
بين رتابة الإسمنت وضيق الفضاءات الحضرية، تنمو مبادرات بسيطة على شرفات بيوت جزائرية، تزرع الأمل والخُضرة، فمن أوان صغيرة معلقة على النوافذ، إلى أسطح تتحول إلى حدائق مصغرة، يعيد جزائريون اكتشاف علاقة قديمة بالطبيعة في أبهى صورها الحضرية.
رضا حلاس
يصف البعض هذه المبادرات بأنها نوع من الحنين وإلى الجذور القروية، وتراها الأوساط الأكاديمية مؤشرا على تحول ثقافي وبيئي متدرج يعبر عن وعي جديد في السلوك الحضري.
ومع تصاعد المبادرات الخضراء في المدن الجزائرية وحملات "جزائر خضراء" المنتشرة على المنصات الرقمية، تتأكد الحاجة إلى تأطير هذه الجهود بسياسات محلية ذكية واستراتيجيات استدامة طويلة المدى.
نحو مدن أكثر خضرة و توازنا بصريا وبيئيا
يرى الدكتور خالد فضيل، أستاذ وباحث بجامعة قسنطينة 3، ورئيس مؤسس للجمعية المتخصصة في المجال البيئي "أكسيجون درقينة" أنه من الواجب تسليط الضوء على أبعاد هذه الظاهرة، من بعدها الجمالي والبيئي، إلى إمكان تحولها إلى سياسة عمرانية مستدامة، تدفع نحو مدن أكثر خضرة وتوازنا بصريا وبيئيا.
يقول الدكتور خالد فضيل، إن تحويل الشرفات والأسطح إلى مساحات خضراء يمكن النظر من جهة كعودة إلى تقاليد زراعية بسيطة مثل الزراعة في الأواني، والبساتين الصغيرة حول المساكن، كما يأخذ هذا السلوك كذلك صيغة حديثة تعتمد على تقنيات وهندسة مباني ونماذج استدامة مثل الأسقف الخضراء، والأزهار في الشرفات، والجدران الخضراء. وتظهر الدراسات حسبه، أن التطبيقات الحالية تجمع بين عناصر تراثية كالزراعة المنزلية، وممارسات تصميمية جديدة تؤمن فوائد بيئية وتجارية في آن واحد، ويرى أن انتقال بعض سكان القرى والأرياف إلى المدن والعمارات جعلهم في ظل غياب المساحات الخضراء، يعمدون إلى زرع نباتات زهرية في الشرفات والأسطح كنوع من الحنين إلى القرية والاخضرار.

كما يشير المتحدث، إلى أن الصفحات الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي ساهمت في السنوات الأخيرة في تشجيع مختلف أشكال الغرس والتشجير داخل الفضاءات السكنية.
وإذا كانت دوافع تحويل الشرفات والأسطح إلى مساحات خضراء ترتبط في جانب منها بالحنين إلى الطبيعة والبحث عن الاخضرار المفقود وسط المدن، فإن لهذه المبادرات أيضا بعدا جماليا وحضريا واضحا، لا يقل أهمية عن بعدها البيئي والاجتماعي.ويقول الدكتور خالد فضيل، إن مبادرات الأفراد على مستوى الشرفات يمكن أن تترك أثرا بصريا ومكانيا ملحوظا، خاصة في الأحياء المكتظة، حيث تضيف طبقة خضراء ولمسات جمالية على الواجهات، وتكسر رتابة الحجر والأسمنت، وتخلف مظاهر حيوية في الشوارع الضيقة. ويضيف، أن أثرها يتضاعف إذا انتشرت على نطاق الحي أو القطب الحضري أو المجاورة السكنية، لأن التجميع والتعميم يغيران الانطباع العام للمشهد العمراني. ويؤكد الباحث، أن المبادرات الشخصية بمفردها لا تعوض التخطيط العام الذي يشمل أشجار الشوارع، والساحات، والحدائق العامة والواجهات بل تكملها، مشيرا إلى أن التجميع والتعميم والتحفيز البلدي وتأطير الجمعيات والسلطات المعنية يسرع تأثيرها ويجعل منها ثقافة حضرية تستحق الدعم والاستمرار.
