
لم تكن الليلة التي عاشتها مستشفيات قسنطينة خلال الساعات الماضية مجرد مناوبة طبية عادية وإنما كانت مواجهة مفتوحة مع شبه كارثة صحية باغتت الجميع دفعة واحدة، حيث تحولت وجبة شاورما اقتنيت من مطعم واحد بعلي منجلي إلى مصدر تسمم جماعي دفع عشرات المرضى غالبيتهم من الأطفال إلى أبواب الاستعجالات في مشهد مقلق ومؤثر يؤكد الطواقم الطبية أنه نادرا ما يحدث بهذا الحجم.
وبين صراخ الأطفال وارتباك العائلات وحركة الأطباء والممرضين في كل اتجاه، بدت مؤسسة عبد القادر بن شريف بعلي منجلي وكذا مستشفى المنصورة المتخصص في طب الأطفال وكأنهما تخوضان معركة حقيقية ضد الزمن من أجل احتواء الوضع وتفادي ما كان يمكن أن يتحول إلى مأساة ، حيث قادتنا جولتنا الميدانية بين المؤسستين إلى تفاصيل ثقيلة تكشف حجم ما جرى، كما تكشف في الوقت نفسه عن وجه آخر عنوانه فوضى بيع المأكولات في غياب الشروط الصحية والرقابة الرادعة.
وبمجرد أن وصلنا إلى مستشفى عبد القادر بن شريف بعلي منجلي كان واضحا أن المؤسسة الصحية قد عاشت وضعا استثنائيا فالحركة داخل مصلحة الاستعجالات لم تهدأ طيلة 48 ساعة الماضية فعشرات المرضى توافدوا تباعا والأطقم الطبية تتحرك بسرعة بين القاعات بينما بدا التعب على من كان حاضرا دون أن يوقفهم ذلك عن مواصلة العمل للتكفل بمختلف الحالات المرضية الأخرى، ونحن نستطلع المكان حتى سمعنا إحدى الطبيبات تهمس إلى زميلتها بوجود ثلاث حالات تسمم أخرى قدمت إلى المصلحة.
الشاورما تجر عشرات العائلات من موائد العشاء إلى الاستعجالات
وفي قلب هذا الضغط أكدت مديرة المستشفى كاشي سعاد، أن المؤسسة عاشت بالفعل ليلة بيضاء بكل ما تحمله العبارة من معنى إذ لم يغادر الأطباء وشبه الطبيين قاعات العلاج، وظلوا بين ذهاب وإياب وسط حالة تأهب كبيرة للتكفل بالحالات الوافدة، حيث أوضحت أن المستشفى اضطر إلى إضافة ثلاثة أسرة في مصلحة طب الأطفال و5 أخرى في مصلحة الاستعجالات كما جرى تدعيم المناوبة بأطباء مختصين في التخدير والأمراض المعدية وطب الأطفال والإنعاش فضلا عن المنسقين شبه الطبيين ، ولم يتوقف التدعيم عند هذا الحد بل توسع أيضا إلى عدد معتبر من المنظفات لتنظيف المكان بسبب القيء والإسهال الكبيرين، كما ساهم أعوان الأمن في مساعدة الطواقم الطبية وشبه الطبية على التحكم في الوضع وتنظيم الحركة داخل المصالح.
وتصف مديرة المؤسسة ما عاشه المستشفى بأنه يشبه ساحة معركة مع الوقت، إذ كان الجميع في سباق مفتوح مع الزمن للتكفل بالحالات المستعجلة وتضيف أن كل المرضى تلقوا البروتوكول الطبي المعتمد في علاج حالات التسمم فضلا عن المضادات الحيوية والعلاج اللازم، بينما بقي عدد من المصابين تحت الرقابة الطبية، وقد وقفنا بالمصلحة على وجود 7 حالات في الاستعجالات تحت المراقبة، إلى جانب 6 أطفال بمصلحة طب الأطفال تتراوح أعمارهم بين 18 شهرا و9 سنوات، كما أكدت المديرة أن ليلة الجمعة إلى السبت شهدت استقبال 30 حالة بشكل متتابع في حين بلغ العدد الإجمالي للحالات وفق تأكيد الطواقم الطبية 93 حالة، فضلا عن الحالات التي استقبلت يوم أمس السبت وقد تلقت جميعها العلاج المناسب وغادرت المؤسسة دون مضاعفات خطيرة، في حين أشارت المسؤولة كذلك إلى أن والي الولاية عبد الخالق صيودة ومديرة الصحة ليندة بوبقيرة كانا يتابعان الوضعية عن كثب وبشكل مستمر، بالنظر إلى حساسية الحادثة واتساع رقعتها.
ولم يقتصر الاستنفار على قاعات العلاج والاستعجالات فقط بل امتد أيضا إلى المخبر، حيث وقفنا على حالة تأهب أخرى وأكدت لنا المخبريات أنهن كن يبذلن جهودا كبيرة ومتواصلة لإجراء تحاليل الدم والسكري وغيرها من التحاليل الضرورية للتأكد من الوضعية الصحية لكل الوافدين. وبحسب ما أفدن به، فإن تحاليل الدم لم تكن مستقرة لدى جل الحالات كما ظهرت مؤشرات مرتبطة بالالتهابات، كما أكدن أن المواد المستعملة في التحاليل كانت متوفرة وأن كل مناوبة تقوم عادة برفع سقف احتياجاتها تحسبا لأي طارئ محتمل، وهو ما سمح للمخبر بإجراء تحاليل لجميع الحالات في أريحية تامة رغم الضغط المسجل .
