفق أجندة لم تترك شيئا للصدفة، مراهنة على الصرامة في المواعيد والاحترافية في التنفيذ.
ع.ب

آخر الأخبار

Articles Side Pub
Articles Bottom Pub
جريدة النصر الإلكترونية

تأسست جريدة "النصر" في 27 نوفمبر 1908م ، وأممت في 18 سبتمبر 1963م. 
عربت جزئيا في 5 يوليو 1971م (صفحتان)، ثم تعربت كليًا في 1 يناير 1972م. كانت النصر تمتلك مطبعة منذ 1928م حتى 1990م. أصبحت جريدة يومية توزع وتطبع في جميع أنحاء الوطن، من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب.

عن النصر  اتصل بنا 

 

اتصل بنا

المنطقة الصناعية "بالما" 24 فيفري 1956
قسنطينة - الجزائر
قسم التحرير
قسم الإشهار
(+213) (0) 31 60 70 78 (+213) (0) 31 60 70 82
(+213) (0) 31 60 70 77 (+213) (0) 6 60 37 60 00
annasr.journal@gmail.com pub@annasronline.com