حدائق صغيرة بأثر
بيئي كبير
وإلى جانب البعد الجمالي والعمراني الذي تمنحه المبادرات الفردية للشرفات الخضراء، يؤكد الدكتور خالد فضيل، أن لهذه "الحدائق الصغيرة" قيمة بيئية حقيقية، خاصة في ظل التغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة، إذ يمكن حصر دورها في عدة جوانب أساسية أولها تنقية الهواء، حيث تعمل النباتات على الأسطح والواجهات على التقاط جزء من الجسيمات والغبار، وتسهم في تخفيض تراكيز الملوثات المحلية، غير أن تأثيرها على مستوى بلدي واسع يتطلب تغطية خضراء أكبر ومنهجية تصميمية شاملة.
ثانيا، في تلطيف الحرارة ومواجهة ظاهرة "الجزيرة الحرارية الحضرية"، فالأسطح الخضراء تقلل درجات حرارة الأسطح وتخفض الحاجة إلى التبريد داخل المباني، ويزداد أثرها وضوحا عندما تكون التغطية الخضراء واسعة أو موزعة على شكل شبكات متكاملة.وتشير الدراسات إلى تسجيل انخفاضات محسوسة في درجات حرارة الأسطح وحتى في الحيز القريب بعدة درجات مئوية عند تحقيق تغطية كافية، ما يساهم أيضا في تقليل استهلاك الطاقة الكهربائية داخل المدن. ويضيف الدكتور فضيل، أن حدائق الشرفات تحمل قيمة بيئية حقيقية، لكن تأثيرها الملموس على جودة الهواء وحرارة الأحياء يعتمد أساسا على النسب (كمية التغطية)، والأنواع النباتية المستخدمة، والتصميم التقني الذي يشمل عمق التربة ونظام الري وكثافة النباتات.
لمسات جمالية تعيد التوازن البصري للمدينة
ولا تقف أهمية الشرفات الخضراء عند حدود المناخ والهواء، بل تمتد لتشمل البعد الجمالي والمعماري، إذ يوضح الدكتور خالد فضيل أن الشرفات الخضراء تغير ملمس الواجهات وتجعلها أكثر ليونة، كما تضيف ألوانا وعمق الظل وتقلل شعور القسوة المادية.وفي المدن القديمة قد تحتاج الواجهات التاريخية حسبه، إلى حلول حساسة كالأوعية المعلقة، والنباتات المتسلقة المدروسة حفاظا على القيمة التراثية، أما في المباني الحديثة فهناك حرية أكبر لتضمين أسطح مكثفة أو حدائق حقيقية. ويؤكد الباحث، أن التصميم الجيد يضمن تكاملا جماليا ووظيفيا بدلا من مظهر "عشوائي"، ما يجعل هذه المبادرات جزءا من هندسة الجمال العمراني في المدن المعاصرة.