قصص مؤثرة لعائلات تسممت بأكملها
وداخل مصلحة طب الأطفال كان المشهد أكثر قسوة من الأرقام فهناك تتحول كل حالة إلى حكاية عائلة كاملة اصطدمت في لحظة واحدة بالخوف والعجز ففي إحدى الغرف التقينا بسيدة كانت ترافق ابنتها ذات 6 سنوات والتي كانت تغط في نوم عميق جراء التعب والمرض فقد بدا على الطفلة الإرهاق الشديد وكانت تخضع لعناية خاصة داخل الغرفة.
وقالت والدتها إن القصة بدأت يوم الأربعاء حين اشترت شاورما من المحل ذاته القريب من مركز رتاج مول بمبلغ 250 دينارا وقدمتها لابنتها.. في البداية ظهرت بعض الأعراض التي ظنتها الأم مرتبطة بالانفلونزا، لكن الوضع سرعان ما تطور بشكل أكبر إذ بدأت الطفلة تتقيأ باستمرار وارتفعت درجة حرارتها ووصلت إلى الأربعين كما أصيبت بإسهال حاد ما اضطر العائلة إلى نقلها على جناح السرعة يوم الجمعة إلى المستشفى، حيث ما تزال تخضع للمراقبة الطبية ورغم معاناتها لم تفوت الأم الفرصة دون التنويه بمجهودات الطبيبات والممرضات اللائي تكفلن بابنتها ورافقن حالتها منذ وصولها.
وفي غرفة أخرى بالمصلحة نفسها التقينا بعائلتين، تعرض ثلاثة أطفال لكل منهما للتسمم، كانت أعمار المصابين تتراوح بين 17 شهرا و9 سنوات وكانت مظاهر الإنهاك بادية على الجميع، حيث تحدثت جدة الأطفال بحرقة عن وضعية أحفادها الأربعة وأمهم مؤكدة أنهم أصيبوا بتسمم حاد جدا، وأن أحد الأحفاد نقل إلى مصلحة الإنعاش بمستشفى المنصورة لطب الأطفال بينما بقيت الأم المصابة وبقية الأبناء الثلاثة في مستشفى علي منجلي.وأوضحت أن الأب توقف منذ يوم الخميس عن كل أشغاله والتزاماته، وظل يتنقل بين مستشفى علي منجلي ومستشفى المنصورة بقسنطينة بين زوجته وأبنائه من جهة، وطفله الموجود في الإنعاش من جهة أخرى، وفي الغرفة نفسها، أكدت والدة أطفال آخرين أن أبناءها تناولوا هم أيضا شاورما من المطعم ذاته قبل أن تظهر عليهم الأعراض نفسها، وهو ما يكرس الرابط الواضح بين الحالات كلها ومصدر واحد للوجبات.وفي ممر آخر بمصلحة الاستعجالات التقينا بوالد طفل بدا عليه القلق الشديد، وهو يتابع أخبار زوجته وأبنائه الأربعة الذين تتراوح أعمارهم بين 9 و17 سنة، بعد تعرضهم بدورهم لتسمم حاد، قال الرجل إن زوجته اقتنت الشاورما للعائلة في وجبة العشاء، لكن الفجر حمل معه بداية الكابوس إذ بدأت حالات التقيؤ والإسهال الحاد عند الثالثة صباحا من يوم الجمعة، فتنقلوا جماعة إلى مستشفى علي منجلي حيث تم التكفل بهم وظلوا تحت العناية الطبية قبل أن يتم نقل ابنته ذات 9 سنوات إلى مصلحة الإنعاش بمستشفى المنصورة لطب الأطفال بعد تدهور حالتها في حين كانت الكلمات تخرج منه متقطعة كما لو أنه ما زال غير قادر على استيعاب كيف يمكن لعشاء عائلي بسيط أن ينتهي بطفلة داخل غرفة الإنعاش.