من المبادرة الفردية إلى السياسة الحضرية.. نحو مدن أكثر استدامة
وبعد أن أثبتت الشرفات الخضراء حضورها كعنصر جمالي وبيئي في النسيج العمراني، يبرز التساؤل الطبيعي حول مستقبل هذه المبادرات: هل يمكن أن تتحول من جهود فردية متفرقة إلى سياسة حضرية مستدامة في الجزائر؟
يجيب الأستاذ خالد فضيل، بأن تحقيق ذلك يظل رهينا بإرادة سياسية حقيقية واعتماد إستراتيجية جديدة في التخطيط الحضري، ويوضح أنه، حتى نبسط الأمر، يمكن للحدائق الصغيرة أن تتحول إلى سياسة حضرية بشرط وجود إطار تنظيمي وتقني وسياسات تحفيزية تشمل حوافز ضريبية أو تخفيضات في الرخص، وخطوط إرشاد وتأطير فنية وتقنية، وبرامج تجريبية على بنايات عمومية مثل الجامعات والمستشفيات والإدارات العمومية بهدف الترويج، مع دعم البلديات لتنفيذ مشاريع نموذجية. ويضيف أن أمثلة عالمية تظهر أن التشريعات والتحفيزات المحلية مثل اشتراطات خضراء للمباني الجديدة، أو حوافز للأسطح الخضراء، تسرع الانتشار، ويمكن للجزائر تبني مقاربة تدريجية تبدأ بالمشروعات البلدية والتعليمية ثم تتوسع تدريجيا.
لكنه يشير في المقابل إلى أن تطبيق هذه المقاربة يواجه بعض الصعوبات التقنية، المرتبطة أساسا بطبيعة المباني والمغروسات، فالغرس تترتب عنه أحمال إضافية على الأسقف والشرفات مثل المياه والتربة، ويحتاج إلى عزل مائي جيد وتصريف مناسب، ومقاومة للرياح في بعض المناطق، وهي قضايا هندسية تتطلب فحصا قبل التطبيق.
ومن جهة أخرى، فإن غياب الدعم من طرف المؤسسات والهيئات العمومية، وضعف التوجيه الرسمي والمعايير المحلية، إضافة إلى غياب الحوافز المالية، كلها عوامل تبطئ وتيرة الانتشار.أما العامل الثالث، فيتعلق بـنقص الوعي والقدرة الفنية والتقنية، حيث تبقى الثقافة الجمالية والبيئية متفاوتة بين السكان، إلى جانب الحاجة إلى التدريب والتكوين في صيانة النباتات وأساليب الري المستدام، دون التسبب في أضرار أو اختلالات في التوازن المائي للنباتات.ويخلص الدكتور فضيل، إلى أن العراقيل يمكن تلخيصها في ثلاث فئات رئيسية تقنية، مؤسسية، وتوعوية، مشددا على أن معالجة كل عامل منها تعد شرطا أساسيا لتعميم ناجح لهذه التجارب الخضراء في المدن الجزائرية.
البلديات ومكاتب الدراسات في صلب مشروع المدينة الخضراء
وفي السياق ذاته، يؤكد الأستاذ خالد فضيل، أن نجاح فكرة الشرفات والحدائق الخضراء لا يتوقف عند حدود المبادرات الفردية، بل يتطلب تفعيل دور البلديات ومكاتب الدراسات ووجود معايير واضحة تؤطر هذه الممارسات.
فالبلديات كما يوضح، قادرة على إصدار دلائل للغرس والبستنة المنزلية، وتنظيم ورشات تدريبية، وتقديم حوافز متنوعة كمنح أراض أو تسهيلات في الرخص أو دعم مالي، إضافة إلى تنفيذ مشاريع تجريبية على المنشآت العمومية كنماذج يُحتذى بها.ويضيف، أن المركز الوطني للتكوينات البيئية ما يزال يضطلع بدور محوري في هذا المجال من خلال ورشاته التكوينية لفائدة الناشطين في الجمعيات ولجان الأحياء، وهي مبادرات يعتبرها في غاية الأهمية، مشيرا إلى أنه شارك بصفته مكوّنًا متعاقدا مع المركز في العديد من هذه الورشات.
من جهة أخرى، يرى فضيل أن مكاتب الدراسات والمهندسين المعماريين مطالبون بالانخراط في هذه المقاربة لتصميم حلول آمنة من حيث الأحمال والعزل والتصريف، واختيار نباتات تتلاءم مع المناخ المحلي، لافتا إلى إمكانية الاستئناس بدلائل فنية عالمية (GRO Code، FLL Guidelines) يمكن اعتماد معالمها محليا كمرجع.
ويضيف، أنه يمكن إدماج الزراعة أو التشجير في الشرفات ضمن رؤية المدينة الذكية والمستدامة ولكن بشروط، موضحا أن أزمة المياه الشروب التي تعاني منها العديد من المدن تشكل عائقا أمام دمج الزراعة داخل الفضاءات الحضرية، ما يستوجب حلولا تقنية مبتكرة، من بينها اعتماد حساسات وأنظمة ري ذكية لتوفير المياه وإدارة بيانات استهلاكها وصحة النباتات وربطها بمنصات المدينة الذكية للمراقبة، توجيه طاقات محلية كبرامج مواطن-عالم (citizen science) لرصد درجات الحرارة ونوعية الهواء حول مواقع خضراء، وأخيرا مزج أسطح خضراء مع طاقة شمسية (agrivoltaics) لرفع كفاءة الطاقة والغذاء، وهناك تجارب دولية ناجحة تقترن بالاستفادة المزدوجة من الأسطح.
من فكرة تجميل إلى هوية عمرانية جزائرية خضراء
وأكد الأستاذ خالد فضيل، أن هذه الثقافة يمكن أن تصبح جزءا من هوية المدن الجزائرية، مشيرا إلى أن الأمر يسير فعلا في هذا الاتجاه، خاصة إذا ربطت بالتراث المحلي من خلال اختيار النباتات المحلية واستغلال الأساليب التقليدية في الشرفات والمساحات الفارغة، ومع دعم مؤسساتي وبرامج تعليمية وتكوينية كالمشاريع النموذجية في الساحات والمدارس، يمكن أن تتحول إلى سمة حضرية مميزة تمزج بين الأصالة والحداثة، وأضاف أن أمثلة محلية عديدة ومبادرات قيمة في بعض المدن والبلديات تظهر بداية وعي يمكن البناء عليه.
كما يدعو الباحث و الناشط في مجال البيئة، إلى البدء من الخطوات البسيطة التي يمكن للجميع تطبيقها دون كلفة أو مخاطرة تذكر، مقدما في هذا السياق جملة من النصائح العملية للسكان الراغبين في المساهمة عبر شرفاتهم، قائلا: "ابدأوا بالغرس في أواني خفيفة الوزن ونباتات مناسبة للمناخ (نباتات محلية، أعشاب، نباتات متسلقة)، وتأكدوا من سلامة السطح أو الشرفة بفحص قدرة التحميل وحالة العزل المائي مع فني مختص إن أمكن (أخصائي الترصيص الصحي)، اختاروا نباتات قليلة الصيانة في البداية، وتعلموا أساسيات التقليم والسماد العضوي، وتواصلوا مع جيرانكم والبلدية والجمعيات المحلية، فالتنسيق الجماعي يجعل الأثر أكبر (شارع أخضر بدل شرفة واحدة)، وشاركوا تجاربكم عبر مجموعات محلية أو مواقع التواصل أو مع جمعيات بيئية لتعميم الممارسات الجيدة، فهذه خطوات منخفضة المخاطر وتسمح بتعلم تدريجي قبل التفكير في تحويلات إنشائية أعمق. ويختتم فضيل، بالتأكيد على أن الزراعة الحضرية على الشرفات والأسطح فكرة قابلة للتطبيق ومفيدة، لكنها تحتاج إلى مقاربة تقنية ومؤسسية لتتحول من مبادرات فردية متفرقة إلى سياسة حضرية مستدامة وذات أثر ملموس، موجها توصياته العملية لسكان ولاية قسنطينة بالبدء بمشاريع نموذجية في المدارس والمباني البلدية، وإدراج دلائل فنية مبسطة، وتحفيز البلديات على اعتمادها كخيار تجميلي وبيئي في آن واحد.