أطباء يؤكدون .. الحالات لم تكن سهلة أبدا وكبار قدموا بالحفاظات
ولم تكن الحالات التي عاينها الأطباء عادية أو سهلة بل وصفها بعضهم بالحرجة جدا، ليس فقط بسبب عددها وإنما أيضا بسبب حدة الأعراض التي ظهرت على المرضى، فقد أكد الأطباء أن حتى كبار السن كانوا في حالات صعبة لدرجة أن بعضهم كانوا يعانون من الإسهال دون شعور ومنهم من جاء مرتديا حفاظات، فيما عرفت الاستعجالات حالات تقيؤ وإسهال تحت ضغط موجة التسمم الجماعي، وكانت هذه الصور شاهدا على مدى خطورة ما تناوله المرضى وعلى حجم المعاناة التي عاشوها في ساعات قليلة فقط.وفي خضم المشهد التقت الجهود الطبية مع المعطيات الوبائية، حيث أكدت طبيبة متخصصة في الأوبئة استنادا إلى التحقيق الوبائي الذي أجرته مصلحة علم الأوبئة والطب الوقائي بمستشفى علي منجلي، أن المصابين تناولوا اللحوم البيضاء سواء تعلق الأمر بالدجاج أو الشاورما فضلا عن المرقاز واللحوم الحمراء، على أن التحقيقات الوبائية وحدها ستؤكد طبيعة المشكلة بدقة، كما أشارت إلى أن الوضعية الوبائية مستقرة حاليا، وأن جل المصابين غادروا المؤسسة في وضعية مستقرة جدا كما أن كل المصابين أكدوا تناولهم لهذه المواد من مطعم واحد، وهو ما يمنح التحقيقات اتجاها واضحا في انتظار نتائج التحاليل والفحوص النهائية.
ومن علي منجلي، انتقلنا إلى مستشفى طب الأطفال بالمنصورة، حيث استقبلت المؤسسة الحالات الأخطر المحولة من أجل التكفل بها في مصالح أكثر تخصصا خاصة مصلحة الإنعاش، وهناك بدت بدورها حالة التأهب القصوى واضحة منذ المدخل حيث ساد الترقب وبدت الحركة دقيقة ومنظمة داخل المؤسسة، وقد استقبلنا مدير المستشفى قربوع مصطفى الذي أكد أن المستشفى وفر كل الإمكانيات البشرية والمادية للتكفل بالأطفال المصابين بالتسمم سواء على مستوى مصلحة طب الأطفال حيث وجدنا مريضين اثنين أو على مستوى مصلحة إنعاش طب الأطفال، التي كانت تعيش بدورها حالة استنفار واضحة.
وأضاف المتحدث أن الطواقم الطبية وكل الإمكانيات المادية سخرت للتكفل بالحالات المسجلة، وأن المؤسسة رفعت جاهزيتها القصوى منذ الساعات الأولى لوصول الأطفال، قبل أن نصعد إلى مصلحة الإنعاش، أين التقينا بالطبيب الأخصائي في الإنعاش وتخدير الأطفال الدكتور عالية خير الدين الذي قدم معطيات طبية دقيقة عن الحالات التي استقبلتها المصلحة.
أطفال محولون إلى مصلحة الإنعاش يخرجون من دائرة الخطر بمستشفى المنصورة
وأكد المتحدث أن 3 أطفال استقبلوا منذ يوم الجمعة، وأن واحدا منهم خرج من المصلحة ومن دائرة الخطر، بينما كان من المفترض أن يغادر الثاني المصلحة يوم أمس، في حين بقي المريض الثالث تحت المراقبة الطبية إلى غاية اليوم، وأوضح أن الأعراض كانت هي نفسها لدى الجميع وتتمثل في التقيؤ والإسهال والحمى المرتفعة ما أكد أن التكفل الطبي بالحالات بدأ جيدا منذ مستشفى علي منجلي عبر تقديم كل البروتوكول العلاجي، قبل تحويلهم إلى المنصورة بعد تسجيل وضعيات عدم إدراك وهذيان متقطع، وهي مؤشرات على خطورة المضاعفات التي بدأت تظهر على الأطفال، مضيفا أن التقديرات الأولية تشير إلى احتمال الإصابة ببكتيريا السالمونيلا أو شيغيلا، غير أن التحقيقات والتحاليل هي التي ستؤكد السبب النهائي بشكل علمي ودقيق.ولم يخف الدكتور عالية خير الدين قلقه من خطورة هذا النوع من التسممات على الأطفال، مبرزا أن التسممات تؤثر بشكل كبير جدا عليهم بخلاف الكبار، إذ يمكن أن تؤدي إلى مضاعفات من قبيل الفشل الكلوي الحاد أو أزمات على مستوى الجهاز العصبي، وغيرها من المضاعفات الخطيرة.وأشار إلى أن الأطفال تم تزويدهم بالأملاح المعدنية والتمويه أيضا إذ استرجعوا عافيتهم تدريجيا بعد إجراء التحاليل والتكفل المناسب، مؤكدا أن إنقاذهم من مضاعفات أخطر كان بفضل تضافر جهود الجميع من أطباء وشبه طبيين وإداريين وأعوان نظافة، في مشهد يعكس روح التعبئة العالية التي ميزت تعامل المؤسستين الصحيتين مع الحادثة، ونحن نغادر المؤسسة التقينا مجددا بوالد الفتاة الذي تحدثنا إليه بمستشفى علي منجلي إذ تنقل لزيارة ابنته التي ترقد بمصلحة الإنعاش حيث بدت علامات الغبطة على وجهه بعد أن شاهد فلذة كبده وهي تتحسن، ليثني في حديثه إلينا على كل الطواقم الطبية وشبه الطبية ومسؤولي المستشفيات الذين تكفلوا جيدا بعائلته سواء بمستشفى علي منجلي أو بابنته بالمؤسسة الصحية المتخصصة المنصورة.
روبورتاج :لقمان قوادري