إقبال متزايد على النباتات المنزلية يحول الشرفات إلى فضاءات خضراء
وفي حديثه للنصر، أوضح زين الدين معموش، صاحب مشتلة بولاية قسنطينة، أن الإقبال على اقتناء النباتات والأزهار المنزلية شهد خلال السنوات الأخيرة ارتفاعا ملحوظا من قبل العائلات، مشيرا إلى أن هذا التغير يعكس نموا في الوعي البيئي والجمالي لدى سكان المدينة.
ويضيف المتحدث، أن العديد من الزبائن أصبحوا اليوم يبحثون عن نباتات تناسب الشرفات والأسطح، وأخرى سهلة العناية وتتحمل تقلبات المناخ، ما يدل على انتقال الاهتمام من مجرد الزينة إلى رغبة فعلية في خلق فضاءات خضراء داخل البيوت.ويرى معموش، أن هذا الإقبال المتزايد تغذيه حملات التشجير والمبادرات البيئية التي انتشرت في مختلف ولايات الوطن، إضافة إلى تأثير مواقع التواصل الاجتماعي التي تحولت إلى فضاءات لتبادل الخبرات والنصائح حول الزراعة المنزلية والعناية بالنباتات. ويضيف زين الدين، أن الزبائن باتوا أكثر انتقائية ووعيا في اختياراتهم، فلكل فئة توجهها الخاص وذوقها المميز، فهناك من يقتني النباتات بحثا عن لمسة جمالية تضفي على الشرفة أو غرفة الجلوس روحا من الانتعاش والبهجة، في حين يفضل آخرون الأنواع التي تعكس شغفا حقيقيا بالزراعة والعناية النباتية، سواء داخل البيوت أو في الحدائق الصغيرة.
ويشير، إلى أن أكثر الأنواع طلبا لدى القسنطينيين هي نباتات البوتس (اللبلاب)، والديفنباخيا، والمطاط (الفيكس)، ونبات العنكبوت، وجلد النمر وساق البامبو، والشيفليرا، ونبات السجاد، والشار، وذلك لما تتميز به من ألوان زاهية وسهولة في العناية وانخفاض أسعارها. كما تعرف النباتات الشوكية بمختلف أنواعها رواجا واسعا، إذ يفضلها كثيرون لكونها تتحمل الجفاف ولا تحتاج إلى سقي متكرر، ما يجعلها خيارا عمليا وجذابا خاصة في الشرفات والفضاءات الصغيرة.
الباحثة في العلاقات الدولية أمينة زغيب: كـوب 30 اختبـار للعدالـة المناخيـة

قالت الدكتورة في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، الباحثة في مجال المنظمات والإدارة الدولية بجامعة قسنطينة 3، أمينة زغيب إن قمة المناخ العالمي كوب 30 في البرازيل، ليست محطة بروتوكولية، بل هي معركة وجودية بين من يملك التكنولوجيا ومن يدفع ثمن الانبعاثات دون أن ينتجها.
إيمان زياري
وفي الوقت الذي تتحدث الدول الصناعية عن «الانتقال الطاقوي» لا تزال إفريقيا تبحث عن حقها في البقاء، وسط حرائق غابات وجفاف وفيضانات تتناوب على القارة.
وأوضحت زغيب، أن إفريقيا لن تذهب إلى البرازيل كمجرد مشارك، بل كمفاوض باسم غالبية صامتة تدفع ثمن أزمة لم تفتعلها. معتبرة الفرصة سانحة أمام المجتمع الدولي في هذه القمة لاستعادة الثقة وتصحيح المسار وتجسيد شعار «لا عدالة مناخية بدون عدالة عالمية».
القارة الأقل إسهاما في التلوّث... والأكثر تضررا من تغير المناخ
وقالت الباحثة، بأن إفريقيا تتحمل العبء الأكبر من الانبعاثات الكربونية العالمية، بما يقارب 65 بالمائة من الخسائر المرتبطة بتغير المناخ، فمن منطقة الساحل إلى القرن الإفريقي، مرورًا بحوض الكونغو، ووصولًا إلى السواحل الأطلسية، تتعرض الأراضي للتآكل، وتضطر المجتمعات المحلية إلى النزوح تحت وطأة ضغوط بيئية متزايدة.
وتحدثت، عن تسجيل ارتفاع في متوسط درجات الحرارة العالمية، في مقابل تزايد في أعداد المهاجرين البيئيين، وخسارة ملايين الهكتارات من الأراضي الزراعية الخصبة، مستدلة في ذلك بتقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، حول الهجرة البيئية التي أصبحت الأسرع بين أشكال الهجرة القسرية عالميًا. مع توقعات بأن يتجاوز عدد الأشخاص المهددين بالنزوح الداخلي في إفريقيا 86 مليونًا بحلول عام 2050.
من الوعي إلى التنفيذ
وأكدت الدكتورة زغيب، أنه رغم امتلاك إفريقيا لرؤية طموحة للتنمية المستدامة في أفق عام 2035، تُشكّل ترجمتها هذه الرؤية إلى سياسات ملموسة وتنفيذ فعلي على الأرض تحديا بنيويا، إلا أن النجاح لا يتوقف فقط على صياغة الأهداف، بل يتطلب توافر آليات حوكمة بيئية فعالة، قائمة على الشفافية، والمساءلة، والمعرفة العلمية الدقيقة.
وشدت الباحثة، على أن الحوكمة البيئية المنشودة في السياق الإفريقي يجب أن تكون مفتوحة وتشاركية، تستوعب التعددية المؤسسية وتضمن إدماج الفاعلين غير الحكوميين، بمن فيهم المجتمع المدني والقطاع الخاص.
عندما تصبح البصمة البيئية لغة السياسة الدولية
إن البصمة البيئية لم تعد مجرد مقياس علمي لاستهلاك الموارد بحسب الدكتورة زغيب، بل أداة ضغط جيوسياسي تُقاس بها مسؤولية الدول ومكانتها الأخلاقية في النظام البيئي العالمي.
وفقًا لبيانات «غلوبل فوتبرينت نيتوورك»، يعيش الإنسان اليوم كما لو أن لديه 1.7 كوكب لتغطية استهلاكه السنوي، بينما إفريقيا رغم ضعف مساهمتها في هذا الاستنزاف، تتحمّل الآثار الأكثر فتكًا من تدهور للأراضي الزراعية، وتقلص الغابات، وتصحر يهدد الأمن الغذائي والمائي.
مضيفة أن البصمة البيئية في إفريقيا ليست مجرد أرقام، بل مؤشرات على اختلال التوازن التنموي العالمي، إذ تُنتج القارة أقل لكنها تدفع أكثر.
إفريقيا ترفع سقف التوقعات
يأتي مؤتمر الأطراف كوب 30، في لحظة فارقة من المسار البيئي العالمي بحسب الأستاذة زغيب، فقد تراكمت الفجوات بين الالتزامات والتمويل، وبين التوصيات والتطبيق، في ظل تفاقم الأزمات المناخية بوتيرة تهدد الكوكب بأكمله. غير أن إفريقيا التي لطالما وُضعت في موقع «الضحية الصامتة»، لم تعد تقبل بهذا الدور.واليوم كما تقول الخبيرة، تدخل القارة قمة البرازيل برؤية واضحة وبأجندة أكثر نضجا من أي وقت مضى، تُصرّ فيها على تحويل وعود العدالة المناخية إلى واقع ملموس. وتتلخص أبرز آمالها في عدالة تمويلية تلغي الوعود الشكلية عبر الانتقال من الخطاب إلى الالتزام المالي الفعلي عن طريق تفعيل صندوق الخسائر والأضرار، بحيث تطالب الدول الإفريقية بآلية تشغيلية واضحة، وتمويل مباشر غير مشروط للدول المتضررة.
وذكرت، الوفاء بالتزامات 100 مليار دولار، وهي تعهدات لم تُنفّذ بحسب محدثتنا، منذ اتفاق كوبنهاغن (2009)، بينما تتضاعف التكاليف المناخية سنويًا.
وأكدت المتحدثة، على أهمية نقل التكنولوجيا والمعرفة البيئية من خلال الحصول على تقنيات التكيّف (تحلية المياه، الزراعة الذكية، الطاقة الشمسية...)، وبناء القدرات التقنية والمؤسسية للابتكار المحلي، إلى جانب دعم الانتقال العادل للطاقة وذلك بتمويل التحول من الوقود الأحفوري إلى الطاقات المتجددة دون التضحية بحق إفريقيا في التنمية واحترام السيادة الوطنية على الموارد الطبيعية. خاصة في ظل تنامي الطلب العالمي على المعادن النادرة الإفريقية اللازمة للطاقة النظيفة، مع تضمين البصمة البيئية في اتفاقات المناخ عن طريق تبني منهجية شاملة تقيس العدالة المناخية، انطلاقًا من البصمة البيئية والكربونية، وليس فقط من مستويات الانبعاثات الحالية.
ربطت الأستاذة زغيب، تحقيق هذه الأهداف بعدة عوامل أهمها بلورة موقف قاري موحد بقيادة الإتحاد الإفريقي، وتعزيز دور منظمات المجتمع المدني الإفريقي في المفاوضات كقوة ضاغطة، واستخدام البيانات والإحصاءات بشكل علمي لتسليط الضوء على الخسائر المناخية. وهنا يُعدّ حسب محدثتنا، بناء «قاعدة بيانات إفريقية للمخاطر المناخية» أداة حيوية لتعزيز المطالب على أسس علمية دقيقة، مؤكدة، أن قمة كوب 30 ليست مجرد اجتماع للمفاوضين، بل منصة اختبار لإرادة التغيير الإفريقي، وإعلانٌ لعقدٍ جديد من الإنصاف الذي يجعل البصمة البيئية مؤشرًا للعدالة، والبصمة الكربونية معادلة للسيادة.
ولإفريقيا أن تختار حسبها، أن تستمر في هامش القرار أو أن تدخله بصفتها شريكًا فاعلًا من البداية، فالمستقبل الذي تستحقه القارة لا يُرسم بالتصريحات فحسب، بل بـ «هندسة القرار» التي تربط بين العلم والسياسة والتنمية، وهذا ما تختبره في هذه اللحظة الحرجة من التاريخ.
اكتشافات جديدة تُثـري التنوع البيولوجي

الجمعية الجزائرية للحياة البرية توثق أنواعا نادرة في أقصى الجنوب
في إنجاز علمي جديد يضاف إلى سجل الجزائر في مجال دراسة التنوع البيولوجي، كشف موثق الحياة البرية محمد ميسوم عن تحقيق فريق الجمعية الجزائرية لتوثيق الحياة البرية مؤخرا، سلسلة من الاكتشافات الميدانية المهمة، وذلك خلال بعثة بحثية إلى منطقة تاوندرت في أقصى الجنوب الجزائري، هذه الرحلة الميدانية التي استمرت عدة أيام، أسفرت عن توثيق أنواع جديدة من الطيور والزواحف تُسجل لأول مرة في الجزائر وشمال إفريقيا.
وقال ميسوم «للنصر»، إن الفريق تمكن بفضل الجهود المتواصلة والمراقبة الدقيقة للبيئة الصحراوية القاسية، من تحقيق نتائج ميدانية مميزة تُعد سابقة في تاريخ التوثيق البيئي بالجزائر وشمال إفريقيا، فقد تم رصد وتوثيق نوع جديد من البومة بيضاء الوجه تتميز بخصائص فريدة، تُميّزها عن الأنواع المعروفة سابقا في شمال إفريقيا، حيث تعرف باسم الصَّمْعَة (Ptilopsis leucotis) ، تم توثيقها داخل حدودها الوطنية في منطقة تيمياوين بولاية برج باجي مختار، على مقربة من الحدود مع مالي، مما يشير حسبه، إلى تنوع وراثي غني في المنظومة البيئية الصحراوية.
كما نجح الفريق في تسجيل أول ظهور في الجزائر لطائري السبد والسمامات، وهما من الطيور التي تتطلب مراقبة دقيقة وصبرا طويلا لتوثيقها.
ولم تتوقف الاكتشافات عند هذا الحد، إذ تم أيضا توثيق حرباء إفريقية لم تُسجّل من قبل في البلاد، وهي إضافة علمية هامة تؤكد الامتداد الطبيعي للتنوع الزاحف في المنطقة.
وأكد ميسوم، أن جميع هذه النتائج موثقة بصور ميدانية عالية الجودة التُقطت في بيئاتها الطبيعية، ما يجعلها إضافة رسمية ومعتمدة إلى قائمة الحياة البرية الجزائرية، ومصدرا علميا يمكن الاعتماد عليه في الدراسات البيئية المستقبلية.
وأضاف المتحدث، أن الاكتشافات لم تتوقف عند هذا الحد، إذ تمكن الفريق أيضا من توثيق نوع من الطيور المعروف باسم «الطنان»، حيث تم رصد كل من الذكر والأنثى في بيئتهما الطبيعية. ويُعد هذا التوثيق الأول من نوعه في الجزائر، مما يعكس التنوع البيولوجي الغني الذي تزخر به الصحراء الجزائرية رغم ظروفها المناخية الصعبة.
وأشاد ميسوم، بحفاوة الاستقبال والتعاون الذي حظي به الفريق من مختلف الهيئات الأمنية، مؤكدا أن عناصر الجيش الوطني الشعبي والدرك الوطني والشرطة، قدموا لهم دعما كبيرا وتسهيلات ميدانية ساهمت في إنجاح المهمة البحثية. مضيفا في ذات السياق، أنهم وجدوا كل المساندة التي احتاجها أعضاء الفريق لإتمام عملهم العلمي على أكمل وجه.
وأشار، إلى أن جميع أعضاء الفريق هم من المنتسبين إلى الجمعية الجزائرية لتوثيق الحياة البرية، ويشكلون مجموعة من الباحثين والمصورين المتخصصين الذين يجمعهم حب الطبيعة والشغف بالحفاظ على التنوع البيولوجي في الجزائر. وأوضح أن عمل الفريق يقوم على تنسيق دقيق وتخطيط مسبق قبل كل رحلة ميدانية، إذ تُدرس الظروف المناخية وطبيعة المنطقة المستهدفة لضمان سلامة الأفراد ودقة الملاحظات.
وأضاف، أن كل طائر يعيش في بيئة خاصة به لا يمكن استبدالها، فهناك أنواع لا توجد إلا بين الكثبان الرملية، وأخرى في الصخور أو السهول أو بين الحجارة، مشددا على أن لكل نوع نظاما بيئيا فريدا يجب احترامه ودراسته بعناية لفهم توازنه الطبيعي.وتأتي هذه الاكتشافات حسب محمد ميسوم، لتسلط الضوء على غنى الصحراء الجزائرية بالحياة البرية، وتؤكد ضرورة تعزيز برامج البحث والحماية البيئية في الجنوب، الذي لا يزال يخفي الكثير من الأسرار الطبيعية.
مؤكدا، أن هذه النتائج تدعو إلى مزيد من الدعم للمبادرات العلمية المحلية التي تسهم في إبراز الوجه البيئي للجزائر، وتضعها في مصاف الدول المهتمة بحماية التنوع البيولوجي في إفريقيا والعالم.
سامية إخليف